«المال السياسي» يضرب «حماة الوطن».. قيادات تستقيل احتجاجاً على «بيع المقاعد» بـ25 مليون جنيه... والحزب يرد
في خضم الاستعدادات الحزبية لانتخابات مجلس النواب، تلوح في الأفق أزمة سياسية عميقة داخل حزب حماة الوطن، وتحديدًا في محافظة الجيزة، تحديًا جديدًا يلقي بظلاله على مفهوم العمل الحزبي والتمثيل الشعبي.
فبينما تسعى الأحزاب لاستقطاب الكفاءات والكوادر، تتفجر داخل أروقة أحد أبرز الأحزاب الداعمة للدولة، وهو حزب حماة الوطن، أزمة حادة قد تعصف بمستقبله السياسي.
هذه الأزمة لا تقتصر على مجرد خلافات تنظيمية، بل تفتح ملفًا شائكًا حول العلاقة بين المال والنفوذ من جهة، والعمل السياسي الجماهيري من جهة أخرى، مما يثير تساؤلات جدية حول جدوى العمل الحزبي في ظل غياب الرقابة على ممارساته الداخلية.
شهد حزب حماة الوطن في محافظة الجيزة هزة عنيفة بعد أن قدمت قيادات بارزة، على رأسها محمد عبدالله سعودي (رئيس قطاع جنوب الجيزة السابق) وحنان فايز شرشار (أمين قسم الوراق)، استقالات جماعية، احتجاجًا على ما وصفوه بـ "تغليب المال والنفوذ على الكفاءة".
الأزمة، التي بدأت باستقالة جماعية من قيادات ميدانية، اتخذت منحنى أكثر حدة مع اتهامات صريحة وخطيرة بـ "بيع المقاعد" مقابل مبالغ مالية ضخمة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الحياة الحزبية في مصر ودور المال في تشكيل الخريطة السياسية.
"باراشوتات" تهمش الكوادر
فجّر القيادي السابق في الحزب، محمد عبدالله سعودي، أزمة غير مسبوقة بتقديمه استقالة جماعية نيابةً عن نفسه وعن أعضاء قطاع جنوب الجيزة، احتجاجًا على ما وصفه بـ"تغييب القواعد" و"تغليب النفوذ والمال على الكفاءة".
وكشف محمد سعودي أن الأزمة بدأت عندما تم فرض مرشح "باراشوت" من خارج الدائرة، يملك المال والنفوذ، على حساب القواعد الشعبية التي عملت لسنوات في الشارع. وأكد أن "ما بُني خلال 9 سنوات تم بيعه في صفقة انتخابية". هذه السياسة، بحسب المستقيلين، تُفقد الحزب شعبيته وتقتل أي أمل لدى الشباب الطموح الذي يعمل بجد.
اتهامات بـ"صفقات انتخابية"
وفجرت حنان شرشار مفاجأة من العيار الثقيل، مؤكدةً في تصريحات صحفية أن قيادات في الحزب طلبوا منها 25 مليون جنيه مقابل الترشح لمقعد برلماني، وهو ما يشير إلى أن المقاعد تُباع وتُشترى، وأن الولاء الحقيقي أصبح للمال لا للجهد والتضحية.
وأشارت إلى أن هذا المبلغ "غير منطقي أبدًا" وأنها تعرضت للتجاهل التام عند محاولتها التصعيد.
ووصفت ما يحدث بأنه "فساد صريح"، مشيرة إلى أن هذا السلوك يقتل أي أمل لدى الشباب والأعضاء المخلصين الذين يعملون بجد دون مقابل.
مواقف متضاربة.. صمت رسمي واتهامات علنية
في أول رد رسمي على هذه الاتهامات، قال الدكتور عمرو سليمان، المتحدث باسم الحزب، في تصريحات مقتضبة: "لا يوجد أي ردود على ما يُثار، وما داخل أروقة حزب حماة وطن داخل أروقة الحزب قولا واحدا !!".
هذا الصمت أثار غضب المستقيلين الذين يرون فيه تجاهلاً لمطالبهم وإهدارًا لجهودهم.
من جهتهم، يصرّ كل من سعودي وشرشار على مواصلة كشف ما يصفانه بالفساد.
ورغم استقالته من الحزب، أكد سعودي أنه لن يترك العمل السياسي، بل قد يخوض الانتخابات كمرشح مستقل أو من خلال كيان آخر.
أما حنان شرشار، فأكدت أنها "لن تسكت" عن حقها وستواصل فضح الفساد حتى لو تعرضت لضغوط، وناشدت حنان شرشار الرئيس السيسي، مؤكدةً: "نفسي صوتي يوصل للرئيس السيسي.. أنا واخدة دورة في الرقابة الإدارية، وفاهمة يعني إيه فساد، ومتأكدة إن الرئيس مش ممكن يرضى بكده".
ودعت إلى وجود جهة رقابية مستقلة على أداء الأحزاب السياسية، مشيرةً إلى غياب الرقابة عن الممارسات الداخلية.

صراع "المال" و"الكوادر" يهدد الحياة الحزبية
تُسلّط هذه الأزمة الضوء على مشكلة أعمق في الحياة الحزبية المصرية، غياب الكوادر المؤهلة، أو بالأحرى، تهميشها. فالحزب، كونه كيانًا حديثًا نسبيًا، لم يقم بتأهيل كوادر سياسية كافية على مدار السنوات الماضية.
وعندما يحين وقت الانتخابات، يلجأ إلى استقطاب مرشحين من خارج صفوفه، ممن يملكون المال، على حساب الكوادر التي بذلت الجهد والوقت لبناء قاعدته الشعبية.
وهذا ما يهدد بـفقدان الثقة بين الحزب وقواعده، ويجعل العملية السياسية أشبه بـ"صفقات"، لا تعكس الإرادة الشعبية أو الكفاءة.
ورغم استقالة سعودي وشرشار، إلا أنهما يؤكدان استمرارهما في العمل السياسي، كرسالة مفادها أن الولاء للوطن، وليس للحزب، وأن النضال من أجل التغيير سيستمر حتى لو بشكل مستقل.
هل يبتلع "المال" الأحزاب؟ أزمة "حماة الوطن" تكشف الأزمة
تُلقي هذه الأزمة بظلالها على المشهد السياسي في مصر برمته، حيث تعيد للأذهان المخاوف من هيمنة "المال السياسي" على العملية الانتخابية وتهميش الكفاءات الحزبية الحقيقية.
ويخشى مراقبون من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى فقدان الأحزاب لرصيدها الشعبي، وتهدم جسور الثقة بين المواطن والمؤسسة الحزبية.
كما أن المطالبات بوجود جهة رقابية مستقلة على أداء الأحزاب تأتي لتؤكد على ضرورة إعادة النظر في آليات العمل السياسي لضمان الشفافية والمساواة.














