رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سيرة برلماني لم يملك سوى وطنه ليمنحه

فكري الجزار.. "الفلاح الفصيح" الذي تحدّى السلطة وكذب الأيديولوجيات

الراحل فكري الجزار
الراحل فكري الجزار

في صفحات التاريخ السياسي المصري، قلّما تجد شخصيات خرجت من قلب الريف لتصنع حضورًا وطنيًا صادقًا يتجاوز الانتماءات الحزبية والمصالح الضيقة، ولكن هناك من غير تلك الفكرة والنظرة، وهو فكري الجزار، ابن قرية دماط بمحافظة الغربية، والذي لم لم يكن مجرد نائب برلماني عابر، بل كان أيقونة للمسئولية الشعبية، و"الفلاح المثقف" الذي وقف في وجه السلطوية، وظل صوته حرًّا لا يُشترى، حتى صار يُعرف بـ"شيخ المستقلين"، بينما لقّبه الرئيس جمال عبد الناصر بـ"الفلاح الفصيح".

في هذا البروفايل الصحفي، نستعرض سيرة رجلٍ لم يسعَ إلى مجد شخصي، بل قضى عمره مدافعًا عن الفقراء، ومساهمًا في صياغة وعي وطني ظل حاضرًا حتى بعد رحيله.

النشأة والبدايات.. ابن العمدة الذي انحاز للفقراء

وُلد الحاج فكري الجزار في قرية دماط، مركز قطور بمحافظة الغربية، في عهد الملك فؤاد، ونشأ في بيئة ريفية تشبّعت بالكرامة والانتماء، لكنه لم يركن لمكانته كابن عمدة، بل اختار الانحياز إلى هموم الناس وآمال الفلاحين.

دخل المعترك السياسي في وقت كانت فيه البلاد تمور بالتحولات الكبرى، ليصبح نائبًا برلمانيًا في ثلاثة عصور جمهورية: عبد الناصر، السادات، ومبارك.

"الفلاح الفصيح": عندما ناداه جيفارا أمام عبد الناصر

في حكاية نادرة تروى، يقول الدكتور محمد فكري الجزار عن والده، إنه "زار  كوبا ضمن وفد فلاحين مصريين في عهد عبد الناصر، وهناك التقى بالثائر الأممي تشي جيفارا، وبعد فترة، زار جيفارا مصر، وأثناء تقديم الشخصيات له، فوجئ الجميع به ينادي على أبي: (فكري.. فكري)، حتى عبد الناصر نفسه اندهش من هذه العلاقة.
بعدها، تحدث والدي في حضور الرئيس، فأعجب به عبد الناصر، وأطلق عليه لقب "الفلاح الفصيح" الذي لازمه طيلة حياته."

برلماني عتيد.. و"شيخ المستقلين"

فكري الجزار لم يكن تابعًا لأي حزب سياسي، رغم محاولات استقطابه، وظل طوال حياته نائبًا مستقلاً، صوتًا حرًّا لا يخضع إلا لقناعته.
لم ينتمِ لحزب إلا عندما كان الأمر وطنيًا بامتياز، مثل حماية حزب مهدد أو تأسيس كيان سياسي مقاوم للسلطة.

وقد أجمعت قوى وطنية عديدة على احترامه وتقديره، إلى درجة أنها أجمعت على عدم الترشح أمامه في دائرته، إيمانًا بأن صوته كان صوتها. لذلك استحق عن جدارة لقب "شيخ المستقلين".

اتهامات الإخوان وكذب التاريخ: "ابني يرد عن شرفي الوطني"

رغم هذا التاريخ الناصع، حاولت قنوات الإخوان بعد وفاته أن تنسبه إلى صفوفهم، فخرج ابنه، د. محمد فكري الجزار، ليرد غاضبًا:

"فكري الجزار لم يكن يومًا من الإخوان ولا قريبًا منهم، بل كان أول من أطلق عليهم وصف "المتأسلمين"، وواجههم فكريًا وسياسيًا، واتهموه بالشيوعية في الستينات وبالكفر في الثمانينات، ثم بعد وفاته يزعمون أنه كان مؤيدًا لهم!".

ويضيف فكري "أنا أفتخر أنني ابن رجلٍ لم تحكمه أيديولوجيا، ولا هواه الشخصي، بل فقط ضميره الوطني، ولو كانت المصرية دينًا، لكان أبي نبيها."

تجربة الاعتقال.. والإيمان بالتجربة الناصرية

واعتقل فكري الجزار في يوليو 1967 لأسباب سياسية، لكنه ظل يؤمن بأن عبد الناصر لم يكن يعلم باعتقاله، اذ يقول ابنه: "كان يؤمن بأن من أمر باعتقاله شخصية سياسية كبيرة لم يرد أن يذكر اسمها، ومع ذلك، لم تهتز قناعته بالتجربة الناصرية، بل بقي نصيرًا للفقراء حتى آخر يوم في عمره."

سقوطه الانتخابي الوحيد: تحالف الإخوان والحزب الوطني

رغم تاريخه السياسي الحافل، لم يسقط فكري الجزار في الانتخابات سوى مرة واحدة عام 2000، وكانت سقوطته نتيجة تحالف مشبوه بين الحزب الوطني والإخوان المسلمين، ضمن صفقة لإسقاط رموز المعارضة الحقيقية، تحالف وقتها المال السياسي مع الدعاية الدينية والبلطجة لإسقاط صوت الاستقلال، ونجحوا في ذلك، لكنهم لم يستطيعوا إسقاط اسمه من ذاكرة الوطن.

وفاته.. قبل لحظة السقوط الكبير

رحل الحاج فكري الجزار قبل سقوط نظام مبارك بـ70 ساعة فقط، في لحظة تاريخية كانت مصر فيها على وشك التحول الكبير.
خرج الآلاف في جنازته، يودّعون الفلاح المثقف والنائب النزيه الذي أنفق من ماله وأرضه لخدمة دائرته، دون أن ينتفع من منصبه بشيء.

إرث لا يُنسى.. وموقف لا يُشترى

ويرى نجله الدكتور محمد فكري الجزار، أن الدفاع عن شرف أبيه الوطني ليس مجرد واجب عائلي، بل التزام أخلاقي تجاه مصر وتاريخها، ويقول "لقد ساهمتُ بكتاباتي خلال عام حكم الإخوان في فضحهم، لا لشيء إلا لأكون أمينًا على اسم أبي، الذي ظلّ طوال حياته رمزًا للنقاء السياسي."

خاتمة: من تراب الأرض إلى منصة البرلمان.. ومن الحب الصادق إلى الصمت الجليل

فكري الجزار لم يكن سياسياً عادياً، بل رجلًا عاش بسيطًا ومات عظيمًا، لم يسع إلى سلطة ولم يهادن خصمًا على حساب الوطن، ولم يخن قناعاته في زمن الانقلابات الفكرية.

لقد ظل كما بدأ:

فلاحًا يزرع الأمل.

برلمانيًا ينطق بالحق.

مصريًا لا يُباع ولا يُشترى.

فليحاول من يشاء تزوير التاريخ، ولكن تظل سيرة الحاج فكري الجزار حاضرة في وجدان كل من آمن بأن السياسة يجب أن تبدأ من الضمير.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء