رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بروفايل| فقيه الدستور وفارس المعارضة.. ممتاز نصار برلماني واجه السلطة

إيجبتكِ

في تاريخ مصر البرلمان العريق، تترسخ أسماء في الذاكرة ليس فقط بسبب مناصبها، بل بسبب مواقفها التي تحولت إلى أيقونات في سجلات النضال من أجل دولة القانون. 

ومن بين هذه الأسماء، يبرز اسم المستشار ممتاز نصار، أحد مؤسسي حزب الوفد الجديد، ونوابه تحت القبة.

فقيه الدستور الذي ارتدى عباءة البرلماني، وامتطى صهوة المعارضة، ليُقدم نموذجًا فريدًا في العلاقة بين رجل القانون ورجل السياسة، ويُثبت أن الشجاعة لا تُشترى، وأن المبادئ هي رصيد لا يفنى.

لم يكن ممتاز نصار مجرد قاضٍ أو نائب، بل كان تجسيدًا حيًا لفكرة "سلطة القانون" في مواجهة "قوة السلطة". 

كانت رحلته المهنية والسياسية سلسلة من التحديات والمواقف التي كشفت عن شخصية صلبة، لا تعرف التنازل عن مبادئها الدستورية، حتى لو كان الثمن هو الدخول في صدام مباشر مع رأس الدولة.

في هذا التقرير عبر إيجبتكِ سنخوض في بحار رموز المعارضة ونقدم لكم سيرتهم السياسية.

من البداري إلى قاعة العدالة

وُلد ممتاز محمد نصار في محافظة أسيوط عام 1912، في بيئة اجتماعية غرسَت فيه قيم الجدية والالتزام. وعائلة لها صيت في جنبات الصعيد.

لم يكن شغفه بالقانون وليد الصدفة، بل كان نابعًا من إيمان عميق بأن العدالة هي أساس العمران. 

بعد اجتيازه الثانوية العامة في مدينة البداري بمحافظة أسيوط، التحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة.

بعد تخرجه، سلك نصار عمل بالمحاماة، ثم بدء مسيرته في سلك النيابة العامة، قبل أن يتدرج في مناصب القضاء، فعمل قاضيًا ومستشارًا في محكمة الاستئناف ثم محكمة النقض. 

خلال هذه الفترة، بنى سمعته كقاضٍ نزيه، يتمتع بفهم عميق للقانون وقدرة فذة على استخلاص الحقائق. 

فارس المعارضة بلا تنظيم: البرلماني والمشرّع

شغل المستشار ممتاز نصار عضوية مجلس إدارة نادي القضاة في عام 1947، ثم تولى منصب سكرتير النادي في العام نفسه، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1962، حين تم انتخابه رئيسًا لنادي القضاة. ظل في هذا المنصب حتى وقوع "مذبحة القضاة" عام 1969.

 

في تلك الفترة، استدعاه وزير العدل آنذاك، المستشار عصام حسونة، وطلب منه رسميًا الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي، عارضًا عليه تولي أمانة القضاء داخل الحزب. غير أن المستشار ممتاز نصار رفض ذلك بشدة، مؤكدًا أن القضاء يجب أن يظل مستقلاً لأنه ملكٌ للشعب، لا لرئيس الدولة.

عقب هذا الموقف، وقعت "مذبحة القضاة" الشهيرة، عندما أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارًا بإحالة 208 قاضٍ إلى التقاعد، وكان المستشار ممتاز نصار في مقدمتهم.

خاض ممتاز نصار تجربة العمل السياسي بعد خروجه من سلك القضاء واتجاهه إلى ممارسة مهنة المحاماة، حيث قرر الترشح لأول مرة لعضوية مجلس الشعب عن دائرة البداري بمحافظة أسيوط في عام 1976، ونجح بالفعل في كسب أولى معاركه الانتخابية.

في تلك المرحلة، كان السادات يعمل على إعادة تشكيل الخريطة السياسية للبلاد، وإرساء نظام الحزب الواحد. كان ممتاز نصار من أبرز الأصوات المعارضة لهذه التوجهات، ورأى فيها تهديدًا للديمقراطية والحريات العامة.

 كانت معارضته قائمة على أسس دستورية وقانونية راسخة.

وفي الانتخابات التالية، أعاد ترشيح نفسه مرة أخرى، إلا أن المجلس تم حله في عام 1979 قبل انتهاء مدته الدستورية، وذلك بسبب معارضة 13 نائبًا لاتفاقية كامب ديفيد، وكان ممتاز نصار من أبرزهم.

أهل البداري يحمون صناديق الاقتراع

ورغم ذلك، لم يتخلَّ أبناء دائرة البداري عن دعمهم له، بل وقفوا بجانبه وساندوه بقوة، حيث قاموا بحماية صناديق الاقتراع بأنفسهم، ومنعوا أي محاولة لتزوير النتائج، ورافقوا الصناديق حتى انتهاء عملية الفرز. 

ونتيجة لهذا الالتفاف الشعبي، تمكن ممتاز نصار من الفوز بعضوية مجلس الشعب، ليكون الوحيد من بين النواب المعارضين للاتفاقية الذي حافظ على مقعده.

حماية هضبة الأهرام ومواجهة كامب ديفيد

في عام 1976، حصل ممتاز نصار على لقب "أفضل نائب برلماني"، وبدأ نضاله بموقفه الشهير برفض اتفاقية كامب ديفيد، مطالبًا بعرضها أولًا على البرلمان.

تم تكليف المستشار ممتاز نصار بقيادة حزب الوفد الجديد في محافظة أسيوط، وهو الحزب الذي يُعد من أقوى أحزاب المعارضة المصرية، وذلك منذ عودته إلى الساحة السياسية في أواخر السبعينيات.

قدم استجوابه الشهير حول بيع أراضي هضبة الأهرام، وتصدّى لمحاولة بيع الأرض وتحويلها إلى مشروع استثماري، وانتزع حكمًا تاريخيًا بوقف عملية البيع. كانت النتيجة أن أرسلت هيئة اليونسكو خطاب تقدير للمستشار ممتاز نصار، لإنقاذه أهم آثار مصر من السرقة.

إرث لا يزول: قاضيًا، ومفكرًا، ومؤلفًا

ظل الراحل ممتاز نصار يكتب في جريدة الأحرار منذ تأسيسها عام 1977 وحتى وفاته في أبريل 1987. وخلال تلك السنوات، كان صوتًا حرًا ومدافعًا صادقًا عن العدالة واستقلال القضاء، لم يتوانَ عن التعبير عن مواقفه بقوة ووضوح. 

وقد وثّق جانبًا من نضاله القانوني والفكري في كتابه المعروف بعنوان: "معركة العدالة في مصر".

رحل ممتاز نصار عن عالمنا في 11 أكتوبر 2002، تاركًا خلفه إرثًا ضخمًا، يمتد إلى نموذج شخصي يُحتذى به في الشجاعة والالتزام والنزاهة. لقد جسد ممتاز نصار الحلم المصري بدولة المؤسسات، حيث يكون القانون هو الحاكم الأوحد. 

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء