رغم خفض العائد.. مصر ضمن أعلى 12 دولة عالميًا في أسعار الفائدة
في وقت تتجه فيه البنوك المركزية حول العالم إلى اتباع سياسات تيسير نقدي تدريجي، ما زالت مصر ضمن الدول الأعلى عالميًا في أسعار الفائدة، كأداة رئيسية لمواجهة الضغوط التضخمية وحماية استقرار الاقتصاد.
ورغم قيام البنك المركزي المصري مؤخرًا بتقليص معدلات الفائدة ضمن سياسة محسوبة للتوازن بين النمو والتهدئة النقدية، جاءت مصر في المرتبة الـ 12 عالميًا من حيث ارتفاع أسعار الفائدة، بحسب مسح أجراه موقع "إيجيبتك" على سعر العائد على الإيداع والاقراض عالميًا.
وقررت لجنة السياسة النقديـة للبنك المركزي المصري يوم الخميس الموافـــق 28 أغسطس 2025 خفض سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 200 نقطة أساس إلى 22.00% و23.00% و22.50%، على الترتيب.
كما قررت خفض سعر الائتمان والخصم بواقع 200 نقطة أساس ليصل إلى 22.50%، ويأتي هذا القرار انعكاسا لتقييم اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته منذ اجتماعها السابق.
يعتمد البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة كأحد أهم أدواته للسيطرة على معدلات التضخم المرتفعة، والحد من الضغوط على سعر الصرف، إلى جانب جذب الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية التي تقدم عوائد مرتفعة مقارنة بالأسواق المنافسة.
ويؤكد محللون اقتصاديون أن السياسة النقدية في مصر ستظل متشددة نسبيًا في الأجل القريب، حتى تظهر دلائل واضحة على تراجع الموجة التضخمية محليًا وعالميًا بشكل مستدام.
استند قرار البنك المركزي المصري الأخير بشأن سعر الفائدة على تحسن ملموس في السيطرة على معدلات التضخم، وأداء اقتصادي محلي فاق التوقعات.
التضخم تحت السيطرة
شكل تراجع معدلات التضخم الدافع الرئيسي للقرار، حيث نجحت السياسة النقدية المتشددة، بالتوازي مع استقرار سعر الصرف، في كبح جماح الموجة التضخمية العنيفة، وفقاً للبيانات التي استعرضتها لجنة السياسة النقدية، فقد انخفض المعدل السنوي للتضخم العام إلى 13.9% في يوليو 2025، مواصلاً مساره التراجعي من 14.9% في يونيو، ومبتعدًا بفارق واضح عن الذروات التي سُجلت خلال الفترات السابقة.
أما التضخم الشهري، فقد سجّل معدلاً سالباً للشهر الثاني على التوالي، ليبلغ -0.5% في يوليو، ويعد هذا المؤشر بالغ الأهمية لدى الاقتصاديين، إذ لا يعكس فقط توقف ضغوط الأسعار الشهرية، بل يشير كذلك إلى بداية انعكاسها، ما يدعم الرؤية بأن المسار الهبوطي للتضخم بات أكثر استدامة.
وفي السياق ذاته، استقر معدل التضخم الأساسي - الذي يستبعد السلع ذات الأسعار المتقلبة - عند 11.6%، مما يشير إلى تراجع الضغوط التضخمية الكامنة داخل الاقتصاد.
استمرار انخفاض التضخم خلال 2025
وفي ضوء تباطؤ التضخم العام إلى 15.2% خلال الربع الثاني من عام 2025، مقارنة بـ16.5% في الربع السابق، يتوقع البنك المركزي المصري أن يستمر هذا الاتجاه التنازلي خلال الفترة المقبلة، وتشير تقديراته إلى أن متوسط معدل التضخم سيتراوح بين 14% و15% خلال عام 2025، مع استهداف الوصول إلى النطاق المستهدف بين 5% و9% بحلول نهاية عام 2026.
نمو اقتصادي يدعم قرار خفض سعر الفائدة
لم يأتِ انخفاض التضخم على حساب النشاط الاقتصادي، بل على العكس، أظهر الاقتصاد المصري مرونة لافتة وأداءً فاق التوقعات، مما منح صانعي السياسة النقدية مساحة للتحرك دون المخاطرة بإدخال الاقتصاد في حالة من الركود.
ووفقاً لتقديرات لجنة السياسة النقدية، بلغ معدل النمو الاقتصادي نحو 5.4% خلال الربع الثاني من عام 2025، متجاوزاً التوقعات السابقة، ويُعزى هذا الأداء الإيجابي بوجه خاص إلى النمو في قطاعي الصناعات التحويلية غير البترولية والسياحة، وهما من القطاعات الحيوية كثيفة العمالة، والركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة.
فنزويلا تتصدر قائمة أعلى الدول في سعر القائدة
تصدرت فنزويلا قائمة أعلى دول العالم في أسعار الفائدة بنسبة بلغت 59.23%، تلتها تركيا في المركز الثاني عند مستوى 43.00%، ثم زيمبابوي في المركز الثالث بـ 35.00%. وحلت الأرجنتين في المرتبة الرابعة بسعر فائدة 29.00%، تلاها السودان بنسبة 28.30%، ثم نيجيريا في المركز السادس عند 27.50%.
أما اليمن فجاء في المركز السابع بـ 27.00%، تليه مالاوي بـ 26.00%. وفي المركز التاسع حلّت كل من غانا والكونغو بنسبة 25.00%، بينما احتلت إيران المرتبة الحادية عشرة عند 23.00%. وأُغلقت القائمة بمصر التي حلت في المركز الثاني عشر بسعر فائدة 22.00%.
الاقتصادات الناشئة
تكشف القائمة أن معظم الدول الأعلى في أسعار الفائدة تنتمي إلى الاقتصادات الناشئة، حيث تواجه تحديات مشتركة تتعلق بارتفاع معدلات التضخم وضعف استقرار العملات المحلية أمام العملات الأجنبية.
ويرى محمد البيه الخبير الاقتصادي في تصريحات خاصة لـ" إيجيبتك" أن هذه السياسات النقدية القوية، رغم كلفتها العالية على الاستثمار المحلي والقطاع الخاص، تظل وسيلة فعالة لضبط الأسواق وحماية الاقتصادات من موجات التضخم المستوردة.
وأكد البيه أنه في ظل التوجهات العالمية نحو خفض تدريجي لأسعار الفائدة مع انحسار التضخم في العديد من الاقتصادات المتقدمة، يبقى موقف مصر متمايزًا، إذ يتطلب السياق المحلي الاستمرار في تشديد السياسة النقدية نسبيًا لحماية استقرار الاقتصاد الكلي.
ويتوقع أن يعيد البنك المركزي تقييم سياسته خلال الفترة المقبلة وفقًا لتطورات معدلات التضخم والضغوط على العملة، مع الموازنة بين أهداف الاستقرار النقدي وتحفيز النمو الاقتصادي.

