قبل اجتماع الفيدرالي.. هل تبدأ مصر في جني ثمار خفض الفائدة الأمريكية؟
وسط حالة من الترقب العالمي، تنعقد اليوم جلسة حاسمة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لاتخاذ قرار طال انتظاره بشأن أسعار الفائدة، قرار قد يبدو أمريكيًا في مضمونه، لكنه يحمل في طياته تأثيرًا واسع النطاق يمتد إلى مختلف أسواق العالم، لا سيما الأسواق الناشئة، ومنها الاقتصاد المصري الذي يترقب بانتباه ما إذا كان هذا القرار سيفتح أبوابًا جديدة أمام تدفقات رؤوس الأموال والاستقرار النقدي.
الخبراء المصرفيون أجمعوا على أن خفض الفائدة أصبح شبه محسوم، وأن المكاسب المحتملة على المدى القصير تشمل ارتفاع الذهب، تراجع الدولار، وزيادة شهية المخاطرة في الأسواق المالية.
محمد عبد العال: خفض الفائدة قرار محسوم
قال الخبير المصرفي محمد عبد العال، إن اجتماع الفيدرالي الأمريكي اليوم يكتسب أهمية استثنائية، نظرًا لتأثير قراراته المباشر على اتجاهات رؤوس الأموال وأسعار الأصول عالميًا.
وأوضح أن هناك محورين رئيسيين يسيطران على توقعات الاجتماع: الأول، خفض الفائدة بواقع ربع نقطة مئوية، وهو قرار أصبح يقينًا لدى الأسواق منذ أكثر من شهر. أما المحور الثاني، فيتعلق بتوجهات السياسة النقدية المستقبلية، إذ يتعرض جيروم باول لضغوط سياسية متزايدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفعه نحو خفض أكبر للفائدة.
وأكد عبد العال أن باول قد يلمّح في خطابه إلى هذه الضغوط، لكنه سيركز على تهدئة الأسواق دون الإفصاح عن توجهات حاسمة، خصوصًا في ظل عدم دعم البيانات الاقتصادية الحالية لمزيد من التيسير النقدي.
انعكاسات مباشرة على الأصول والأسواق
يرى عبد العال أن خفض الفائدة سيؤثر على أسواق الأسهم والسندات، حيث سيقلل من جاذبية أدوات الدين الأمريكية، ويدفع المستثمرين للبحث عن أسواق بديلة ذات عائد أعلى ومخاطر مقبولة.
وعن مصر، أشار إلى أن القرار سيعزز تدفقات الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، خاصة نحو أدوات الدين الحكومية. وأضاف:
"مصر شهدت زيادة ملحوظة في هذه التدفقات مؤخرًا، رغم تخفيض المركزي للفائدة بـ 525 نقطة أساس منذ أبريل 2025، مما يعكس ثقة المستثمرين في استقرار السوق المصرية".
عز الدين حسنين: الذهب سيتجاوز 4000 دولار
من جانبه، توقع الخبير المصرفي عز الدين حسنين، أن يتجه الفيدرالي إلى خفض الفائدة بربع نقطة مئوية على الأقل، ما سيُحدث تحولات كبيرة في الأسواق.
وأكد أن الذهب سيكون من أبرز المستفيدين، متوقعًا أن يتجاوز سعر الأوقية 4000 دولار قبل نهاية العام، مع تراجع مؤشر الدولار إلى مستويات 95 نقطة.
وأضاف أن جاذبية السندات الأمريكية طويلة الأجل، وخاصة ذات العشر سنوات، ستتراجع، بينما ستنتعش الأسواق المالية عالميًا، إلى جانب ارتفاعات طفيفة في أسعار النفط والمعادن الصناعية والعقود الآجلة للسلع الأولية.
وفي الشأن المصري، أوضح حسنين أن خفض الفائدة الأمريكية يعزز جذب الأموال الساخنة، خاصة مع ارتفاع الفائدة محليًا، ما سيدعم استقرار الجنيه، ويعزز الاحتياطي النقدي ليتجاوز 50 مليار دولار، إلى جانب تحسن التصنيف الائتماني وانخفاض تكلفة التأمين ضد المخاطر.
وأضاف: تركيا تقدم عوائد أعلى على أدوات الدين، لكن مصر تتميز باستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي، مقارنة بتشابكات تركيا الإقليمية".
رائد سلامة: أمريكا تعاني من أزمة هيكلية
من زاوية أعمق، يرى الدكتور رائد سلامة، الباحث الاقتصادي وزميل كلية المحاسبين القانونيين الأمريكية، أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يمر بحالة من الغموض والتعقيد، في ظل مشكلات حقيقية تتعلق بالتوظيف والتضخم وعجز الموازنة.
وأشار إلى أن عجز الموازنة بلغ في أغسطس 345 مليار دولار، بإجمالي عجز سنوي يصل إلى 1.973 تريليون دولار، مؤكدًا أن هذه الأرقام تكشف عن أزمة هيكلية سببها التركيز على الأدوات المالية بدلًا من الاقتصاد العيني.
وتوقع سلامة أن يكون خفض الفائدة محدودًا بين 0.25% و0.50%، وهو أقل مما يطالب به ترامب، الذي يضغط من أجل خفض أوسع يصل إلى 1%.
وفي ظل تراجع الثقة بالعملات المشفرة، قال إن المستثمرين سيتجهون نحو الذهب، خصوصًا مع استمرار الأزمات الدولية مثل الحرب في فلسطين وأوكرانيا، مؤكدًا أن "الذهب سيواصل الصعود، رغم صعوبة تحديد رقم معين، بسبب التأثير الكبير للعوامل الجيوسياسية المعقدة".
فرصة لمصر إن أحسنت استغلالها
مع ترجيح الأسواق لخفض الفائدة الأمريكية، تبدو الفرصة سانحة للاقتصاد المصري لتعزيز مكانته بين الأسواق الناشئة، بشرط استمرار السياسات الجاذبة للاستثمارات، وتحقيق الاستقرار النقدي، وتوسيع قاعدة الإنتاج والتصدير.
خفض الفائدة عالميًا قد يقلل الضغط على الجنيه، ويوفر متنفسًا للبنك المركزي لتوسيع التيسير النقدي دون التضحية بالجاذبية الاستثمارية، خاصة في أدوات الدين السيادية.



