الكاتبة الإماراتية عائشة الغيص: في رمضان أُبدل ثياب الكاتبة بالزوجة|حوار
عائشة الغيص لـ«إيجبتك»:
مائدة الإفطار لا تحكمها قوانين الكاتب وإنما ديمقراطية البيت
والدتي هي الجندي المجهول وصوتها القريب يخفف وطأة التعب
أجد راحتي في قراءة سورتي الرحمن والشرح
شهر رمضان بالنسبة للدكتورة عائشة الغيص، مساحة إنسانية دافئة، إذ تخلع رداء الكاتبة وترتدي ثياب الزوجة والأم، فهي ليست كاتبة فحسب، وإنما شاعرة وباحثة في التراث، ورغم تكريس مسيرتها للإبداع الأدبي والبحث التراثي وحصد العديد من الجوائز الثقافية والتربوية على المستويين المحلي والعربي، من أبرزها جائزة خليفة للتميز التربوي وجائزة حمدان بن راشد للأداء التربوي المتميز وجائزة الشارقة للتميز التربوي وجائزة العويس للآداب في مجال البحوث، إلى جانب جوائز في القصة والأدب، إلا أنها الجندي المجهول الذي يقع على عاتقه التجهيز والتحضير خلال نهار رمضان، بل ويقع عليها عبء ومسؤولية كونها أم.
وفي هذا الحوار الخاص لـ “إيجبتك”، نلتقي بالكاتبة والشاعرة الإماراتية والباحثة في التراث الدكتورة عائشة الغيص، للحديث عن طقوس كتابتها الإبداعية في شهر رمضان، وإليكم نص الحوار:
كيف تخلعين رداء الأديبة أو الشاعرة؟ وهل تفرضين قوانينكِ الخاصة على مائدة الإفطار أم أن "ديمقراطية البيت" هي الغالبة؟
عندما أعود إلى المنزل في نهار رمضان أحاول أن أترك عند الباب ضجيج العمل وصفة الأديب أو الباحث، في البيت أنا فرد من العائلة قبل أي شيء آخر، أبدّل دور الكاتبة بدور الزوجة ومسؤوليات الأسرة، وأدخل إلى مساحة إنسانية دافئة لا مكان فيها للنقد أو التحليل، أما مائدة الإفطار فلا تحكمها قوانين الكاتب ولا نظرياته؛ بل تحكمها "ديمقراطية البيت" حيث يتفق الجميع على ما يجمع القلوب قبل الأطباق.
من هو الشخص «الجندي المجهول» الذي يعتبر «بوصلة» يومِك الرمضاني وتلجأين إليه حين تشتد ضغوط العمل مع الصيام؟
في يوم رمضان المزدحم بالعمل والكتابة يبقى هناك دائمًا جندي مجهول يضبط إيقاع اليوم، بالنسبة لي غالبًا ما تكون أمي يحفظها الله، وخصوصًا صوتها القريب الذي يذكرني بلطف أن التوازن أهم من الإنجاز، أحيانًا يكون هذا الجندي كتابًا أعود إليه، أو دعاءً قصيرًا يخفف وطأة التعب
وعندما تزوجت أصبحت أنا الجندي المجهول الذي يقع على عاتقه التجهيز والتحضير ولا أنسى دور جارتي الحبية إلى قلبي موزة بنت سالم "أم منصور" هي منبع العطاء وفي في شهر رمضان هي الدفء والعطاء ولاسيما تهديني في رمضان تصر على أن تقدم الوجبات من هريس وثريد واللقيمات والحلوى والتي أعدت بحب ومن حوالي ست سنوات وهي لي في رمضان الجندي المجهول الذي يقدم لي أجمل وألذ الأطباق.
عندما يُرفع الآذان وأنتِ لا تزالين خلف مكتبِك (أو في طريقك للمنزل).. ما هي أول فكرة تخطر ببالك؟
لا أدّعي أنني صاحبة مهارة استثنائية في المطبخ، لكن لدي متعة في بعض التفاصيل الصغيرة التي تجمع العائلة حول المائدة؛ ربما إعداد طبق بسيط أو حلوى خفيفة، ويروق لي إعداد السلطات المتنوعة ودخولي إلى المطبخ ليس بدافع "الرقابة" بقدر ما هو مشاركة في طقس عائلي جميل، حيث تختلط رائحة الطعام بأحاديث العائلة وضحكاتها.
وحين يرفع الأذان، تخطر في بالي فكرة واحدة: الامتنان، امتنان لأن يوماً آخر اكتمل بسلام. وأول ما أتناوله عادة هو التمر واللبن ، كما علمتنا السنّة، وكأن تلك اللحظة تعيد الجسد والروح إلى توازن بسيط وعميق؛ ومن ثم أودي أجمل شيء وهي صلاة المغرب و التي تحملني لعام آخر الخشوع و الروحانية في ظل الصلاة و الدعاء
ما هي الصورة "الأبيض والأسود" التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟
من أجمل الصور التي لا تغيب عن مخيلتي من رمضان الطفولة تلك الأمسيات البسيطة في بيت العائلة، حيث كان الجميع يجتمع حول مائدة متواضعة لكنها عامرة بالمحبة، كانت هناك أشياء صغيرة: صوت الأذان من بعيد، صوت المدفع - صوت بوطبيلة
تبادل الفطور مع الجيران حينما نقوم بتسليمه بيوت الجار فيسلمنا طبق آخر اتفاق أمي ما جارتنا حمدة أمي تعد الثريد واللقيمات وجارتنا حمدة تعد الهريس، وضوء المصابيح الهادئ. تلك الصورة "الأبيض والأسود" ما زلت أحاول استعادتها اليوم عبر المحافظة على روح الاجتماع والدفء العائلي..
ما هي السورة القرآنية أو النص الأدبي التي تمنحك طاقة نفسية خاصة في رمضان؟
في رمضان أجد راحتي الخاصة في قراءة القرآن، وبعض السور تمنحني سكينة عميقة، مثل سورة الرحمن أو الشرح، وكذلك الصلاة في المسجد المجاور و صلاة التراويح وصلاة القيام.
كما هناك نوع من الطقوس الإماراتية وهي الزيارة والفوالة وتبادل الزيارات مع الجيران و"الغبقة " فشهر رمضان ليس صوم بل صلة رحم وأيضًا جانب من تزين المرأة بملابس خاصة وأزياء وحلي خصيصًا لرمضان ليتكمل الفرح و ما قبل رمضان يكون الاحتفال بالنصف من شعبان تمهيدا لرمضان و الذي فيه نتبادل الهدايا وعادة ما تكون البهارات و السمن البلدي و الأواني فكل جارة تبادل جارتها وهي عادات إماراتية ورثناها عن الأجداد ومازالت حتى اليوم تحمل في مضامنيها الفرح و السرور حيث تردد الألسن " الحمد لله لي عادنا على رمضان كل سنة وكل حول كما أنني أعود أحيانًا إلى نصوص أدبية هادئة تذكرني بجمال اللغة واتساع الروح. القراءة في رمضان تصبح أكثر صفاءً، كأن الكلمات تُقرأ بالقلب قبل العين.
ما هو الموقف البسيط الذي صادفك في نهار رمضان؟ وعلمك درسًا في الحياة لم تجدينه في أمهات الكتب أو اللوائح الإدارية؟
من أكثر الدروس التي تعلمتها في رمضان جاءت من مواقف بسيطة في الحياة اليومية: ابتسامة عابر، أو شخص يقدّم تمرًا وماءً لغريب قبل الأذان بدقائق، توزيع الفطور على الجار رفد المساجد بكراتين المياه التهادي بالتمر هذه اللحظات الصغيرة تذكّرني أن القيم الإنسانية لا تُكتب فقط في الكتب، بل تُعاش في تفاصيل الناس البسيطة، وربما لهذا يظل رمضان مدرسة إنسانية متجددة نتعلم فيها معنى العطاء والتراحم كل عام.




