رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الكاتبة المغربية هدى لهبيل: رمضان لا يبدّل بوصلتي الفكرية|حوار

الإعلامية والكاتبة
الإعلامية والكاتبة هدى نصر الدين البكاي لهبيل

هدى لهبيل لـ"إيجبتك": 

أجد نفسي في رمضان أكثر هدوءًا وصفاءً وتأملًا وأقل اندفاعًا

 أجواء رمضانى تمنحني مساحة أوسع للإنصات إلى صوتي الداخلي

شهيتي القرائية تميل في رمضان إلى كل ما هو روحي وصوفي

 كتابتي في رمضان لا تتغير وأجد نفسي في صورة الشرح

الصلاة بالنسبة لي تربط بالحضور القلبي وليس المكان 

في المملكة المغربية، تنسج الثقافة خيوط حضورها بهدوء وثقة كبيرة، وتتشكل نماذج نسائية تجمع بين الفكر والإعلام والثقافة في توليفة نادرة، ومن هذا الأفق المغربي، تطل علينا الإعلامية والكاتبة الدكتورة هدى نصر الدين البكاي لهبيل، ورئيسة تحرير بالإذاعة الوطنية للمملكة المغربية، ومعدة ومقدمة برنامج بين المشرق والمغرب؛ فهي لا تكتفي بكونها إعلامية، بل حاملة هم الثقافة وروح الدبلوماسية الناعمة، من خلال عملها سفيرة لمنظات عربية وإسلامية، ولا يقتصر شغفها عند هذا الحد، إذ أنها باحثة جادة في مجالات الثقافة والفنون والإبداع، وبين أروقة الإعلام والعمل الثقافي، كان لها  قراءه لتجربة متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر في سياق الدبلوماسية الثقافية، فهى نموذج يحتذى به في شتى المجالات.

في هذا الحوار الخاص بـ"إيجبتك"، نلتقى هدى لهبيل، لنستكشف عالمها الرمضاني في وجدانها بعيدا عن الإعلام والثقافة والفنون، ونقترب أكثر من الإنسانة خلفها؛ وعلاقتها برمضان، من هدوئها حين يشتد الإيقاع، ومن تلك الذكريات التي شكلت وعيها مبكرا.. كل هذه التفاصيل تسردها لنا، في السطور التالية، وإليكم نص الحوار كاملا: 

كيف تؤثر أجواء رمضان على كتابتكِ؟

- رمضان لا يبدّل بوصلتي الفكرية بقدر ما يعيد ضبط إيقاعها،  وفي هذا الشهر أجد نفسي أكثر هدوءًا، وأفكاري أكثر صفاءً، ونفسيتي تميل إلى الطمأنينة والاتزان، هذا الهدوء الداخلي لا يدفعني إلى تغيير موضوعاتي بشكل جذري، لكنه ينعكس على الطريقة التي أتناول بها تلك الموضوعات؛ تصبح المعالجة أكثر تأملًا، وأقل اندفاعًا.

أشعر أن أجواء رمضان، بما تطبعه من سكينة عامة، تمنحني مساحة أوسع للإنصات إلى صوتي الداخلي، و أكون أكثر قدرة على التركيز، على استجماع الأفكار، وعلى التقاط تلك الخيوط الدقيقة التي قد تضيع وسط صخب الأيام العادية، وكأن الكتابة نفسها تصوم عن العجلة، وتختار التؤدة.

حتى شهيتي القرائية تميل في هذا الشهر إلى كل ما هو روحي وصوفي؛ أبحث عن النصوص التي تعمّق الإحساس بالمعنى، وتفتح نوافذ التأمل؛ لذلك يمكنني القول إن كتابتي في رمضان لا تتغير في جوهرها، لكنها تصبح أكثر اتزانًا، وأكثر اقترابًا من الداخل.. وأقل انشغالًا بالضجيج الخارجي.

أين تفضلين الصلاة في رمضان؟ ولماذا؟

- الصلاة بالنسبة لي ليست مجرد أداء شعيرة، بل طقس مقدّس يتطلب حضورًا كاملًا وتركيزًا عاليًا وخشوعًا صادقًا، لذلك أؤمن أن جمال الصلاة لا يرتبط بالمكان بقدر ما يرتبط بالحضور القلبي، قد تكون زاوية هادئة في البيت أعمق أثرًا من أوسع مسجد، إذا كان القلب حاضرًا بكل صدقه، والعكس صحيح أيضًا.

في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن للصلاة مع الجماعة طاقة روحية لا تشبه أي شيء آخر؛ ذلك الإحساس بالاصطفاف في صف واحد، وتوحّد الأصوات خلف إمام واحد، يمنح النفس شعورًا خاصًا بالسكينة والانتماء.

لكل هذا لا أضع تفضيلًا مطلقًا لمكان بعينه، بل أبحث عن الحالة التي يتحقق فيها الخشوع الحقيقي، متى ما حضر القلب، صار المكان مباركًا أيًّا كان.

حين تعودين للبيت نهارًا.. هل تخلعين صفة الأديب؟ أم تبقى حاضرة على المائدة؟

- لا أستطيع خلعها تمامًا، فهي ليست معطفًا، لكنني أحرص أن أكون في البيت ابنة واختا  قبل أن أكون اعلامية وكاتبة، الكتابة تسكنني، نعم، لكنها تتراجع نسبيا أمام دفء التفاصيل العائلية واللحظات الخاصة التي اقضيها برفقة عائلتي  وعلى المائدة تحديدًا، أفضل أن أكون مستمعًة ومستمتعة بكل دقيقة وانا بين أفراد عائلتي  وأن اكون مصغية أكثر من كوني صانعة جمل او افكار.

من هو “بوصلة” يومك الرمضاني وقت الضغط؟

الهدوء.. أعتبره بوصلة لا تخذلني، وعندما يشتد الضغط، أعود إلى فكرة بسيطة: أن رمضان ليس شهر إنجازات بقدر ما هو شهر توازن، وأستحضر هذا المعنى فأعيد ترتيب أولوياتي دون توتر.

هل لك بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟

لست محترفة طبخ، إنما لي طقوسي الصغيرة، أحب عندما أحضر شيئا أحضره بمحبة لأنني أود إعداده وتقديمه لمن أحبهم  لذلك لي طقوسي الصغيرة لتحضير طبق بسيط بيدي، ليس لإبهار أحد، بل لأشعر أنني أشارك في صناعة لحظة الإفطار، أؤمن أن الطعام في رمضان ليس وصفة فقط، بل مشاركة وجدانية روحية.

أين تكونين لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكر فيه؟

أحاول قدر الإمكان أن أكون بين العائلة وقت الأذان، تلك اللحظة تختصر اليوم كله، وأميل للانزواء للدعاء عند الاذان وأول ما يخطر ببالي دائمًا هو الدعاء و الامتنان.. أن منحنا الله القوة وان بلغنا الله الإفطار، وأن منحنا يومًا آخر وفرصة أخرى للحياة  لنحاول أن نكون أفضل.

ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟

- لي مع رمضان الطفولة ذاكرة مزدحمة بالصور الوجدانية التي لا تغادرني؛ كانت بدايات الشهر تعني شيئًا واحدًا: الاجتماع في بيت جدي رحمه الله، هناك، في ذلك البيت الذي كان يتّسع لنا جميعًا بمحبة، تشكّلت أولى معاني رمضان في وجداني.

أستحضر مشهد جدي رحمة الله عليه  وهو يقوم الليل في هدوء مهيب، وصوت ترتيله للقرآن الكريم ينساب في أرجاء البيت بعد أذان المغرب، كان من حفظة كتاب الله، وكان لصوته وقع خاص؛ ليس فقط لأنه جميل، بل لأنه كان صادقًا. ذلك الصوت ما زال يسكنني حتى اليوم.

قبل الأذان بقليل، كانت الأزقة في مدينتي الصغيرة واسمها "بركان" شرق المغرب تتحول إلى مسرح حيّ للتكافل. كانت والدتي وخالتي تعدّان شوربة "الحريرة "  الشهيرة عندنا في المغرب خاصة في رمضان ، وبعض الأطباق، وأحملها أنا إلى جارة مريضة أقعدها المرض عن إعداد فطورها، وفي طريقي، كنت أصادف بنات الجيران يحملن قدورًا أخرى لبيوت مختلفة، كانت الأواني تتنقل بين الأزقة كما لو أنها رسائل محبة، وكان مشهد صحون التمر الموضوعة لعابري السبيل عند الأذان مألوفًا لا يثير الدهشة، بل الطمأنينة.

سؤال ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك

- ولا يمكننيأن أستعيد طقوس رمضان دون أن تتسلل إلى قلبي تلك الليالي الدافئة التي كنت أسمر فيها مع والدي رحمه الله، وبعد أن يهدأ البيت وتخفت الأصوات، كان يجلس إلى جواري ويحكي لي قصصًا من التاريخ العالمي وروائع الأدب الإنساني؛ بصوته الهادئ وأسلوبه السردي العذب، كان يأخذني إلى عوالم بعيدة، فأعيش بين أبطالها وأحداثها كأنني أحدهم. كم كنت أستمتع بتلك اللحظات التي لم تكن مجرد حكايات، بل كانت درسًا في الحياة ونافذة على العالم، ولا يزال صدى صوته يسكن ذاكرتي كلما أقبل رمضان، فيغمرني حنينٌ دافئ لا يبهت.

أتذكر أيضًا صوت طنجرة الضغط قبيل الأذان، ورائحة الحريرة وهي تملأ الحي، وكأن الهواء نفسه كان صائمًا ينتظر اللحظة، ووداخل البيت، كان مذياع والدتي رفيقها الدائم وهي تعدّ الفطور، وكنت أساعدها في ترتيب المائدة، وأستمع إلى البرامج الرمضانية بشغف طفولي، و ربما منذ تلك اللحظات الأولى وُلد في داخلي حب العمل الإذاعي، دون أن أعي ذلك تمامًا.

بعد الإفطار، كان لنا موعد ثابت مع التلفاز، كنا نلتف جميعًا لمتابعة الأعمال التاريخية التي شكّلت جزءًا من وعينا المبكر، أتذكر بشغف مسلسل "عمر بن عبد العزيز،" وأعمالًا مثل "عصر الأئمة" و"محمد رسول الله"، ثم الدراما السورية التاريخية كمسلسل "العبابيد"، كما كبرنا مع نصوص المبدع الراحل أسامة أنور عكاشة ، ومع مسلسل "رأفت الهجان" الذي كان نافذة أخرى على التاريخ والهوية.

كانت تلك اللحظات تصنع وعينا بهدوء؛ تعلمنا من خلالها معنى القدوة، والعدل، والانتماء، دون خطب مباشرة أو دروس معلنة، وحين أسترجع رمضان الطفولة، لا أستعيد مجرد ذكريات، بل أستعيد روحًا كاملة: روح البساطة، والتكافل، والاجتماع حول معنى واحد، وربما أجمل ما فيه أنه علّمني، باكرًا، أن رمضان ليس فقط شهر صيام.. بل مدرسة شعورية تبرز فينا الإنسان قبل أي شيء آخر.

ما السورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟

- أجد سكينة خاصة في سورة “الشرح”، لما تحمله من وعد باليسر بعد العسر، وأحيانًا أعود إلى آيات الرحمة عمومًا، لأنها تذكّرني أن هذا الشهر فرصة، لا اختبار قسوة.

موقف بسيط في رمضان علّمك درسًا لا يُنسى؟

- ذات مرة رأيت شخصًا بسيطًا يوزّع تمرًا عند الإشارة بابتسامة خجولة، و لم يكن يملك الكثير، لكنه كان يمنح بسخاء. شعرت  يومها أن قيمة العطاء لا تُقاس بحجمه، بل بنيّته.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء