نجلاء علام: أردد "ولسوف يعطيك ربك فترضى" يوميًا في رمضان بيقين|حوار
سور "يس" و"الملك" و"الضحى" الأقرب لي
دراما رمضان قديمًا علمتنا القيم والعلاقات الإنسانية الراقية
الكتابة الدينية للأطفال في رمضان الأحب إلى قلبي
أستمتع بدكتاتورية المطبخ في رمضان وأختار بنفسي مائدة الإفطار
فتحت كاتبة الأطفال المتخصصة "نجلاء علام" صندوق ذكرياتها الرمضانية، لتكشف كيف شكّل الشهر الكريم وجدانها الإنساني وإبداعها الأدبي، وتتحدث عن طقوس الكتابة والقراءة في أيام الصوم، وعن روحانية اللحظة التي تسبق أذان المغرب، وعن بيت كانت فيه المائدة مدرسة للقيم قبل أن تكون طعامًا.
في البداية.. نود التعرف على طقوس حضرتك في الكتابة والروحانيات خلال شهر رمضان؟
الحقيقة أن شهر رمضان المعظم يحتل مكانة خاصة في قلوبنا؛ فهو ليس فقط شهر الصوم والعبادة والبركة، بل أيضًا شهر الذكريات الدافئة التي عشناها في طفولتنا، كانت أيامه مختلفة، آسرة وبسيطة في آنٍ واحد، ما زلنا نتذكر فانوس الصفيح الملوّن الذي يضاء بشمعة، ثم تطوّر ليحمل لمبة صغيرة، ونردد أغنيات مثل "وحوي يا وحوي"، ونعيش أجواء ترابط أسري أصيل، حيث تجتمع العائلة كلها حول مائدة الإفطار.
كما ارتبط رمضان في وجداننا بدراما راقية ومؤثرة، تعلمنا منها الكثير عن العلاقات الإنسانية والقيم الاجتماعية، من المسلسلات الاجتماعية الخالدة مثل الشهد والدموع، وليالي الحلمية، وبابا عبده، وأبو العيلة البشري، التي رسخت شخصياتها في ذاكرتنا حتى اليوم.
ولم تغب الدراما الدينية والتاريخية عن المشهد؛ فمن ينسى سلسلة لا إله إلا الله التي تناولت رحلة التوحيد عبر العصور، أو أعمالًا مثل الكعبة المشرفة وعلى هامش السيرة، التي قُدّمت بعناية علمية وبالرجوع إلى الأزهر الشريف لضبط المعلومات وتوثيقها. كذلك مسلسل الفتوحات الإسلامية الذي استعرض مراحل التاريخ الإسلامي منذ عصر الخلفاء الراشدين مرورًا بالدولتين الأموية والعباسية.
كما عرّفتنا الدراما التاريخية على شخصيات بارزة مثل إخناتون، وعمرو بن العاص، وهارون الرشيد، إضافة إلى أعمال تناولت سير أعلام مثل علي مبارك وقاسم أمين، أو أعمال ذات طابع تاريخي مميز مثل الزينى بركات.
ولا يمكن أن ننسى التواشيح والابتهالات التي كانت تملأ الأجواء صفاءً وروحانية، بصوت الشيخ سيد النقشبندي والشيخ نصر الدين طوبار، حيث كانت أدعيتهم تمنح القلب سكينة خاصة وتغرس في النفس طمأنينة عميقة.
هكذا يبقى رمضان شهر الذكريات الجميلة، شهر الفن الراقي، والروح المتآلفة، والقيم التي تشكل وجداننا، نسأل الله أن يعيده علينا جميعًا بالخير واليمن والبركة.
عند عودتك للمنزل في نهار رمضان.. كيف تخلع الأديب أو الشاعر؟ وهل تفرض قوانينك الخاصة نفسها على مائدة الإفطار أم أن "ديمقراطية البيت" هي الغالبة؟
أنا ديكتاتورية جدًا في أعمال المطبخ، وأقوم بها جميعها بمفردي، وأحب الدخول للمطبخ وعمل الأكل وأنا من يختار الأكل، ويعجب زوجي وأولادي، ولكن لا أشعر أن هناك فرق بين الأديب والإنسان سوى أن الروحانيات تكون عالية جدًا ويكون الإنسان مؤهل للكتابة التي تقرب الطفل لدينه وتعرفه به، وكنت أحب الكتابة الدينية للأطفال خلال شهر رمضان، وكذلك كنت أحب أقرأ كتبًا دينية، فضلًا عن قراءة القرآن الكريم، وكنت قد قدمت سلسلة للأطفال بـعنوان "أمثال في القرآن الكريم"، بهدف تبسيط أمثال القرآن له، وتيسيرها عليه، فضلًا عن أن هذا الكتاب يقدم تسجيل صوتي للطفل كي يعلمه أيضًا النطق السليم.
لحظة المغرب: عندما يُرفع الآذان وأنت لا تزال خلف مكتبك (أو في طريقك للمنزل).. ما هي أول فكرة تخطر في بالك؟ وما هو أول شيء تتناوله؟
لابد من تواجدي لحظة أذان المغرب في المنزل مع أولادي وزوجي، وأبدأ في تحضير السفرة ومن طقوس رمضان لدينا وجود البلح باللبن، ونبدأ عند سماع الآذان بصوت الشيخ أحمد رفعت أو الشيخ النقشبندي، ونبدأ نفطر ونصلي وننزل نصلي التراويح في المسجد، وهي فرصة جميلة جدًا إذ أن صلاة التراويح في جماعة تكون جميلة جدًا والمساجد تكون مختلفة جدًا في رمضان، وهذا الشهر هو الفرصة الوحيدة للترابط الأسري ونجتمع في الفطار والسحور.
فانوس زمان: ما هي الصورة "الأبيض وأسود" التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟ وكيف تحاول استعادتها لأبنائك وأحفادك اليوم؟
رمضان قديمًا كان له عبق خاص، وكنت أقطن حي شبرا وأنا صغيرة وأتذكر أن الأولاد والبنات كانوا يجتمعون على قص الزينة واللعب بالفوانيس، وكان الناس يتجولون في الشوارع ويُقيّمون أفضل زينة في الشوارع، كل هذه الأشياء كانت تبعث السعادة والبهجة في النفس وهذا لن يُنسى، وكانت أيام جميلة وممتعة، وكان والدي ووالدتي يحرصون على أن يجمعونا، وكنا نحرص على مشاهدة التليفزيون والمسلسلات المختلفة، ورمضان يحمل لنا ذكريات عزيزة، وكنا نحرص كل عام على شراء فانوس رمضان وننزل نلعب به بعد الفطار، ومساعدة الأمهات في عمل الفطار، ومتابعة الفيلم العربي يوميًا الساعة الثانية ظهرًا مما كان يساعد على عدم شعورنا بالوقت
ساعة السكينة: بعيداً عن أوراقك الخاصة.. ما هي السورة القرآنية أو النص الأدبي الذي تمنحك قراءته في رمضان طاقة نفسية خاصة؟
القرآن كله عظيم، وأنا أحب أقرأ جميع السور، ولكن هناك بعض السور الأقرب لي وتهدأ البال وهي سورة يس، وتعطي الإنسان السكينة، وسورة الملك من السور العزيزة، وتعطي ثقة للإنسان بأن الله دائمًا بجانبه، وسورة الضحى من السور الجميلة "ولسوف يعيطك ربك فترضى"، ودائمًا أرددها بيقين، أن الله سوف يعطينا حتى نرضى، يعطينا من الإيمان وحسن الخلق، ومن العلاقات الإنسانية الطيبة وأن أكون أم قادرة على أن تربي وتعطي أبنائها بطريقة جميلة، وأحرص على قراءتها يوميًا خلال شهر رمضان المبارك.
موقف إنساني: ما هو الموقف البسيط الذي صادفك في نهار رمضان (في الشارع أو العمل) وعلمك درساً في الحياة لم تجده في أمهات الكتب أو اللوائح الإدارية؟
الموقف الحقيقي في ذاكرتي هو والدي ووالدتي، رحمهما الله، أتذكر كيف كانا يحرصان في منتصف رمضان على إعداد طعام زائد عن حاجتنا؛ كانت أمي تُعِدّه بمحبة، ويحمله أبي إلى المسجد قبل أذان المغرب، وكنت أسألهما: لماذا كل هذا؟ فيجيبانني بأن المسجد بيت الله، ومن دخله وجب إكرامه، فهناك مسافر أدركه المغرب، أو عامل لم يلحق ببيته، أو محتاج لا يجد ما يفطر عليه؛ وكلهم يجدون في المسجد مائدة رحمة مفتوحة.
لم يكتفِ والدي بإيصال الطعام، بل كان يوصي أن يصل إلى مستحقيه، ويضيف إليه التمر والعصائر، وكان يأخذني وإخوتي معه وهو يوزّع زكاة المال، ويعلّمنا أن الخير لا يُعطى على عجل، بل يُقصَد به أكبر عدد من الناس، وأن كل خطوة نخطوها في سبيل العطاء هي أجر مضاعف. تلك الدروس لم نتعلمها في الكتب، بل في بيتنا؛ من أب وأم غرسا فينا معنى التكافل، والرحمة، والشعور بالآخر.
كبرتُ وأنا أحمل أثر تلك التربية، وأتمنى أن تعود مظاهر الترابط الأسري وإغاثة المحتاج كما عرفناها، فقد عشنا في شبرا نموذجًا فريدًا للوحدة الوطنية؛ جيرانًا مسلمين ومسيحيين نتبادل التهاني والطعام في رمضان والأعياد، ونفرح معًا بالمناسبات. كان رمضان في مصر موسمًا للمحبة، كما كانت الأعياد جسورًا للود.
ورمضان المصري زاخر بالحكايات؛ من ذكريات الدراما والأغاني الشعبية، إلى أصول الكنافة والقطايف، وحكاية الفانوس والكعك منذ العصر الفاطمي. لكل تفصيلة جذور، ولكل عادة قصة. لذلك أتمنى أن أكتب يومًا كتابًا للأطفال أروي فيه هذه الحكايات؛ ليعرفوا أن ما يعيشونه من بهجة له تاريخ ومعنى، وأن الشهر الكريم ليس طقوسًا فحسب، بل ذاكرة أمة وروح مجتمع.
أسأل الله أن يعيده علينا جميعًا بالخير واليمن والبركة، وأن يحفظ مصر وأهلها، ويديم عليها الأمن والمحبة.








