محمد الدبيسي: بوصلة يومي وجه أمي وقسماته التي تسكن القلب والروح|حوار
*تعلمت درسًا إنسانيًا من اجتماع المصلين في المسجد النبوي الشريف على موائد إفطارهم البسيطة
*مائدة الإفطار مجلس شورى حقيقي تتجاور فيه الرغبات
*أرى في إعداد الطعام جهدًا يومياً يحمل في طيَّاته معنى العطاء
من رحاب المسجد النبوي الشريف تشكلت ملامحه الإنسانية، وتحولت مائدة الإفطار بالنسبة له مجلس شورى تسودها الألفة والمحبة، وأمه ودعائها بوصلة يومه الدائم الذي يتجلى فيه كل معاني البساطة والعدل، يمتزج الأدب بروحانية المكان، ويغدو رمضان زمنًا للتأمل ومراجعة النفس قبل الشروع في كتابة جديدة، وفي حوار لـ “إيجبتك”، يفتح الدكتور محمد إبراهيم الدبيسي، الكاتب والناقد السعودي، قلبه ويقربنا أكثر إلى طقوسه الإبداعية خلال شهر رمضان المبارك، وإليكم نص الحوار:
في البداية.. نريد التعرف على طقوس حضرتك في الكتابة خلال شهر رمضان، والروحانيات.. أين تؤدي الصلاة؟
من فضل الله تعالى عليَّ؛ أنَّني ابن المدينة المنورة، حيث القُرب الأجلُّ والمقام الأسمى، كما للزمن هوية خاصة، وللخطى وجهةٌ نحو المعنى، الذي لا يكتمل جلالًا إلا هنا في حضرة القُرب، والجوار.. وهو معنىً لم يخلقه الله في غير هذا المكان، حيث مسجد نبيه ومصطفاه من خلقه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ولذلك؛ أبدأ يومي في رمضان على مهل، أراجع ما كنت كتبته من قبل، أكثر مما أشرعُ في كتابة جديدة. وأمَّا أحبُّ الأوقات إلى نفسي؛ فهي ساعة السَّحَر؛ ففيها صفاءٌ يجلِّي الأفكار ويصقلها، ويجعل العبارة أكثر انضباطاً، وأقرب إلى الصدق.
وأمَّا الصلاة، فالمسجد النبوي الشريف موضعها ومجالها. فالدخول إلى أروقته وساحاته النورانية؛ انتقالٌ من ضيق التفاصيل إلى سعة المقصد. حيث صفوف المصلين تمتدُّ في نظامٍ بديع، وأصوات التلاوة تنساب في أرجائه؛ فتغمر القلب بالأمان والسلام. وفي ذلك المقام تتجلّى الروحانيات على نحوٍ عملي؛ اجتماعٌ على عبادة، وسكينةٌ تعمُّ، وشعورٌ عميق بأنَّك جزءٌ من تاريخٍ متصلٍ بالدعاء والتسبيح عبر القرون. ولذلك فإنَّ المراجعة أو الكتابة في هذه الأجواء؛ تأخذ طابعًا آخر، وتصير أقرب إلى التأمل منها إلى الصناعة، وأشدُّ اتصالاً بالوجدان والعقل. ثُمَّ إنَّ المدينة المنورة؛ تمنح الكتابة شيئًا من وقارها، وتجعل للقلم ميزانًا أدق، فالمكان هنا؛ يذكِّر الكاتب بحقِّ الكلمة، وحرمة المقام، ويستدعي صدق العبارة، وإجلال المعنى.
عند عودتك للمنزل في نهار رمضان.. كيف تخلع الأديب أو الشاعر؟ وهل تفرض قوانينك الخاصة نفسها على مائدة الإفطار، أم أن "ديمقراطية البيت" هي الغالبة؟
الأدب عندي خُلُقٌ مقيم، يوجِّه اللفظ ويهذِّب الانفعال، ويرتقي بالنفس والسلوك والمواقف. والأديب في البيت كما هو في ساحة الكتابة؛ ينصت بعمق، ويختار كلماته بعناية، ويراعي أثرها في نفوس أهله. ولذلك فأنا أرى في الأسرة الحقل الأول؛ الذي يختبر فيه الإنسان صدقَ ما يكتب؛ فإن انسجم القول مع الفعل؛ استقام المعنى، وإن تباعدا اختلَّ الميزان.
ومائدة الإفطار مجلس شورى حقيقي، تتجاور فيه الرغبات، وتتكامل، وتُطرح في الأراء والأفكار وتُناقش، ويُقدَّر جهد من أعدَّ وتعبَ، ويُراعى ذوق الصغار والكبار. وهذا التشارك يرسِّخ في النفوس قيمة العدل، ويجعل في البيت قدرًا من الطمأنينة، حيث يشعر كل فرد أنَّ صوته مسموع ومعتبر.
من هو الشخص الذي يعتبر “بوصلة” يومك الرمضاني، وتلجأ إليه؛ حين تشتد ضغوط العمل، مع الصيام؟
ضغوط الصيام؛ معنى أراه على غير وجهه؛ فالصوم مساحة صفاء، من شأنها تخفيف وطأة اليوم، وإعادة ترتيب الإحساس بالوقت، أما ضغوط العمل فأمرٌ وارد في رمضان، وفي غيره من الشهور؛ بسبب تراكم المهام، وتنوُّع الاهتمامات، وتشعُّب المسؤوليات، ويحتاج إلى حُسن إدارة، وحضور ذهن—بعد التَّوكل على الله—.
وأمَّا البوصلة، فهي (وجه أمي) — حفظها الله— وقسماته التي تسكن القلب والروح، وفي نظرتها التي تشعُّ بمعنى الدعاء الدائم؛ الذي يحيط بي دائمًا، وإن تباعدت المسافات. وكثيرًا ما أستحضر صورتها؛ حين يشتدُّ إيقاع التعب، وتضطرب في داخلي الأشياء، فأجد في ذلك الاستحضار ميزانًا يعيد إليَّ التوازن.
(وجه الأم)؛ مدرسة عظيمة نبيلة، ورائدة في تعليمنا قيمة الصبر، وبأنَّ البركة تسكن في الرضا، وبأنَّ الطريق المستقيم؛ أقرب من كل التفافات الذهن. وكلما ازدحم الجدول، وتكاثرت التفاصيل، عاد ذلك الوجه في الذاكرة كقنديلٍ هادئٍ، يضيء أعماقنا، ويزيل الوحْشَة، ويبدد الشعور بالاغتراب، ويهدي الخطوة إلى اعتدالها.
بعيداً عن الأدب.. هل تملك “تخصُّصًا” في المطبخ، يجمع العائلة عليه؟ وهل تدخل المطبخ للمساعدة؟
المطبخ عالمٌ قائم بذاته، تديره الأسرة بخبرةٍ ودراية، وأقف منه موقف التقدير الصريح، وأرى في إعداد الطعام جهدًا يومياً يحمل في طيَّاته معنى العطاء، وأعدُّ الامتنان الصادق جزء من المشاركة. ولذلك ينصرف دوري إلى صناعة الأجواء حول المائدة؛ أُهيء مجلس الإفطار، وأقرِّب الأبناء، وأفتح حديثًا يبعث الألفة. فجوهر الاجتماع عندي؛ يتجاوز تفاصيل الصنف والطبق، ويتعلَّق بروح المشاركة التي تظلل المجلس.
لحظة المغرب: عندما يُرفع الآذان وأنت خلف مكتبك، أو في طريقك للمنزل.. ما هي أول فكرة تخطر في بالك؟ وما هو أول شيء تتناوله؟
عند سماع الأذان يحضرُ معنى الإتمام؛ يومٌ انقضى على عهد الصوم، وساعةٌ تفتح باب الرجاء بالقبول، من لدن رب العالمين. وهنا، يخطر في البال شكرٌ عميق، واستحضار لنعمة القدرة على إكمال المسير. تتبدَّل ملامح الطريق، ويصبح لكل خطوةٍ معنى.
وأبدأ بتمرةٍ وماء، وأمنح اللحظة حقَّها من السكون والتأمُّل، فأشعر بأنَّ البساطة في البداية؛ تضفي على ما بعدها اعتدالاً، وتذكِّرنا بأنَّ القصد من الصوم تهذيب النفس، وتربيتنا على معانٍ رفيعة أسمى من التوقف عن الطعام والشراب في النهار، وأرفع من الاقبال عليهما حين ساعة الافطار.
ما هي الصورة “الأبيض وأسود”؛ التي ترافقك من رمضان الطفولة؟،وكيف تحاول استعادتها لأبنائك، وأحفادك اليوم؟
تسكن الذاكرة صورة بيتٍ قديم، ومائدةٍ بسيطة، وأبٍ يجلس في وقارٍ؛ يراجع ما تيسَّر من القرآن الكريم، وأمٍّ تنظر إلى الساعة بعينٍ يقظة، وأبناءٍ ينتظرون الإشارة الأولى للإفطار؛ بقلوبٍ مفعمة بالترقُّي. وتلك اللحظات تحمل بساطةً عميقة؛ حيث كان عدد الأطباق قليل، ومعنى الاجتماع واسع. ولذلك أسعى إلى غرس تلك الروح في الجيل الجديد من أبناء الأسرة، بواسطة تثبيت موعد الاجتماع قبل الأذان، وإشراكهم في الدعاء، وربطهم بقيمة الامتنان، وأحرصُ على أن يشعروا بأنَّ رمضان زمن معنىً؛ قبل أن يكون زمن عادة، وأنَّ البساطة تفتح بابًا أوسع للسكينة.
ساعة السكينة: بعيداً عن أوراقك الخاصة.. ما هي السورة القرآنية، أو النص الأدبي الذي تمنحك قراءته في رمضان؛ طاقة نفسية خاصة؟
القرآن الكريم في مجموعه كتاب هدايةٍ وتأمُّل؛ فكل سورة تفيض بمعنى، وكل آية تحمل دلالة تتجدَّد مع كل قراءة. إذا أقبل عليه القارئ ولا سيما في رمضان؛ بقصد التدبُّر، ولذلك فهذا الكتاب المحكم العظيم؛ يمنح النفس الطمأنينة، ويمنح العقل الحكمة والرُّشد، ويصنع الوعي وينمِّيه، ويرتقي به، لما فيه من تنوعٍ وثراء وعِبر، وتوازن بين الرجاء والخشية، وبين القصص والحكمة، وبين التشريع والتزكية. ومن قبل ومن بعد؛ فهو كلام الله سبحانه وتعالى، وتكرار قراءته يكشف طبقاتٍ من الفهم، ويمنح القلب طاقةً تتجاوز حدود اللحظة، فيستقيم القلب على نسقٍ أهدأ، ويصبح الصوم تجربة وعيٍ متكاملة.
موقف إنساني في نهار رمضان؛ علَّمك درسًا في الحياة؟
لحظاتُ رمضان في مجملها؛ مواقف راسخة في الذاكرة؛ فلكلِّ يومٍ أثر، ولكلِّ ساعةٍ بصمة، وهناك صورةٌ— أو موقف دائم إن شئت— تتكرَّر أمامي منذ أكثر من خمسين عامًا، تتمثَّل في اجتماع المصلين في المسجد النبوي الشريف، على موائد إفطارهم البسيطة، حيث صفوفٌ تمتدُّ في الأروقة الساحات، على تمر وماء زمزم، وقليل من طعام، ووجوهٌ يعلوها ودٌّ صادق. وحيث يتودَّد أصحاب الموائد إلى الزائرين، يدعونهم إلى المشاركة، ويقرِّبون إليهم ما تيسَّر، في ذلك المشهد معانٍ تتجاوز حدود الطعام؛ معنى المساواة حين يجلس الغني والفقير على بساطٍ واحد، ومعنى الكرم حين يصدر عن محبة، ومعنى الانتماء حين تتلاشى الفوارق؛ أمام شرف الصيام، وقدسية المكان.
وهذا المشهد يستقرُّ في الوجدان، ويمنح درسًا متجدِّدًا في أنَّ روح الأُلفة بين الجماعة؛ تصنع من البساطة قيمةً عظيمة، وأنَّ رمضان حين يقترن بالمكان الطاهر؛ يفتح في القلب مساحاتٍ من الأنوار تستدعي الإجلال.




