رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العيد جلولي: أكتب بعد منتصف الليل ليكون القلب أكثر صدقًا| حوار

الدكتور العيد جلولي
الدكتور العيد جلولي

 

 

لا يمثل له شهر رمضان مناسبة عابرة في التقويم، وإنما زمنًا مختلفًا يتبدل فيه إيقاع روحه قبل الساعة، طقوسه في الكتابة الإبداعية أثناء سكينة الليل، بعد التراويح حيث السكينة، في البيت تتقدم “ديمقراطية البيت”، على سلطة الكاتب، وفي حوار خاص لـ “إيجبتك”، يكشف الدكتور العيد جلولي بن السايح، الأستاذ الجامعي من الجزائر والمتخصص في أدب وثقافة الأطفال والفتيان وأستاذ الأدب العربي في جامعة ورقلة جنوب الجزائر وعميد كلية الآدب واللغات سابقا بجامعة ورقلة، عن طقوسه خلال شهر رمضان المبارك في الكتابة والمنزل.

 

في البداية.. نريد التعرف على طقوس حضرتك في الكتابة خلال شهر رمضان، والروحانيات.. أين تؤدي الصلاة في المنزل أم في البيت؟

في شهر رمضان تتغير علاقتي بالكتابة وتتبدل كما تتغير علاقتي بالزمن نفسه، ويتبدّل إيقاع الحياة كلها، وأشعر أن الوقت في هذا الشهر ليس مجرد تعاقب ساعات، بل هو نفَسٌ روحيٌّ ممتدّ، أحرص على أن تكون الكتابة أقل صخبًا وأكثر صفاءً؛ لذلك أميل إلى الكتابة ليلًا، فالليل بالنسبة لي هو أجمل لحظات، وعادة ما يكون بعد التراويح حين يهدأ البيت وتخفّ الضوضاء، أشعر أن اللغة تصبح أكثر طواعية، وأن الفكرة تنزل برفق لا بعجلة، الليل الرمضاني له صفاء خاص؛ هو ليس ليل سهرٍ عادي، بل ليل عبادة وتأمل، وكأن الكلمات فيه تصدر من منطقة أعمق في النفس.

وأحيانا أكتب بعد منتصف الليل، في المسافة الفاصلة بين التعب الجسدي واليقظة الروحية، حيث يكون القلب أكثر صدقًا وأقل تكلّفًا، في تلك الساعات لا أبحث عن نصٍّ بقدر ما أبحث عن معنى، ولا عن شهرة بقدر ما أبحث عن صفاء.

وعن طقوسي فهي بسيطة: أبدأ بورد من القرآن، وأحاول أن أقرأ الآيات قراءة تدبّر لا قراءة عدد، وكثيرًا ما أجد أن فكرة نصٍّ ما تولد من آية توقظ سؤالًا داخليًا، أو من معنى يتسرّب إلى وجداني بهدوء. 

في رمضان لا أكتب لأملأ فراغًا، بل أكتب لأفهم نفسي أكثر، ولأهذّب عبارتي حتى لا تسبق روحي، أكتب يوميا ولي شغف كبير بالكتابة، ففي رمضان هذا العام أكتب نصوصا عنونتها (ومن الناس...) وهي قراءة تأملية أدبية لنصوص من القرآن.

أما الصلاة، فأُؤَدِّيها بين المسجد والبيت، أتعامل معها بوصفها شعيرة  روحية عميقة وعلاقة مباشرة بيني وبين الخالق، تحتاج إلى خلوة وسكينة، لهذا أشعر أن البيت يمنحني تلك المساحة الهادئة التي أستجمع فيها نفسي بعيدًا عن الناس، فأكون أقرب إلى معنى المناجاة، وأما في المسجد فيتحقق المعنى الاجتماعي للإسلام، وهذا لا ينتقص من قيمة الجماعة، لكنه خيار شخصي ينسجم مع طبيعتي التأملية، فرمضان بالنسبة لي ليس شهر كثرة الحركة، بل شهر تأمل وعمق؛ وكلما ازداد العمق، صفت الكتابة، وهو أيضا موسم إصغاء، وحين أُحسن الإصغاء، تأتي الكتابة وحدها.

 

عند عودتك للمنزل في نهار رمضان.. كيف تخلع الأديب أو الشاعر؟ وهل تفرض قوانينك الخاصة نفسها على مائدة الإفطار أم أن "ديمقراطية البيت" هي الغالبة؟

حين أعود إلى البيت في نهار رمضان لا أخلع الكاتب كما يُخلع المعطف، لكنني أُخفِّف حضوره، فالكتابة بالنسبة إليّ ليست قناعًا أرتديه في الخارج ثم أعلّقه عند الباب؛ هي جزء من تكويني، غير أن البيت له قوانينه العاطفية الخاصة.

في البيت أحاول أن أكون الأب أو الزوج أو الإنسان العادي قبل أن أكون كاتبًا. رمضان يعلّمني أن التواضع فضيلة يومية، وأن المائدة ليست منصة خطاب. لذلك لا أسمح للغة العالية أن تطغى على دفء اللحظة، ولا أستعرض فكرة على حساب ابتسامة.

أما مائدة الإفطار، فلا مكان فيها لسلطة الكاتب، فهناك "ديمقراطية البيت" هي الغالبة حقًا؛ الكلمة للجوع أولًا، ثم للبساطة، ثم للمحبة. قد أتأمل المشهد بعين الكاتب، نعم، لكنني أشارك فيه بقلب فرد من العائلة لا بعقل ناقد.

وأؤمن أن أجمل ما في رمضان أنه يعيد ترتيب المقامات: الإنسان قبل النص، والعائلة قبل الفكرة، والدفء قبل البلاغة. فإذا صفا الداخل، جاءت الكتابة لاحقًا أكثر إنسانية.

 

دينامو اليوم: من هو الشخص (الجندي المجهول) الذي يعتبر "بوصلة" يومك الرمضاني وتلجأ إليه حين تشتد ضغوط العمل مع الصيام؟

في رمضان تتجلى صورة الدينامو أكثر، فيظهر "الجندي المجهول" وفي يومي الرمضاني الدينامو هو زوجتي، فهي التي تحفظ إيقاع البيت، وتخفف عن الجميع ثقل التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد، لكنها لو غابت لاختلّ الميزان كله، فوجودها ليس مجرد مساعدة عملية، بل سند معنوي يعيد ترتيب أعصابي وأفكاري.

رمضان يكشف لنا من يسندنا بصمت، ليس من يتصدر المشهد، بل من يثبت الإيقاع من الخلف. وأنا أؤمن أن الامتنان قيمة أخلاقية قبل أن يكون شعورًا عابرًا؛ لذلك أحرص أن أقولها بوضوح: خلف كل هدوء أعيشه في هذا الشهر يدٌ خفية تُتقن فن العطاء دون ضجيج.

 

تحدي المطبخ: بعيداً عن الأدب.. هل تملك "تخصصاً" في المطبخ يجمع العائلة عليه؟ وهل تدخل المطبخ للمساعدة أم بدافع "الفضول الرقابي" فقط؟

أعترف أنني لستُ من أهل المطبخ، ولا أملك معرفة تذكر في فنون الطهي. بل ربما أبدو في هذا الباب كسولًا بعض الشيء، فزوجتي هي القائدة الفعلية لمعركة الإفطار، تتولى التفاصيل كلها بدقة وصبر لا أُحسن مجاراتهما.

دخولي إلى المطبخ نادر، وإذا حدث فليس بدافع رقابي كما يُشاع مازحًا، بل بدافع الفضول أو محاولة عابرة لا تلبث أن تنتهي باعتراف صريح بعدم الكفاءة!

لكنني أؤمن أن لكل بيت توزيعًا طبيعيًا للأدوار، وما تقوم به زوجتي في رمضان ليس مجرد إعداد طعام، بل إدارة إيقاع يوم كامل. وأقلّ ما يمكن أن أفعله هو الاعتراف بهذا الجهد وتقديره.

لحظة المغرب: عندما يُرفع الأذان وأنت لا تزال خلف مكتبك (أو في طريقك للمنزل).. ما هي أول فكرة تخطر في بالك؟ وما هو أول شيء تتناوله؟

لحظة الأذان في رمضان ليست عندي مجرد إعلان عن انتهاء الصوم، بل لحظة كشف داخلي، حين أسمع الأذان وأنا ما أزال خلف مكتبي أو في الطريق إلى البيت، تخطر في بالي فكرة واحدة: كيف مرّ هذا اليوم؟ هل كان صومي مجرد امتناع عن الطعام، أم كان امتناعًا عن الضيق والاندفاع وسوء القول؟.

وتأتيني دائمًا رغبة في الشكر قبل الرغبة في الأكل. أشعر أن لحظة المغرب تختصر معنى الصبر كله؛ تعبٌ بسيط يتبعه فضل واسع.

أما أول ما أتناوله، فأحرص على أن يكون تمرًا وماءً اقتداءً بسنة النبي، لأن في هذا الاقتداء بساطةً تعيد الأمور إلى أصلها: لقمة خفيفة، ونية صادقة، وقلب ممتن.
ثم أترك للجسد حقه بهدوء، لكنني أحرص أن تبقى لحظة الأذان نفسها لحظة وعي لا لحظة اندفاع، فالمغرب عندي ليس فقط وقت الإفطار، بل وقت مراجعة قصيرة بيني وبين نفسي.

فانوس زمان: ما هي الصورة "الأبيض وأسود" التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟ وكيف تحاول استعادتها لأبنائك وأحفادك اليوم؟

أقوى صورة "أبيض وأسود" من رمضان طفولتي هي مائدة بسيطة في بيت العائلة، ضوءها خافت، وأصوات الكبار تمتزج برائحة الشوربة والخبز الساخن. لم تكن المائدة عامرة كما هي اليوم، لكنها كانت ممتلئة بشيء أهم: الطمأنينة. أذكر وجوهًا متعبة من يوم طويل، لكنها تبتسم عند الأذان كأنها تربح معركة صغيرة كل مساء.

أذكر انتظارنا لتلك اللحظة، وكيف كان للوقت هيبة. لم تكن هناك شاشات كثيرة ولا ضجيج، كان الصوت الأوضح هو صوت المؤذن، وكان الفرح بسيطًا وصادقًا.

أحاول اليوم أن أستعيد تلك الروح لأبنائي وأحفادي، لا بتكرار التفاصيل نفسها، بل بإحياء المعنى: أن يكون الإفطار لحظة اجتماع حقيقي، أن نطفئ شيئًا من صخب العالم، وأن نُبقي للأذان مكانته في القلب قبل المائدة.

ومن أجمل ما يربطني بذلك الماضي أن حفيدتي ليان تحرص أحيانًا أن تأتي لتفطر معي، حضورها الصغير يعيد إليّ ذلك الإحساس القديم؛ فأرى في عينيها الدهشة نفسها التي كانت تسكن عينيّ وأنا طفل وحين تجلس بقربي وتمسك بيدي قبل الأذان، أشعر أن الزمن لا يمضي فقط، بل يتوارث، فرمضان ليس ذاكرة تُستعاد، بل شعلة تُسلَّم من جيل إلى جيل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء