الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق: رمضان شهر خلوة.. وهذا البيت عالمي|حوار
فضيلة الفاروق لـ"إيجبتك":
أنا أديبة في المناسبات الثقافية وإعلامية في عملي
أجد سكينتي في الاستماع للقرآن بصوت الحصري والمنشاوي
أفضل المطبخ الجزائري في رمضان.. وأفتقد رائحة خبز أمي
ذكريات الطفولة في رمضان نقطة ضعفي وأشتاق إلي لَمّة العائلة
بين الجزائر ولبنان تمتد تجربة إنسانية وثقافية طويلة للروائية والإعلامية الجزائرية فضيلة الفاروق، التي عاشت أكثر من ثلاثين عامًا في العمل الثقافي والصحفي، متنقلة بين الكتابة والإعلام والدفاع عن قضايا القراءة والمرأة، فبصوتها الأدبي والإعلامي قدّمت مئات الكتب للجمهور عبر شاشات التلفزيون، وأسهمت في ترسيخ ثقافة القراءة والتعريف بالأدب العربي.
لكن مع حلول شهر رمضان، يتبدل إيقاع الحياة لدى الكاتبة الجزائرية المقيمة في لبنان؛ إذ يتحول الشهر الكريم بالنسبة لها إلى مساحة للتأمل والهدوء والابتعاد عن ضجيج العام، ففي هذه الأيام الروحانية تستعيد ذكريات الطفولة في الجزائر، وتعيش تفاصيل رمضان في لبنان.
وفي هذا الحوار الخاص لـ"إيجبتك"، تصحبنا فضيلة الفاروق في عالمها بين رمضان الجزائر ورمضان لبنان، لنتعرف على طقوسها اليومية، وذكرياتها الأولى مع الصيام، وكيف ينعكس هذا الشهر على كتابتها وحياتها الروحية، وإلى نص الحوار:
ماذا يمثل لك رمضان.. وكيف تؤثر أجواؤه على كتابتك المختلفة سواء في الرواية أو العمل الإعلامي؟
- رمضان شهر خلوة وابتعاد عن ضجيج الحياة، منذ سنوات أصبحت استغل الشهر ليس فقط للصوم، بل لتنظيف دماغي وجسدي من شوائب السنة كلها.
لن أخفي أنني كنت جد نشيطة خلال شهر رمضان في سنوات سابقة، لكن منذ حوالي ثلاث سنوات أصبح العمل يتعبني، أقرأ بعد صلاة الفجر وأكتب حتى العاشرة صباحا ثم أدخل المطبخ لتحضير إفطار بسيط، ثم أتابع مسلسلا أو إثنين، وانتظر آذان المغرب.
أين تفضلين الصلاة في رمضان؟ ولماذا؟
- أصلي في البيت، إذ لا أشعر بالخشوع في الأماكن المزدحمة، غير ذلك لا أرى أي داع لمزاحمة الرجال في المساجد، عالمي هو بيتي في رمضان وفي كل أشهر السنة.
حين تعودين للبيت نهارًا.. هل تخلعين صفة الأديب؟
- قليلا ما أشعر أني أديبة وإعلامية خاصة في حياتي اليومية العادية؛ و أنا أديبة في مناسبات ثقافية معينة، وإعلامية في عملي، و أمام المائدة أنا كائن يستحضر الغائبين، وفية لأكلي القروي البسيط الذي تعودت عليه حين بدأت أصوم في عمر مبكر ربما العاشرة أو الحادية عشرة، و أكتفي بصحن شوربة وسلطة وقليل من الخبز وتفاحة كتحلية.
من هو “بوصلة” يومك الرمضاني وقت الضغط؟
- كوني أعيش في المناطق المسيحية في لبنان فقد دربت نفسي على التأقلم.. إن تأخرت عن موعد الإفطار آكل تمرة وأشرب قليلا من الماء وأسوق سيارتي بهدوء حتى أصل إلى البيت؛ و نحن لا نعيش في مجاعة، والطعام لن يهرب، فمتى ما وصلت للبيت أحضر مائدتي وأتناول إفطاري، ولا بوصلة في الحقيقة، تدريب النفس على بعض الأمور يجعل الصوم سهلا.
هل لكِ بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟
- خلال هذا الشهر الفضيل أفضل الأكل الجزائري، وأحضره طيلة الشهر ونادرا ما آكل شيئا مغايرا معه، كون بعض جيراني يحبون مقاسمتي بعض الأكلات والحلويات وأنا ممنونة لهم هذه العلاقة الطيبة مع مسلمة وسطهم.
أين تكونين لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكر فيه؟
- أسمع القرآن بصوت الشيخ الحصري أو المنشاوي، في غرفة الجلوس، وحين يقترب موعد الآذان أشغل الراديو على إذاعة الشرق من بيروت لأسمع الآذان من خلاله، والدعاء الشهير بصوت محمود مرسي في هذه اللحظة أدعو الله وأتذكر كل من أحب في دعائي.
ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟
- كل شيء في طفولتي كان رائعا سواء في قريتي آريس بقلب جبال الأوراس أو في قسنطينة، وفي آريس أتذكر إفطارنا في الهواء الطلق، وانتظاري لعودة أبي من صلاة التراويح، ثم صوته قبل السحور وهو يرتل القرآن، ورائحة الخبز المدهون بالزبدة (وهو شبيه بالفطير المشلتت في مصر) تخبره أمي ونأكله طازجا ساخنا لذيذا؛ ذلك الطعم أفتقده، كما أفتقد أنوار قسنطينة ومحلات الحلويات فيها، وحفلات المالوف، وأطيب بوظة في العالم والتي نخرج ليلًا بعد الإفطار لتناولها؛ لقد لامست بهذا السؤال نقطة ضعفي، بإمكاني أن أروي لك ذكريات كثيرة تسكنني لليوم.
ما السورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟
- هو صوت الشيخ الحصري أغمض عيني واستسلم لقراءته، تجويدا وترتيلا، بعض الآيات أعيد سماعها عدة مرات وكأني أكتشفها للمرة الأولى.
موقف بسيط في رمضان علّمك درسًا لا يُنسى؟
- نحن النساء نفطر عدة أيام في رمضان بسبب العادة الشهرية، طبعا لأن مجتمعنا لا يريد أن يفهم أعذار الصوم فهو يتعامل مع أي مفطر بقلة أخلاق عجيبة ويلعب دور الرقيب الذي لا يكل ولا يمل فنضطر للصوم حتى ونحن مريضات.
وحين جئت إلى لبنان واحتكيت بطوائف كثيرة ورأيت الصائمين يصومون لله بحرية ودون خوف ودون انزعاج من المفطرين أدركت أن الصوم وكل العبادات لن يقبلها الخالق منا ونحن نمارسها خوفا من مخلوقاته التي أصبحت تمارس الدين وكأنه استعراض مسرحي.
ماذا عن رمضان في الجزائر ولبنان؟
- الجزائر بلد فريد من نوعه في رمضان، إفطارات بالجملة لعابري السبيل، للفقراء، كلمة صح فطورك تسمعها في كل مكان، الأجواء أيضا لا تختصر في جواب مقتضب، فقط في الجزائر يعاب على الصائمين الإكثار من أكل الزلابية والحلويات بشكل غير مقبول بتاتا.
أظنني أجبت بشكل ما عن الفرق.. لكن أشتاق للمة العائلة، هذا ما ينقصني هنا، غير ذلك صومي هو نفسه في الجزائر وفي لبنان.