رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تبنت الدولة المصرية منذ تولي القيادة السياسية الحالية مقاليد الأمور استراتيجية شاملة تهدف إلى ترسيخ السيادة الوطنية وحماية مقدرات الشعب المصري من خلال مبدأ تنويع المصادر وعدم الارتهان لقطب واحد أو مورد وحيد وقد تجلى هذا الفكر الاستراتيجي بوضوح في ملف التسليح العسكري حيث سعت القاهرة منذ اللحظة الأولى لكسر احتكار السلاح وتوزيعه بين قوى دولية كبرى شملت فرنسا وروسيا وألمانيا وإيطاليا والصين بجانب الولايات المتحدة مما منح الجيش المصري قوة ردع هائلة وجعله قادراً على حماية الحدود والغاز في البحر المتوسط بقرار وطني مستقل والآن تنسحب هذه الرؤية الثاقبة على ملف الطاقة الذي تعتبره القاهرة معركة وجود لا تقل أهمية عن معارك الميدان.

توسيع دائرة البحث عن مصادر الطاقة لم تكن وليدة الصدفة


إن الدوافع المصرية لتوسيع دائرة البحث عن مصادر الطاقة لم تكن وليدة الصدفة بل جاءت نتيجة قراءة دقيقة للمشهد الجيوسياسي المتفجر في المنطقة حيث أدركت القيادة المصرية أن الاعتماد الكلي على إمدادات من أطراف بعينها يمثل ثغرة في جدار الأمن القومي خاصة في ظل الصراعات المحتدمة التي توصف بأنها حرب نفوذ بين القوى الكبرى والأطراف الإقليمية وما تبعها من توترات أثرت بشكل مباشر على خطوط الإمداد العالمية ومسارات الطاقة في الشرق الأوسط.


لقد تسببت الاضطرابات الأخيرة والحرب الدائرة في المنطقة في تذبذب حاد وتوقف متكرر لإمدادات الغاز والوقود التي كانت تصل لمصر من إسرائيل وقطر بل وتأثرت بعض العقود والاتفاقيات مع دول مثل الكويت بسبب الأولويات الأمنية واللوجستية الجديدة وتأثرت سلاسل الإمداد العالمية نتيجة المواجهات في الممرات الملاحية مما جعل الدولة المصرية تستشعر الخطر وتتحرك بذكاء استراتيجي لضرب معادلة الارتهان للغاز الإسرائيلي أو أي مورد وحيد قد يستخدم الطاقة كورقة ضغط سياسي في المستقبل.

التوجه المصري القوي نحو قبرص وليبيا واليونان ليكون الرد العملي على تقلبات السوق والصراعات السياسية 


ومن هنا جاء التوجه المصري القوي نحو قبرص وليبيا واليونان ليكون الرد العملي على تقلبات السوق والصراعات السياسية حيث وقعت القاهرة اتفاقية تاريخية مع قبرص تمتد لمدة خمسة عشر عاما تهدف لتأمين تدفقات مستقرة من الغاز القبرصي تصل إلى مليار قدم مكعب يوميا وهي الخطوة التي حاول الجانب الإسرائيلي تزييف حقيقتها بالادعاء أن وجود شركاتها في الحقول القبرصية يعزز دورها لكن الرد المصري كان صاعقا وموثقا بأن السيادة على الحقول هي سيادة قبرصية خالصة والشركاء هم عمالقة الطاقة من أمريكا وبريطانيا مثل شركتي شيفرون وشل مما يحيد أي محاولة للتلاعب بمحبس الغاز.


كما امتدت الرؤية المصرية لتشمل الجارة ليبيا من خلال مذكرات تفاهم واتفاقيات تهدف لاستيراد الطاقة وتطوير حقول الغاز المشتركة والربط الكهربائي مستغلة في ذلك التقارب السياسي والأمني بين البلدين لتكون ليبيا رافدا جديدا يؤمن احتياجات السوق المحلي الذي يستهلك في فترات الصيف نحو سبعة مليارات قدم مكعب يوميا في وقت تراجع فيه الإنتاج المحلي لعدة أسباب فنية إلى نحو أربعة مليارات قدم مكعب مما جعل تنويع المصادر من قبرص وليبيا والبحث عن بدائل أفريقية أخرى ضرورة حتمية لضمان استقرار بيوت المصريين والمصانع الوطنية.


إن ما تمتلكه مصر اليوم هو مفتاح الحل لغز المنطقة بأكملها حيث تظل محطات الإسالة العملاقة في إدكو ودمياط والشبكة القومية المتطورة هي الممر الوحيد والآمن لغاز شرق المتوسط نحو الأسواق الأوروبية المتعطشة للطاقة وهذا يجعل مصر لا تكتفي بدور المشتري بل تفرض نفسها كمركز إقليمي وتجاري لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية للطاقة وبحلول عام ألفين وسبعة وعشرين مع بدء التدفقات الفعلية والمنتظمة من هذه المصادر المتعددة ستكون الدولة المصرية قد أتمت بناء حصنها الاقتصادي المنيع لتؤكد أن القيادة التي نجحت في بناء جيش يحمي الأرض هي ذاتها التي تنجح الآن في بناء شبكة أمان طاقي تحمي مستقبل الأجيال القادمة بعيدا عن أي ضغوط أو تقلبات دولية مشبوهة.


وخلاصة القول إن ما سعت إليه مصر من خلال هذا الفكر الاستراتيجي هو تكريس مفهوم الدولة الشاملة التي لا تكتفي بردع الأعداء بقوة السلاح فحسب بل تحصن قرارها الوطني بالاستقلال الاقتصادي وتعدد الخيارات الحيوية في ملفات الغذاء والطاقة والتصنيع حيث أثبتت القيادة المصرية أن امتلاك القوة العسكرية الضاربة المعتمدة على تنوع مصادر التسليح يجب أن يتوازى مع بناء شبكة أمان طاقي تحمي الجبهة الداخلية من الابتزاز السياسي أو الهزات الاقتصادية العالمية وهذا الفكر الذي يربط بين حماية الحدود وتأمين الموارد هو الذي جعل من مصر رقما صعبا في معادلات الشرق الأوسط ومركزا إقليميا لا يمكن تجاوزه فهو فكر يقوم على استباق الأزمات بدلا من انتظار وقوعها ويؤمن بأن السيادة الحقيقية تكمن في ألا تضع الدولة مصير شعبها في يد طرف واحد مهما بلغت درجة التعاون معه وبذلك نجحت القاهرة في صياغة نموذج فريد للدولة التي تبني جيشا يحمي السلام وتؤسس اقتصادا يضمن البقاء والاستقرار للأجيال القادمة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمستعدين دائما لكل الاحتمالات.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء