تنامت في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة في أعمالنا الدرامية، وتحديداً في الدراما الناطقة باللهجة المصرية المعبرة عن المجتمع المصري — سواء كانت بإنتاج مصري أو عربي — والتي يسيء غالبية هذا الإنتاج في جوهره لصورة مصر. يمكن تسمية هذه الظاهرة بـ"الشر المركب والفساد المستشري"، حيث لم يعد البناء القصصي يكتفي بتيمات الغدر والخيانة التقليدية، بل توغل في تبرير الفساد المالي والانهيار القيمي، والترويج لأنواع شتى من الموبقات كأنها نمط حياة طبيعي ومقبول.
إن هذا الإسراف في تصدير النماذج المشوهة وبيع الضمائر لا يمكن اعتباره مجرد نقل للواقع أو تجسيد للصراع الإنساني، بل إننا في الحقيقة أمام رصد لمجتمع يتآكل أخلاقياً؛ بل هو في جوهره اعتداء صارخ على دور الفن كأداة للارتقاء بالوجدان، وتغييب متعمد للقيم النبيلة التي تحفظ للمجتمع توازنه وبقاءه. إن تبرير هذا القبح الدرامي تحت شعار "الواقعية" هو تزييف صريح لمعنى الفن؛ فالواقع يضم النبل كما يضم الخسة، والدراما التي لا ترى إلا السقوط هي دراما تعاني من عوار في الرؤية والرسالة.
وعلى الرغم من أن صناع هذه الأعمال غالباً ما يتذرعون بأن النهاية تحمل انتصاراً للخير، إلا أننا نجد أنفسنا أمام معضلة أخلاقية وفنية كبرى؛ فلم تعد النهاية التي ينتصر فيها الخير أو تكون نهاية سعيدة كافية لغسل أثر الرحلة الدرامية الملوثة التي خاضها المشاهد. فالواقع يؤكد أن النهاية السعيدة في هذه الحالة هي مجرد تخليص ذمة أخلاقي لا يبني وعياً ولا يعالج قضية حقيقية، بل يغطي على حجم الخلل الذي تم زرعه على مدار الحلقات. إن هذا "الانتصار المتأخر" للخير يأتي كذرة رمال في محيط من الترويج للموبقات، مما يجعل التأثير التطهيري للفن غائباً تماماً ومستبدلاً بحالة من الذهول أمام قوة وقدرة الشخصيات الفاسدة.
وتتجلى خطورة هذا التوجه ضد الوعي العام في عدة نقاط جوهرية، أولها ما يمكن وصفه بتطبيع الرذيلة؛ حيث إن المكوث لمدة ثلاثين حلقة أو أكثر مع شخصيات فاسدة ومجرمة يجعل المشاهد يعتاد رؤية الموبقات، فتسقط هيبة الحرام وقبح الخطأ تدريجياً من عينه نتيجة الألفة البصرية والسمعية. ومع التكرار اليومي، تصبح مشاهد الخيانة والسرقة والفساد المالي مجرد أحداث عادية لا تستدعي الاستنكار، مما يضعف المناعة الأخلاقية للمجتمع ويحول القيم العليا إلى شعارات جوفاء لا تجد صدى في ممارسة الناس اليومية.
كما يظهر بوضوح خلل كبير في قوة التأثير الدرامي، حيث يتأثر العقل البشري بالمسار الدرامي وتفاصيله اليومية أكثر بكثير من تأثره بالنتيجة الختامية الخاطفة. فإذا قضى المشاهد تسعاً وعشرين حلقة يعايش شريراً يتسم بالذكاء والتمكن والرفاهية والنفوذ، فإن سقوطه في الدقائق الأخيرة من الحلقة الثلاثين لا يمحو أبداً جاذبية الشر التي تم ترسيخها طوال المسلسل. بل يظل العقل محتفظاً بصورة البطل الفاسد القوي الذي يمتلك كل شيء، أكثر من احتفاظه بصورته وهو منكسر في النهاية، مما يرسخ في الوجدان الجمعي أن القوة المادية والسطوة الفاسدة هي الغاية، حتى وإن كانت نهايتها الهلاك.
ويمتد هذا التأثير السلبي ليصل إلى مرحلة التعاطف اللاإرادي مع النماذج السلبية، فالطول المفرط لفترة المعايشة مع الشخصية الشريرة والتوغل في مبرراتها النفسية والاجتماعية قد يدفع المشاهدين، خاصة فئة المراهقين والشباب، إلى التعاطف مع هذه الشخصيات أو إيجاد مسوغات لجرائمها. وهو ما يخلق خللاً جسيماً في الميزان القيمي لدى الجيل الجديد الذي يبدأ في رؤية الفساد كنوع من "الشطارة" أو "الذكاء الاجتماعي" الضروري للنجاح، ويتحول النموذج "البلطجي" أو "المحتال الأنيق" إلى قدوة بديلة عن النماذج الشريفة التي يتم تصويرها غالباً في الدراما الحالية كشخصيات ضعيفة أو ساذجة.
إن ما يحدث اليوم هو تزييف صريح للصراع الإنساني وجوهر المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن يضطلع بها الكُتّاب والمنتجون. الدراما الحقيقية والمبدعة هي التي توازن بين القبح والجمال طوال الوقت، وتجعل الخير حاضراً بقوته الأخلاقية في كل مشهد، وليست تلك التي تسلم دفة الأحداث كاملة للشر ثم تحاول استردادها في المشهد الختامي بطريقة مفتعلة وغير مقنعة. المسؤولية الاجتماعية تقتضي ألا نترك المشاهد فريسة للإحباط واليأس، وألا نكرس في وعيه أن الفساد المالي والقيمي هو القدر المحتوم الذي لا مفر منه. إن الفن الحقيقي لا يكتفي برصد الأوبئة الاجتماعية، بل يساهم في بناء الروح المقاومة لها.
إن ما نشهده اليوم يتجاوز مجرد وجود شخصية شريرة في العمل، بل نحن أمام حالة من "الحصار الدرامي بالشر"؛ حيث يُنسج البناء القصصي ليكون الشر هو الهواء الذي يتنفسه الأبطال على مدار ثلاثين حلقة كاملة. لا يقتصر الأمر على فعل غادر واحد، بل يجد البطل نفسه محاطاً ببيئة موبوءة، حيث الخيانة هي اللغة الوحيدة المفهومة، والفساد هو المسار الحتمي للنجاة. هذا الإصرار على جعل الشر "قدراً محتوماً" يحيق بالشخصية من كل جانب، يحول الدراما من ساحة للصراع بين النور والظلام إلى زنزانة مظلمة لا ينفذ إليها ضوء، مما يترك المشاهد في حالة من الاختناق النفسي والوجداني طوال ساعات العرض، ويجعل من انتصار الخير في اللحظة الأخيرة مجرد خروج واهن لا يمحو أثر الحصار الطويل. وهنا يبرز السؤال: كيف يتحول الشر من مجرد "حدث عابر" إلى بيئة خانقة تطوق البطل والمشاهد معاً؟
أخيراً،
فإن هذا الطرح يمثل نقداً بنيوياً للمنظومة الدرامية الحالية، ويفتح باباً واسعاً لمناقشة المسؤولية الأخلاقية للمؤلف والمخرج على حد سواء؛ فالإبداع لا يعني أبداً تدمير الأسس الأخلاقية للمجتمع بحجة محاكاة الواقع، بل هو القدرة على النفاذ إلى جوهر الحقيقة وتقديم رؤية مستنيرة تبني وجدان المشاهد وتحفظ توازنه النفسي والاجتماعي بعيداً عن دوامات "الشر المركب" والتآكل الأخلاقي للمجتمع المصري. إن الوعي بمدى التأثير السلبي لهذه الدراما السوداوية لم يعد ترفاً نقدياً، بل صار ضرورة مجتمعية ملحة للحفاظ على ما تبقى من تماسكنا القيمي. لذا فإننا نتوجه بنصيحة مخلصة لصناع الدراما بضرورة إدراك أن الفن أمانة، وأن ما يُقدم من شرور مبررة ليس إلا "سماً في العسل" يهدم الثوابت من الداخل؛ فنحن لا نطالب بتزييف الواقع، بل بالمسؤولية التي توازن بين رصد الداء وتقديم الدواء. فالمبدع الحقيقي يبني الإنسان ولا يتركه غارقاً في بحور اليأس، والدراما التي لا تخلف إلا فقدان الثقة هي دراما خاسرة مهما تصدرت منصات التواصل. إن الضرورة الوطنية تقتضي اليوم وقفة مراجعة جادة لاستلهام الدروس من جيل الرواد الذين صاغوا وجدان الشارع المصري، وجعلوا من درامانا تاريخاً يُدرس لا مجرد حكايات تُحكى. علينا العودة لمدرسة أسامة أنور عكاشة في تشريح النفس المصرية، ومحمد جلال عبد القوي في رصانة الصراع القيمي، ويسري الجندي في عمق الطرح التاريخي والأسطوري، ومجدي صابر في ملامسة قضايا الناس؛ هؤلاء وغيرهم من المبدعين لم يصنعوا مجرد مسلسلات، بل شيدوا حصوناً لقوانا الناعمة التي كانت، ولا تزال، أصدق سفير لمصر في أرجاء العالم العربي. إن هؤلاء العمالقة لم يغرقوا في "الشر المركب" ولم يروجوا للانهيار، بل قدموا فناً يحترم وعي المواطن ويبني كبرياءه، وهو الإرث الذي يجب أن يدرسه كُتّابنا وصُنّاعنا اليوم إذا أرادوا استعادة ريادة فنية حقيقية تليق باسم مصر وتاريخها."
ومن هذا المنطلق، أتوجه بنداء عاجل ومناشدة وطنية، بل وبلاغ وشكوى رسمية، إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ولجنة الرصد والمتابعة، وأخص بالخطاب المهندس خالد عبد العزيز رئيس المجلس، والأستاذ عصام الأمير وكيل المجلس ورئيس لجنة الشكاوى، والناقدة الكبيرة الأستاذة ماجدة موريس رئيسة لجنة الدراما، للنظر بجدية في خطورة هذا المحتوى الذي يتجاوز حدود الشاشة ليضرب صميم القيم المجتمعية، خاصة وأننا أمام مسؤولية تاريخية استشعرها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي حين نبه مراراً إلى خطورة المحتوى الدرامي وأثره في بناء الإنسان، مؤكداً ضرورة أن يكون الفن رافعة للوعي لا معولاً للهدم. إن مواجهة هذا "التآكل القيمي" تتطلب ثورة تصحيحية تعيد تعريف الواقعية الحقة لتنتصر لإرادة التغيير الإيجابي لا للعدمية، وتفرض على شركات الإنتاج كف يدها عن استغلال اللهجة المصرية في تصدير صورة مشوهة للوطن تحت ضغط الربح المادي. إن الفن الذي لا يبني الإنسان يساهم في هدمه، وقد آن الأوان لتعود الدراما المصرية منارة تهدي القلوب وتنير العقول، وتضع حداً لهذه السموم التي تستهدف توازن مجتمعنا وأمانه القيمي.