رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لماذا ينكرون دور مصر في وقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية ؟ وهل يمكن للتاريخ أن يتجاوز تلك اللحظات الفاصلة ؟ التي وقفت فيها القاهرة حائط صد وحيد أمام جنون الانفجار الكبير الذي كاد أن يحيل المنطقة إلى رماد .. 
ما شهدته الأسابيع الأخيرة من عام 2026 لم يكن تحركًا دبلوماسيًا عابرًا، بل لحظة فارقة جسّدت ثقل الدولة المصرية وقدرتها على إدارة أخطر الملفات الإقليمية بحكمة واتزان. قاد الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا المسار باحترافية عالية، واضعًا المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمسؤولياته، في وقتٍ اختارت فيه القاهرة أن تنجز بصمت، بعيدًا عن ضجيج الشعارات وزيف الاستعراض الإعلامي.

ورغم وضوح هذا الدور وتأثيره الحاسم، لا تزال بعض الأطراف تسعى إلى تقزيمه أو حجبه، مدفوعة بأجندات سياسية وإعلامية لا تنفصل عن صراعات النفوذ في الإقليم. فالدبلوماسية المصرية، التي ترتكز على الهدوء والعمل التراكمي، لا تسعى إلى تصدّر المشهد بقدر ما تستهدف تحقيق النتائج، وهو ما يجعل إنجازاتها غير مرئية لمن اعتاد قياس التأثير بعدد التصريحات لا بعمق التحولات.

كما أن التنافس الإقليمي المحتدم على أدوار الوساطة يدفع بعض القوى إلى إعادة صياغة المشهد بشكل انتقائي، في محاولة لتهميش الحضور المصري وتصويره كفاعل ثانوي، رغم ما أكدته تقارير دولية، من بينها ما نشره موقع Axios في الثامن من أبريل 2026، بأن القاهرة كانت الركيزة الأساسية في التوصل إلى اتفاق وقف العمليات العسكرية الأخير.

في خضم هذا الاستقطاب الإعلامي الدولي، الذي تحكمه حسابات النفوذ وتشابكات المصالح، جرى تغييب حقيقة جوهرية مفادها أن التحرك المصري لم يكن مجرد مسعى لاحتواء التصعيد، بل رؤية شاملة استهدفت حماية استقرار الإقليم ومنع انزلاقه إلى فوضى مفتوحة، مع الحفاظ على توازنات سوق الطاقة العالمي. وهو دور تجاوز حدود الوساطة التقليدية، ليعكس مسؤولية تاريخية تضطلع بها القاهرة بوصفها أحد أعمدة الأمن والاستقرار في المنطقة.

وقد تجلّى هذا الدور في أقصى درجاته خلال لحظة بالغة الحساسية، حين فقد العالم قنوات الاتصال مع القيادات الإيرانية عقب الاغتيالات الدراماتيكية التي طالت المرشد الأعلى وعددًا من قادة الحرس الثوري، لتسود حالة من القلق الدولي إزاء رد فعل غير محسوب قد يشعل مواجهة واسعة النطاق. في تلك اللحظة الفارقة، برزت كفاءة الأجهزة المصرية، حيث نجحت في فتح خطوط تواصل مباشرة قامت به المخابرات العامة المصرية مع قيادات الحرس الثوري، بهدف امتصاص الغضب وإعادة توجيه ردود الفعل نحو مسارات أكثر انضباطًا، بما حال دون الانزلاق إلى سيناريوهات كارثية.

ولم يتوقف هذا الجهد عند حدود الاتصالات الأمنية، بل تعزّز بتحرك سياسي مباشر قاده الرئيس  عبد الفتاح السيسي، عبر رسالته الحاسمة إلى دونالد ترامب، والتي دعاه فيها إلى وقف الحرب فورًا، واصفًا إياه برجل السلام. وقد مثّلت هذه الدعوة نقطة تحول مفصلية، إذ وفّرت لواشنطن مخرجًا سياسيًا لخفض التصعيد، وأسهمت في فتح نافذة حقيقية للتهدئة، وهو ما انعكس لاحقًا في المواقف الإيرانية الرسمية التي أقرت بأن التحرك المصري كان عاملًا حاسمًا في احتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو الانهيار.

أما كواليس إسلام أباد فقد كشفت عن مستوى آخر من الحنكة المصرية، حيث برزت عبقرية الإدارة السياسية في أدق تفاصيل التفاوض. نجح الوفد المصري هناك في صياغة وثيقة توافقية دقيقة، تحت مظلة توازنات نووية إقليمية، تضمن عدم انزلاق الصراع إلى مستويات غير تقليدية. وفي تلك الأروقة المغلقة، شكّل التنسيق المصري–الباكستاني التركي السعودي المحرك الرئيسي لإقناع الأطراف المترددة بقبول الهدنة، وهو ما دفع رئيس وزراء باكستان إلى الإشادة صراحة بالدور المصري، مؤكدًا أن خبرة القاهرة في إدارة الأزمات جنّبت المنطقة سيناريو مواجهة نووية أو كيميائية محققة، وأن هذا التنسيق كان حجر الزاوية في نجاح مسار إسلام أباد.

وامتدت هذه التحركات إلى دوائر التأثير الدولي عبر جولات دبلوماسية مكثفة قادها وزير الخارجية بدر عبد العاطي، شملت العواصم الخليجية وصولًا إلى زيارة محورية إلى موسكو، حيث نجحت القاهرة في تحييد أي تدخلات محتملة قد تزيد المشهد تعقيدًا، وتأمين دعم القوى الكبرى لخارطة الطريق المصرية. كما تضمنت هذه الجهود لقاءات مباشرة وسرية مع مسؤولين أمريكيين في عواصم محايدة، نقل خلالها عبد العاطي رؤية مصر لنظام إقليمي جديد يقوم على ترسيخ الاستقرار وتوازن المصالح، بعيدًا عن منطق الهيمنة وإدارة الصراعات.

وتزامنت هذه التحركات مع نجاح مصر في استضافة قمة خفض التصعيد في القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة في أبريل 2026، والتي أسفرت عن أول خارطة طريق واقعية لوقف الاستهداف المتبادل للمنشآت الحيوية بين الأطراف، بما ساهم في كبح جماح الفوضى في البحر الأحمر، وضمان استمرار تدفق التجارة العالمية عبر قناة السويس بعيدًا عن أتون المواجهات العسكرية.

إن محاولات الإنكار المتعمدة تتجاهل حقيقة أن مصر لم تكن مجرد وسيط تقليدي، بل فاعلًا رئيسيًا يمتلك أدوات التأثير وأوراق الضغط في مختلف ملفات المنطقة، وهو ما جعل أي تفاهمات دولية، بما فيها المسارات الأمريكية–الإيرانية، غير قابلة للتطبيق دون الحضور المصري الفاعل وبصمة القاهرة الحاسمة. ولم يقتصر الدور على احتواء الأزمات، بل امتد إلى طرح مبادرة للاستقرار الاقتصادي الإقليمي، تهدف إلى ربط مصالح الأطراف بالسلام والتنمية، لا بالصراع والتصعيد.

هذا المشهد بكل تعقيداته يرسّخ حقيقة أن القاهرة لم تكن مجرد طرف يدير الأزمة، بل قوة أعادت صياغة مساراتها، وأوقفت اندفاعها نحو المجهول، مستندة إلى مزيج دقيق من الصبر الاستراتيجي، والقوة الناعمة، والقدرة الفريدة على اختراق دوائر القرار في طهران وواشنطن وموسكو في توقيت واحد. وبين ضجيج التشكيك ومحاولات التزييف، تبقى الحقيقة أكثر رسوخًا من أن تُخفى: أن مصر كانت الركيزة التي حالت دون تفكك الإقليم، وأعادت توجيه بوصلته نحو الاستقرار في لحظة تاريخية كادت أن تعصف بكل موازين القوى.

إن الرهان على تغييب هذا الدور أو القفز فوق ثوابت الجغرافيا السياسية ليس سوى محاولة عابرة لمغالطة التاريخ، فالفصول الحاسمة التي كُتبت في ربيع 2026 حملت توقيعًا مصريًا خالصًا. ففي الوقت الذي كان العالم يترقب الانفجار الكبير، كانت القاهرة تمسك بخيوط المشهد، تفكك شفرات الأزمة، وتفتح أبواب النجاة، عبر تحرك شجاع قاده الرئيس عبد الفتاح السيسي بنداء سلام مباشر إلى دونالد ترامب، وبجهد دبلوماسي لا يهدأ قاده بدر عبد العاطي، اخترق العواصم الكبرى، من موسكو إلى واشنطن وصولًا إلى إسلام أباد، ليعيد التوازن إلى مشهد كان على شفا الانفجار.

وستظل شواهد هذه اللحظة حاضرة في ذاكرة المنطقة: اعترافات من طهران بدور القاهرة، وإشادات من إسلام أباد بخبرتها، واستجابة من واشنطن لمنطقها العقلاني. حقائق لا يمكن طمسها مهما تصاعدت حملات التضليل أو اشتدت حروب المعلومات. فالثابت الذي لا يقبل الجدل أن مصر لم تكتفِ بإيقاف حرب، بل أعادت رسم ملامح المستقبل من تحت ركام الصراع، مؤكدة أن أمن العالم واستقراره يمران حتمًا عبر بوابة القاهرة، التي ستظل دائمًا صمام الأمان وصانعة السلام في زمن الاضطراب.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء