انتهى موسم المشاهدة الرمضانية للدراما المصرية، وفي الوقت الذي تحتفي فيه البيوت ببهجة العيد -الذي نهنئ فيه الشعب المصري العظيم وندعو الله أن يعيده علينا بالخير واليمن- نجد أن الدراما المصرية هذا العام قد آثرت أن تقتحم ردهات المحاكم الباردة. فبين تلك الردهات الموحشة وساعات الرؤية الخاطفة بمراكز الشباب، تضيع ملامح الأبوة وتُغتال براءة الطفولة تحت مقصلة "العناد النفسي". فقرر الفن في هذا الموسم أن يتخلى عن دبلوماسيته المعهودة، ليصرخ بصوت آلاف الآباء المقهورين الذين يصارعون قوانين جامدة.
فبينما صيغ قانون الأحوال الشخصية تاريخيًا لحماية المرأة باعتبارها "الطرف الأضعف"، يجد الزوج نفسه اليوم محاصرًا بترسانة من قضايا النفقة والتبديد وألاعيب الرؤية، وهو ما دفع "المتر سمير" للتساؤل بمرارة ساخرة في مسلسله: "إن للمرأة جمعية هي جمعية حقوق المرأة.. وللطفل أيضًا جمعية هي جمعية حقوق الطفل، حتى الحيوان له جمعية هي جمعية حقوق الحيوان.. والرجل هو الوحيد الذي ليس لديه جمعية تدافع عن حقوقه". وسط هذا الزخم، يبرز السؤال الجوهري: هل آن الأوان لتحويل صرخة مسلسل "يا رجال العالم اتحدوا" ــ العمل الدرامي الكوميدي الاجتماعي البارز المعروض عام 2000 من بطولة الفنان حسين فهمي ــ إلى واقع ملموس وتغيير في قوانين الأحوال يعيد ضبط كفة الميزان؟ نحن أمام مكاشفة درامية تضعنا أمام الحقيقة المرة: هل نطبق قانونًا للعدالة، أم نشاهد عملية اغتيال معنوي للأسرة وللأب بدعم محرضين يقفون خلف الستار؟ لطالما كانت الدراما هي المرآة التي تعكس تشوهات المجتمع وتحاول تسليط الضوء على قبحها لعل وعسى يتحرك الساكن في المياه الراكدة. وفي موسم رمضان الحالي، وجدنا أنفسنا أمام مواجهة مباشرة ومكاشفة لم نعتد عليها بهذا الوضوح، حيث اقتحمت مسلسلات مثل "كان ياما كان" و"المتر سمير" و"أب ولكن" وغيرها من أعمال الموسم الرمضاني الحالي عش الدبابير في ملفات الأحوال الشخصية، لترصد زاوية شديدة الحساسية وهي معاناة الأب في ظل قوانين الرؤية والحبس بسبب النفقة وتبديدها، وفي ظل تعنت الأم الحاضنة يجد الأب نفسه طريدًا للعدالة وطريدًا للسكن، فريسةً لتعنت نفسي يمارس ضده بصورة ممنهجة.
تبدأ الحكاية من "كان ياما كان" الذي عرض في النصف الأول من الشهر الكريم، ليضع حجر الأساس لمناقشة حقوق الأب الضائعة وسط ركام الانفصال، ثم جاء "المتر سمير" و"أب ولكن" في النصف الثاني ليكملوا هذه اللوحة القاتمة التي لا تخلو من صدق موجع. هذه الأعمال لم تكتفِ بعرض المشكلة القانونية الجامدة، بل غاصت في كواليس النفس البشرية وما يعتريها من تحولات حين يتحول الحب القديم إلى رغبة محمومة في الانتقام وتصفية الحسابات الشخصية على جثة استقرار الأطفال.
إن القضية المحورية التي تفرض نفسها هنا هي تحول الطفل إلى أداة انتقام. الدراما هذا العام كانت جريئة وهي ترصد كيف تتحول بعض الأمهات، مدفوعات بأمراض نفسية أو رغبات في السيطرة، إلى سد منيع يحول بين الأب وأبنائه. والمفارقة الصارخة التي رصدتها هذه الأعمال هي دور "الحماة"، ذلك المحرك الصامت الذي يقف خلف الستار، يغذي نار الكراهية ويدفع الأم نحو المزيد من التعنت، لتتحول قضية الرؤية من ترتيب إنساني لمصلحة الطفل إلى معركة كرامة عائلية يُذبح فيها الأب معنويًا ونفسيًا تحت شعار حماية الصغار، بينما الحقيقة هي رغبة في "كسر" الطرف الآخر وإلغاء وجوده من ذاكرة أبنائه.
دور الدراما هنا تجاوز حدود الحكاية ليصبح مرصدًا يحلل لماذا يصل الحال بآباء يبذلون الغالي والنفيس فقط لانتزاع ساعة أو ساعتين مع أبنائهم في مراكز الشباب، تحت مظلة قانون الرؤية الحالي الذي يراه الكثيرون مجحفًا ولا يلبي الحد الأدنى من الاحتياج النفسي. المسلسلات الثلاثة وغيرها صورت الأب ليس فقط كـ "ماكينة صراف آلي" لدفع النفقة، بل ككيان إنساني يتم اغتياله عاطفيًا حين يُحرم من المشاركة في تفاصيل حياة أبنائه اليومية، بينما يقف القانون أحيانًا عاجزًا عن كبح جماح الكيد الذي تدعمه بيئة أسرية محرضة لا ترى في الأب سوى عدو يجب إقصاؤه.
وهنا تبرز الأهمية القصوى للدور التنويري والتحريضي للفن؛ فالدراما حين تفتح هذه الملفات الشائكة، فهي لا تهدف فقط للرصد، بل تفتح الباب على مصراعيه أمام تغيير هذا الواقع الأليم. لقد أثبتت التجارب السابقة أن الفن قادر على تحريك الرأي العام والضغط باتجاه تعديل القوانين الجامدة، تمامًا كما فعلت أعمال سابقة غيرت مجرى التشريعات في مصر. إن عرض معاناة "المتر سمير" ونماذج الآباء في "أب ولكن" و"كان ياما كان" يضع المشرع أمام مسؤولية تاريخية لإعادة النظر في "قانون الرؤية" واستبداله بنظام "الاستضافة" الذي يضمن للطفل حق العيش السوي مع والديه حتى بعد الانفصال.
الدراما اليوم تخلصت من الصورة النمطية التي تحصر الظلم في طرف واحد، وبدأت تعري الأمراض النفسية التي قد تتملك بعض الأمهات وتأثير تدخلات "الحموات" المدمر. هذا الكشف يمنح المجتمع فرصة للمكاشفة، هل نحن بصدد تربية أجيال سوية أم أجيال مشوهة نفسيًا نتيجة استغلالها في حروب الكبار؟ إن تسليط الضوء على هذه التفاصيل الدقيقة يكسر جدار الصمت ويجبر المؤسسات المعنية، من برلمان ومجالس متخصصة، على الاستماع لصوت الأب المقهور الذي ضاع صوته في ردهات المحاكم المزدحمة.
إن هذه الثلاثية الدرامية الرمضانية وغيرها من أعمال دارت في فلك الأسرة هي بمثابة "صرخة استغاثة" جماعية. الفن هنا يمارس وظيفته الأسمى في كونه قوة ناعمة قادرة على صياغة وعي جديد يرفض استخدام الأطفال كرهائن. إن تتابع هذه الأعمال في موسم واحد يعكس وعيًا جمعيًا بضرورة التغيير، ويؤكد أن زمن الصمت عن ثغرات قوانين الأحوال الشخصية قد ولى. الأب في هذه المسلسلات ليس مجرد شخصية درامية، بل هو صدى لآلاف القصص الحقيقية التي تبحث عن عدالة لا تكتفي بالأوراق والنفقة، بل تنظر لروح الطفل وحقه في والده.
ختامًا، يبقى الأمل معقودًا على أن تتحول هذه المشاهدات والتعاطف الجماهيري إلى حراك حقيقي يغير الواقع. لقد فتحت الدراما الباب، وكشفت عن عمق الجرح، وعلى المجتمع الآن أن يتحلى بالشجاعة لمداواة هذا الجرح بتشريعات تحفظ كرامة الأب وتضمن مستقبل الطفل بعيدًا عن صراعات "الحموات" وعقد الأمهات. فإذا كانت الدراما قد بدأت الحكاية بـ "كان ياما كان"، فإننا ننتظر من الواقع أن ينهيها بعدالة تليق بمستقبل هذا الوطن وأبنائه.
إن ما قدمته الدراما هذا العام في "المتر سمير" و"أب ولكن" و"كان ياما كان" ليس مجرد ترفيه، بل هو بمثابة "بلاغ للرأي العام" وللمشرع المصري على وجه الخصوص. لقد انتهت الحلقات، لكن صرخة الآباء في الواقع لا تزال مستمرة، ولن يهدأ هذا الضجيج إلا بتشريع يدرك أن الأب ليس زائرًا ثانويًا في حياة أطفاله، بل هو ركن أصيل لا تستقيم بدونه الأنفس. لقد فتحت الدراما الباب أمام التغيير، والكرة الآن في ملعب أولي الأمر لتحويل هذه الرؤية الفنية إلى واقع يحمي الأطفال من كيد الكبار، ويستبدل "الرؤية" الجافة بـ "استضافة" إنسانية تليق بمستقبل جيل كامل.