رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

تتجلى ريادة الدولة المصرية في إدارتها للأزمات الإقليمية المعقدة كقوة حكيمة تسعى لفرض التوازن في منطقة تموج بالصراعات الحادة، خاصة في ظل المواجهة المستمرة بين المثلث الأمريكي الإسرائيلي والإيراني. إن القراءة العميقة للتحرك المصري في هذا التوقيت الحرج تؤكد بطلان الادعاءات التي ترددت حول تأخر الدور المصري في التعاطي مع هذه الأحداث الجسيمة، بل على النقيض تمامًا، أثبتت الوقائع أن القاهرة كانت تتحرك وفق استراتيجية النفس الطويل والعمل الدبلوماسي الهادئ الذي يسبق العواصف بخرائط طريق متكاملة، حيث أدركت الدولة المصرية مبكرًا أن مواجهة العواصف الإقليمية لا تُدار بردود الأفعال اللحظية، بل برؤية استراتيجية بعيدة المدى. وكانت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي الصريحة لتأسيس جيش عربي موحد منذ سنوات بمثابة استشراف دقيق للحظة الراهنة.. التي تتشابك فيها النيران بين واشنطن وتل أبيب وطهران فوق الأراضي العربية، لتؤكد أن صمام الأمان الوحيد يتمثل في قوة عربية مشتركة تمنع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، وتؤكد أن التحرك المصري لم يتأخر يومًا، بل كان يمهد الأرض لوعي جمعي يدرك أن حماية المقدرات تتطلب درعًا يجمع الشتات ويفرض الهيبة في مواجهة الأطماع التوسعية التي تحاول فرض إرادتها على الجغرافيا العربية.

لقد شكلت الزيارات المكوكية التي أجراها الرئيس السيسي إلى عواصم دول الخليج العربي حجر الزاوية في بناء جبهة صد دبلوماسية عربية صلبة، حيث لم تكن هذه اللقاءات مجرد مشاورات بروتوكولية، بل كانت لترسيخ معادلة استراتيجية مفادها أن أمن الخليج خط أحمر لا يقبل القسمة، وهو جزء أصيل لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وأثمرت هذه التحركات عن تنسيق سياسي وأمني رفيع المستوى أدى إلى توحيد الخطاب العربي أمام القوى العظمى، مما ساهم في تحجيم سيناريوهات الانفجار الشامل ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة بين واشنطن وطهران. إن هذا التناغم المصري الخليجي وجه رسالة حاسمة بأن القرار العربي المستقل يمتلك المبادرة في طرح بدائل سلمية تعتمد على الندية والحفاظ على المصالح العليا للشعوب بعيدًا عن سياسات المحاور المتقاطعة. وفي ملف الوساطة، برز الدور المصري كلاعب دولي محوري لا يمكن تجاوزه، حيث امتلكت القاهرة قنوات اتصال مباشرة وموثوقة مع كافة الأطراف المتنازعة، مما مكنها من قيادة جهود حثيثة لخفض منسوب التوتر ومنع انزلاق المواجهات إلى نقطة اللاعودة.

فالمساعي المصرية لم تقتصر على محاولات التهدئة الميدانية، بل شملت تحركات دبلوماسية مكثفة في المحافل الدولية لانتزاع اعتراف بضرورة معالجة جذور الصراع وحماية الممرات الملاحية الدولية التي تعد شريان الحياة للاقتصاد العالمي. وتؤكد تقارير إعلامية نقلتها بي بي سي عن مصادر مصرية متخصصة أن القاهرة تعمل حاليًا على توفير مخرج آمن من التصعيد الراهن عبر تنسيق مكثف مع قطر وتركيا والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، بهدف التوصل إلى وقف للحرب يسمح بإقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانفصال عن المسار العسكري مع حفظ ماء الوجه والتوجه نحو حل تفاوضي، وهي اتصالات قائمة بالفعل وفق معلومات مؤكدة تندرج ضمن تحركات وزارة الخارجية الأخيرة. إن الثقة الدولية في الوساطة المصرية تنبع من ثبات المواقف والقدرة على صياغة تفاهمات تضمن استقرار الإقليم دون التفريط في الحقوق السيادية، أو القبول بفرض سياسة الأمر الواقع تحت غطاء الحرب المستعرة، خاصة وأن مصر تمتلك مقومات قوية للوساطة بفضل علاقاتها المتوازنة مع الجميع وعدم انخراطها المباشر في النزاع وخبرتها الطويلة في إدارة المفاوضات.

إن التحرك المصري لم يكن يومًا غائبًا أو متأخرًا، بل كان يتحرك بوعي استراتيجي يدرك أن التدخل الفعال يتطلب بناء اصطفاف عربي متين، وهو ما تحقق عبر الدبلوماسية الرئاسية النشطة التي جابت العواصم لتنسيق المواقف. وقد تجلى هذا الدور بوضوح في قدرة القاهرة على احتواء الخلافات العربية البينية، ومنها جهود تقريب وجهات النظر لتجاوز تباين الرؤى الأخير في بعض الملفات بين الأشقاء في السعودية والإمارات، مما حافظ على تماسك الجبهة العربية. كما أثبتت الأيام أن الرؤية المصرية التي نادت بالعمل الدفاعي المشترك كانت رؤية استباقية تهدف لحماية المنطقة من أن تصبح مجرد ورقة ضغط في المفاوضات الكبرى، أو ساحة لتوسيع نفوذ أطراف إقليمية على حساب المقدرات العربية الأصيلة. وقد برز هذا الثقل في النجاح التاريخي للوساطة المصرية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة لأكثر من مرة، وهو الدور الذي لا يمكن تجاوزه لضمان أي تهدئة حقيقية.

إن نجاح مصر في إدارة هذا المشهد المعقد يعكس نضجًا سياسيًا يجمع بين الحزم والدبلوماسية النشطة، وهو ما جعل من القاهرة الوجهة التي تقصدها القوى الكبرى كلما تأزمت الأمور بحثًا عن مخرج آمن. ولعل حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة العالم إلى شرم الشيخ في القمم التاريخية يعكس اعترافًا دوليًا بأن مصر هي حجر الزاوية في معادلة الاستقرار الإقليمي. وفي السياق الراهن، أشار موقع أكسيوس إلى أن مصر وقطر تنقلان رسائل بين أطراف الصراع، كما برزت مصر وتركيا وباكستان كوسطاء محتملين بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي تمديد المهلة مع إيران، متوقعًا التوصل إلى حل شامل، مما يؤكد أن الدبلوماسية المصرية تظل هي الضامن الوحيد لمنع انزلاق المنطقة نحو ويلات الدمار الشامل..

وهذا ما أكده وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي في تصريحاته الأخيرة الصادرة بتاريخ 25 مارس 2026 على تأييد الدولة المصرية لمبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرامية إلى فتح آفاق التفاوض مع الجانب الإيراني، معربًا عن استعداد القاهرة الكامل لاستضافة أية اجتماعات إقليمية أو دولية من شأنها منع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة، كما شدد في الوقت ذاته على أن أمن منطقة الخليج العربي يمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، كونه جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري.

لقد استطاعت القيادة السياسية المصرية، من خلال هذه التحركات الواعية، أن تعيد تعريف الدور القيادي التاريخي لمصر، مؤكدة أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على حماية الأشقاء وتوحيد الكلمة العربية في مواجهة العواصف العاتية. إن هذا المقال يؤكد للقاصي والداني أن مصر بجيشها ودبلوماسيتها ورؤيتها الاستشرافية تظل هي صمام الأمان والوسيط النزيه الذي يمتلك وحده القدرة على صياغة مستقبل يسوده الاستقرار بعيدًا عن صراعات النفوذ الأجنبي التي لا تراعي سوى مصالحها الخاصة. وبينما تميل دول الخليج للتهدئة، يبقى الحسم مرهونًا بمواقف أطراف المثلث في بلورة تصور لإنهاء الحرب. إن التاريخ سيسجل أن مصر لم تكتفِ بالمراقبة، بل كانت هي المحرك الفعلي لدفة التهدئة والحامي الأول للبيت العربي في واحدة من أخطر المنعطفات التي تمر بها المنطقة والعالم في العصر الحديث، لتثبت أن رؤيتها للجيش الموحد كانت قراءة في كتاب المستقبل لا مجرد شعارات للماضي.

ختامًا، تشير كافة المعطيات الميدانية والدبلوماسية إلى أن الأيام القليلة القادمة ستشهد انفراجة حقيقية تلوح في الأفق، مع اقتراب الأطراف من نقطة التلاقي والوصول إلى حل يفضي بوقف إطلاق النار وإنهاء حالة التأزم الراهنة. إن هذا التحول المرتقب نحو التهدئة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة مباشرة لجهود الوساطة المضنية والاحترافية التي تقودها مصر بصبر وثبات، حيث استطاعت القاهرة بصيغتها المتوازنة ورؤيتها الثاقبة أن تذلل العقبات وتقرب وجهات النظر المتباعدة، لتثبت مرة أخرى أنها الرقم الصعب في معادلة الاستقرار، وأن دبلوماسيتها الواعية هي التي شقت الطريق نحو هذا المسار السلمي الذي سيجنب المنطقة والعالم ويلات التصعيد الشامل، ويعيد الأمل في غد يسوده الهدوء وتصان فيه مقدرات الشعوب.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء