يخالطني، مع التشكيل الوزاري الجديد، إحساس مختلف هذه المرة؛ إحساس بأن الكلمات لم تعد مجرد حبر على ورق، بل قد تتحول إلى قرارات، وأن ما نكتبه يمكن أن يجد طريقه إلى التنفيذ. فنحن لا نتحدث عن تغيير أسماء أو حقائب، بل عن فرصة حقيقية لصياغة مستقبل وجمهورية جديدة. وبناء الدولة في جوهره ليس إقامة مؤسسات ولا تشييد مبانٍ، بل هو بناء الإنسان؛ بناء العقل الذي يفكر، والوعي الذي يميز، والفكر الذي يقود. وهذا البناء لا يقوم إلا على ركيزتين راسختين: التعليم والثقافة، في إطار رؤية واحدة وفكر جامع يوحد المسار ويحدد الهدف.
الثقافة ليست حقيبة وزارية تنتقل من يد إلى يد، ولا مقعدًا على مائدة اجتماعات الحكومة، بل هي روح تسري في جسد الوطن كله؛ فإذا صلحت الروح صلح الجسد، وإذا ضعفت تراجع كل شيء مهما علت المباني وارتفعت الجسور. نحن لا نبني جمهورية جديدة بالإسفلت والخرسانة فقط، بل نبنيها بالعقل الواعي، والوجدان المنتمي، والشخصية القادرة على التمييز بين الحق والباطل، بين الجمال والقبح، بين المعرفة والجهل. ولهذا فإن بناء الإنسان المصري يجب أن يكون المشروع الأول والأخير، وأن يبدأ من المهد إلى اللحد، من أول كلمة يسمعها الطفل في بيته إلى آخر فكرة يودع بها الحياة. وهذا ما يتحدث عنه دائمًا الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويؤكد عليه في خطاباته حين يربط بين بناء الدولة وبناء الوعي، ويشدد على أن معركة الجمهورية الجديدة هي، في جوهرها، معركة إدراك وفهم وتحصين للعقول، ويوجه دومًا بالعمل على ترسيخ الهوية المصرية وتجديد الخطاب الثقافي والفكري والديني، حتى يظل الإنسان هو الغاية، وهو الوسيلة، وهو الحصن الحقيقي لهذا الوطن.
حين كنت عضوًا في اللجنة العليا للإعلام بالمجلس الأعلى للثقافة، عايشت عن قرب حجم التحدي، وأدركت أن الثقافة إن بقيت حبيسة الجدران فلن تؤدي رسالتها. قدمت مع زملائي عددًا من البحوث حول سبل النهوض بالثقافة المصرية، وكان من بينها بحث لي حظي بتقدير منظمة اليونسكو، وفاز بجائزتها، وعرض في اجتماع وزراء الثقافة العرب الذي عقد في تونس عام 2016، ثم نُشر في كتاب للمنظمة ليصبح وثيقة دولية تؤكد أن طريق النهضة الثقافية ليس حلمًا نظريًا، بل رؤية قابلة للتنفيذ إذا توافرت الإرادة السياسية والتكامل المؤسسي. جوهر هذا البحث كان واضحًا: لا نهضة ثقافية من دون تعليم مستنير، ولا تعليم حقيقي من دون عمق ثقافي.
المشكلة لم تكن يومًا في غياب الأفكار، بل في غياب الربط بين المؤسسات، وفي استمرار الفصل المصطنع بين ما هو تعليمي وما هو ثقافي؛ كأن المدرسة كيان مستقل عن المسرح، وكأن الجامعة بعيدة عن المكتبة، وكأن قصور الثقافة ترف لا ضرورة. بينما الحقيقة أن التعليم والثقافة وجهان لعملة واحدة، وأن أي خطة لإصلاح أحدهما دون الآخر تبقى ناقصة ومهددة بالتعثر. إن الفكر الجامع الذي دعوت إليه مرارًا يعني أن يتحول الكتاب المدرسي إلى مدخل للوعي، لا مجرد مقرر للحفظ، وأن تصبح الأنشطة الثقافية جزءًا أصيلًا من المنهج، لا هامشًا يمكن الاستغناء عنه عند أول أزمة.
إن بناء الإنسان ليس شعارًا إنشائيًا، بل فلسفة دولة تبدأ من الأم التي تقرأ لطفلها، وتنتهي بالمواطن الذي يواصل التعلم طوال حياته. وبينهما سنوات طويلة يجب أن تكون مشبعة بالفنون والآداب والمعرفة والنقاش الحر، والانفتاح المنضبط على العالم. لا يمكن أن نطالب شابًا بالإبداع إذا لم نتيح له مسرحًا يحتضن موهبته، ولا يمكن أن نطالبه بالانتماء إذا لم نمنحه سردية وطنية قوية تعرّفه بجذوره وتاريخه ورموزه.
التشكيل الوزاري الجديد يضع الإنسان في قلب المشهد، وهذه فرصة تاريخية لإعادة تعريف دور الثقافة، ليس بوصفها وزارة تنظم الفعاليات، بل باعتبارها شريكًا استراتيجيًا في صناعة المستقبل. المطلوب اليوم هو كسر الحواجز بين الوزارات، وأن تعمل الثقافة والتعليم والإعلام في منظومة واحدة تتشارك الرؤية والهدف. حينها فقط يمكن أن تتحول كل مدرسة إلى منارة إشعاع، وكل قصر ثقافة إلى ورشة بناء للعقل، وكل جامعة إلى ساحة حوار حقيقي.
لقد أثبتت التجارب أن الأمم لا تسقط بسبب الفقر المادي وحده، بل بسبب الفقر المعرفي وانهيار منظومة القيم. وإذا أردنا حماية جمهوريتنا الجديدة فعلينا أن نستثمر في الوعي قبل أي شيء آخر، وأن نعيد ترتيب الأولويات بحيث يصبح الإنفاق على العقل استثمارًا لا عبئًا، وأن تتحول المؤسسات الثقافية إلى منصات إنتاج معرفي حي يصل إلى الناس في القرى قبل المدن، وفي الأطراف قبل المراكز.
الثقافة ليست وزارة، لأنها أوسع من أي هيكل إداري وأكبر من أن تختزل في أرقام ميزانية؛ فهي نمط حياة، وطريقة تفكير، ومنظومة قيم تصوغ وجدان الأمة. وخلال عملي عضوًا في اللجنة العليا للإعلام بالمجلس الأعلى للثقافة، أدركت حجم التحدي حين علمت أن نحو 97% من ميزانية وزارة الثقافة يذهب إلى الرواتب، وهو واقع يفرض علينا إعادة النظر في آليات العمل، والبحث عن صيغ أكثر كفاءة وابتكارًا لتعظيم الأثر. إن محدودية الموارد المتاحة لا تعني محدودية الطموح، بل تستدعي شراكة حقيقية وفاعلة بين وزارات الثقافة والتعليم والإعلام، تقوم على التنسيق والتكامل لا على الجزر المنعزلة. وإذا أردنا تغييرًا ملموسًا فعلينا أن نبدأ بالإنسان، طفلًا وشابًا وامرأةً ورجلًا؛ نغرس فيهم حب المعرفة، واحترام التنوع، والقدرة على التفكير النقدي، ونمنحهم أدوات العصر من دون أن نقتلعهم من جذورهم أو نفصلهم عن تاريخهم.
من اللحظة الأولى لتفتح الوعي حتى آخر محطة في مسيرة العطاء تمتد رحلة الإنسان، وفي كل مرحلة منها تتشكل ملامح المستقبل؛ فكل كتاب يقرؤه طفل، وكل عرض مسرحي يشاهده شاب، وكل ندوة تفتح أفقًا جديدًا أمام مواطن، هي لبنة تترسخ في بناء الدولة الحديثة التي نحلم بها، دولة لا تقوم فقط على قوة السلاح والاقتصاد، بل تستند، قبل ذلك، إلى قوة الفكرة وصلابة الوعي.
لهذا أكتب اليوم وأنا على يقين بأن اللحظة مواتية، وأن الإرادة السياسية متوافرة، وأن بناء الإنسان المصري هو الطريق الأقصر والأكثر أمانًا نحو المستقبل، فقد شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا على أن معركة الدولة الحقيقية هي معركة وعي، وأن تحصين العقول وبناء الإدراك السليم يمثلان خط الدفاع الأول عن الوطن، وهي توجيهات تستوجب منا جميعًا أن نحول هذا الخطاب إلى خطة عمل واضحة ومتكاملة.
ومن هنا أخاطب الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، والسيد محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، والدكتور ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام، والسيد مهندس خالد عبد العزيز رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والزميل الصحفي أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، والمهندس عبد الصادق الشربجي رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، أن تتكامل الجهود وتتحد الرؤى لإطلاق مشروع قومي شامل لتعليم وثقافة المواطن المصري، يقوم على الشراكة المؤسسية والتنسيق المستمر، بحيث تصبح الثقافة والتعليم والإعلام منظومة واحدة تصنع الوعي وتوجهه.
فالثقافة ليست مجرد حقيبة وزارية، بل هي قدر وطن ومشروع عمر ومسؤولية جيل يريد أن يسلم الراية لمن بعده، وهو مطمئن إلى أن العقل الذي ساهم في بنائه سيحمي الدولة ويصونها، وأن الوعي الذي ترسخ في وجدان أبنائها سيبقى السند الحقيقي في مواجهة كل التحديات.