رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


مصر والجامعة العربية.. 
حقائق التاريخ في مواجهة "الذاكرة الانتقائية"

في ظل اللحظات الفارقة التي تمر بها منطقتنا العربية، وبينما تتصاعد الصراعات الإقليمية بين القوى الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية لتعيد رسم خريطة النفوذ في الخليج العربي وتضع المنطقة بأكملها في قلب العاصفة، برزت ظاهرة مؤسفة تمثلت في ارتفاع أصوات من بعض الأشقاء في دول الخليج لا تبحث عن حلول للأزمات ولا تحاول تشخيص أسباب الضعف العربي، بل تتجه مباشرة إلى توجيه الاتهامات والإساءات إلى الدولة المصرية، وتحميلها مسؤولية حالة الضعف التي تعاني منها جامعة الدول العربية، وكأن مصر وحدها مسؤولة عن عقود طويلة من العجز العربي المشترك، منذ نكبة عام 1948 وحتى الصمت العربي المخزي أمام ما يحدث في غزة وغيرها من الأزمات العربية المتلاحقة.
وأمام هذه الذاكرة الانتقائية، يصبح من الضروري وضع حقائق التاريخ كاملة دون اجتزاء، فالهجوم على مصر يتجاهل عمداً أن القاهرة كانت على مدار التاريخ الحديث الركيزة الأساسية للعمل العربي المشترك، وأنها كانت دائماً الطرف الأكثر تحركاً لاحتواء الأزمات والدعوة إلى القمم الطارئة ومحاولة الحفاظ على ما تبقى من فكرة التضامن العربي، بينما اختارت أطراف أخرى الانكفاء على مصالحها الضيقة أو الاحتماء بتحالفات خارجية على حساب مفهوم الأمن القومي العربي، ثم عادت بعد ذلك لتلقي باللوم على مصر وكأنها المسؤولة وحدها عن فشل منظومة كاملة تتطلب قراراتها توافقاً جماعياً لا تملكه دولة واحدة مهما كان حجمها أو قوتها.
إن أزمة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945 لم تكن أبداً أزمة مقر أو دولة مستضيفة، بل كانت دائماً أزمة إرادة سياسية غائبة، فالمؤسسة التي أنشئت لتكون بيتاً للعرب ومظلة لحماية الأمن القومي العربي تحولت مع مرور السنوات إلى ساحة للخلافات ومكان لإصدار بيانات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وليس السبب في ذلك موقع المقر في القاهرة كما يروج البعض، بل لأن كثيراً من الدول الأعضاء لم تكن تملك الإرادة الحقيقية لتفعيل العمل العربي المشترك، وتركت مصر في كثير من الأحيان تقاتل وحدها للحفاظ على الحد الأدنى من التضامن العربي.
وقد وصلت الأمور في السنوات الأخيرة إلى حد المطالبة بإلغاء الجامعة العربية أو نقل مقرها من القاهرة، وهي دعوات تكشف سطحية في فهم طبيعة الأزمة، لأن المشكلة ليست في الجغرافيا بل في السياسة، وليست في المبنى بل في غياب القرار الموحد، فكم من قمم عربية عقدت وخرجت ببيانات قوية لم ينفذ منها شيء، وكم من أزمات مرت على العالم العربي كانت تحتاج إلى موقف جماعي حاسم، لكن الخلافات بين الدول العربية والمصالح المتعارضة جعلت كل دولة تعمل بشكل منفرد، فظهرت الجامعة وكأنها مؤسسة عاجزة، بينما الحقيقة أن العجز كان عجز إرادة لا عجز مؤسسة.
وعند الحديث عن التخاذل العربي يبرز الظلم التاريخي الذي تعرضت له مصر في هذا الملف، فالقاهرة كانت دائماً أول من يدعو إلى عقد الاجتماعات الطارئة وأول من يطرح مبادرات للحل، لكنها كثيراً ما كانت تصطدم بغياب الحضور أو ضعف التمثيل أو الخلافات بين الدول الأعضاء، ومع ذلك يتم توجيه الاتهام إليها بالتقاعس، وكأن المطلوب منها أن تحل جميع أزمات المنطقة بمفردها، في حين أن قرارات الجامعة لا تصدر إلا بالإجماع، وهو الإجماع الذي كان يغيب في أخطر اللحظات التي مرت بها الأمة العربية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن مصر كانت تنظر إلى المستقبل عندما طرحت أفكاراً مثل الجيش العربي الموحد والسوق العربية المشتركة، لكن هذه المشروعات بقيت حبيسة الأدراج بسبب غياب الإرادة السياسية لدى كثير من الدول، ولو كانت هذه الأفكار قد تحققت لكان الوضع العربي اليوم مختلفاً تماماً، ولما أصبحت الدول العربية عرضة للضغوط الخارجية والتدخلات الإقليمية التي استغلت الانقسام العربي لتحقيق مصالحها في المنطقة.
كما أن الواقع يؤكد أن مصر تحملت العبء الأكبر من القضية الفلسطينية سياسياً واقتصادياً وأمنياً، رغم ما تواجهه من ضغوط وتحديات اقتصادية، بينما اكتفت دول أخرى بالمواقف الإعلامية أو البيانات الدبلوماسية دون تقديم دعم حقيقي يوازي حجم القضية، وهو ما يكشف حجم الفجوة بين من يتحمل المسؤولية على الأرض ومن يكتفي بالكلام من بعيد.
وإذا نظرنا إلى التاريخ العربي الحديث سنجد محطات كثيرة كشفت حجم التخاذل والانقسام العربي، بداية من نكبة فلسطين مروراً بالخلافات العربية في أزمات كبرى مثل غزو الكويت، وصولاً إلى الفوضى التي صاحبت ما سمي بالربيع العربي، حيث انهارت دول عربية كبرى مثل سوريا وليبيا واليمن وسط صراعات إقليمية ودولية، بينما وقفت الجامعة العربية عاجزة عن إيجاد حلول عربية للأزمات العربية، بل إن بعض القرارات في تلك الفترات فتحت الباب أمام التدخلات الأجنبية بدلاً من إغلاقه، وهو ما زاد من تعقيد الأوضاع في المنطقة.
هذا الواقع أدى إلى فقدان المواطن العربي الثقة في العمل العربي المشترك، لأن الشعوب كانت دائماً تنتظر مواقف موحدة تحمي الأمن القومي العربي وتوقف نزيف الدماء في الدول التي تعرضت للحروب والانقسامات، لكنها كانت ترى خلافات وصراعات بين الحكومات العربية أكثر مما ترى تعاوناً وتضامناً، وهو ما جعل صورة الجامعة العربية تهتز في الوعي الشعبي العربي.
وفي ظل هذه الظروف يأتي تولي الدبلوماسي المصري نبيل فهمي مسؤولية الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ليضعه أمام تحديات هائلة، فالمهمة لن تكون سهلة في ظل تراكمات طويلة من الخلافات وضعف العمل المؤسسي داخل الجامعة، وسيكون من أهم التحديات التي تواجهه ضرورة تطوير ميثاق الجامعة بما يتناسب مع التغيرات السياسية في المنطقة، خاصة أن شرط الإجماع في اتخاذ القرارات أصبح أحد أهم أسباب شلل العمل العربي المشترك، لأنه يسمح لأي دولة بتعطيل أي قرار حتى لو كان في مصلحة بقية الدول.
كما يواجه تحدياً آخر يتمثل في استعادة الثقة بين الدول الأعضاء وبين الشعوب العربية والجامعة، وهي مهمة صعبة في ظل الانقسامات العربية الحالية وتزايد النفوذ الإقليمي غير العربي في المنطقة، إضافة إلى ضرورة إقناع القادة العرب بأهمية الالتزام بحضور القمم وتنفيذ القرارات بدلاً من الاكتفاء بالمشاركة الشكلية أو الغياب في أوقات الأزمات.
ويبقى السؤال المطروح بقوة هو ما إذا كانت الصدمات التي تعرضت لها المنطقة في السنوات الأخيرة، في ظل الصراعات الدولية والإقليمية، يمكن أن تدفع الدول العربية أخيراً إلى إعادة التفكير في فكرة العمل العربي المشترك، وهل يمكن أن نشهد في المستقبل القريب عودة حقيقية لفكرة التكامل العربي سواء من خلال سوق عربية مشتركة أو تعاون عسكري واقتصادي حقيقي يحمي الدول العربية من الأخطار المحيطة بها.
إن الدروس القاسية التي مرت بها المنطقة أثبتت أن كل دولة عربية بمفردها ستكون أضعف من مواجهة التحديات الكبرى، وأن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية لا يوفر حماية دائمة، بل يجعل المنطقة ساحة لصراعات الآخرين، ولذلك فإن إصلاح الجامعة العربية لا يبدأ بنقل مقرها ولا بمهاجمة مصر، بل يبدأ بوجود إرادة عربية حقيقية للتكامل والتعاون وتحمل المسؤولية الجماعية بدلاً من إلقائها على دولة واحدة.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الواضحة أن الهجوم على الدور المصري لن يحل أزمات العالم العربي، وأن مصر مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تعمل وحدها في محيط عربي منقسم، وأن إنقاذ العمل العربي المشترك يتطلب من جميع الدول العربية مراجعة مواقفها والاعتراف بأن قوة العرب لا يمكن أن تتحقق إلا بالتعاون والتكامل، لا بالصراعات وتبادل الاتهامات. ولعل ما شهدته دول الخليج في الفترة الأخيرة، خلال الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، حين تحولت أراضي بعض الدول إلى ما يشبه الحائط البشري لحماية القواعد الأمريكية، وما سبق ذلك من قيام إسرائيل بضرب الدوحة رغم كونها حليفاً استراتيجياً لواشنطن، يؤكد أن التحالفات الخارجية لا توفر أمناً دائماً ولا تصنع استقراراً حقيقياً، وأن أمن العرب لا يحميه إلا العرب أنفسهم. هذه الأحداث يجب أن تدفعنا جميعاً إلى إعادة النظر في كل ما مر بعالمنا العربي، وأن ندرك أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا بكلمة عربية واحدة، ورأي عربي واحد، وقرار عربي واحد، وقوة عربية مشتركة، وسوق عربي مشترك، وجيش عربي موحد، إلى جانب جامعة عربية موحدة تقوم على إرادة سياسية حقيقية، لأن العالم من حولنا يتجه إلى التكتلات الكبرى، ومن لا يملك قوة الجماعة سيبقى ضعيفاً مهما امتلك من ثروات أو تحالفات مؤقتة.

مصطفي البلك 
[email protected]

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء