تحول مفهوم الكاميرا الخفية في السنوات الأخيرة من فن رسم الابتسامة على الوجوه، إلى صناعة القسوة وتصدير الإهانة تحت مسمى الترفيه، وصار المشاهد العربي يقف حائرًا أمام شاشات تبث العنف اللفظي والجسدي في صورة مقالب يزعم صناعها أنها تهدف للضحك، بينما هي في جوهرها تطاول سافر على الضيوف بالقول والفعل، وتكريس لثقافة الاستهزاء بكرامة الإنسان.
إن ما نشاهده اليوم في برامج المقالب التي يتصدرها رامز جلال ومن يسير على نهجه، ليس إلا تشويهًا متعمدًا لمعنى الفكاهة، حيث يتم رصد ميزانيات ضخمة وملايين الدولارات لا لتقديم محتوى فني راقٍ، بل لشراء صمت الضيف وقبوله بمهانة لا تليق بتاريخه أو مكانته، لدرجة أن هذه الملايين باتت تسمى في كواليس الوسط الفني "بدل إهانة"، وهو أمر يثير الأسى والحزن على ما وصل إليه الحال في زمن المسخ الذي نعيشه، حيث يتخلى الفنان عن هيبته وكيانه مقابل حفنة من المال، مما يؤدي بالضرورة إلى زعزعة صورته الذهنية لدى الجمهور الذي كان يراه قدوة ورمزًا للإبداع والوقار، وبدلًا من أن يظل النجم أيقونة تلهم الأجيال صار مادة للسخرية والتنمر الجماعي في مشهد يفتقر إلى أبسط قواعد الاحترام المتبادل بين الفنان وجمهوره، وبين الفنان ونفسه أولًا.
شتان الفارق بين كوميديا الموقف الراقية التي تعتمد على الذكاء اللماح، وبين تلك الإهانات المبتذلة التي تبث عبر الشاشات وتخترق البيوت دون استئذان، محطمة كل القيم الجمالية التي تربينا عليها. فإذا عدنا بذاكرتنا إلى الزمن الجميل، سنجد أن الكاميرا الخفية كانت مدرسة في فن الأداء والارتجال المعتمد على مفارقات الحياة اليومية ورصد التناقضات الإنسانية بأسلوب راقٍ يجمع بين الترفيه والدرس الاجتماعي.
وهنا لا بد أن نستذكر بكل فخر واعتزاز إبداع الكاتب والسيناريست الصديق العزيز يوسف معاطي، الذي كان العقل المدبر وراء أرقى حوارات الكاميرا الخفية، حيث صاغ بحسه الساخر وموهبته الفذة مواقف درامية غاية في البساطة والعمق في آن واحد.
كان يوسف معاطي يكتب الموقف كأنه قصة قصيرة لها بداية وذروة ونهاية، تعتمد على إحراج الضيف بالمنطق والكلمة الطريفة وليس بالترهيب أو الصعق الكهربائي، وبالتوازي مع هذا القلم المبدع كان هناك الراحل العظيم الفنان الكبير والصديق إبراهيم نصر، الذي أبدع وتألق في تجسيد شخصيات عديدة وصولًا إلى أيقونته الخالدة زكية زكريا. لقد قدم هذا الثنائي نموذجًا فريدًا في كيفية استدراج الضحية لموقف مضحك دون جرح مشاعرها أو خدش حيائها، فكانت الضحية تخرج من المقلب وهي تضحك من قلبها قبل المشاهد، وكان الجمهور يتعلم درسًا في السماحة وخفة الظل المصرية الأصيلة التي لا تعرف التجريح.
إن الفرق بين الماضي والحاضر ليس مجرد فرق في التقنيات أو جودة التصوير أو ضخامة الميزانيات، بل هو فرق جوهري في الأخلاق والمنطلقات الفنية والهدف الأسمى للعمل الإعلامي. ففي الماضي كان الهم الشاغل هو إبراز معدن الإنسان المصري البسيط وتلقائيته وعفويته في مواجهة المواقف الغريبة والمستفزة بذكاء، وكان الفنان يحرص على أن يظل قريبًا من الناس لا مترفعًا عليهم أو ساديًا في التعامل معهم.
أما اليوم فقد أصبح الهدف الأوحد هو تصدر التريند وتحقيق نسب المشاهدة المليونية عبر الصراخ والشتائم والمؤثرات التي تثير الرعب في النفوس وتلعب على الغرائز البدائية للخوف.
إن ما يقوم به رامز جلال في برامجه السنوية لا يمت بصلة لفن الكاميرا الخفية، بل هو استعراض للقوة وتلذذ غير مبرر بإخافة الآخرين، معتمدًا على سيناريوهات مشكوك في عفويتها تجعل الفنان المصري يظهر في صورة الضعيف المذعور الذي يفقد سيطرته على أعصابه ولسانه أمام ملايين المتابعين في كافة أنحاء العالم، وهذا التوجه الخطير يساهم بشكل مباشر في هدم القوى الناعمة المصرية التي بنيت بجهد مخلص على مدار عقود طويلة، فالنجم الذي يقبل أن يسب ويُسب ويُهان جسديًا على الشاشة مقابل مبلغ مالي يفقد جزءًا كبيرًا من وقاره وهيبته، التي هي في الأساس جزء من رصيد الدولة الفني والثقافي أمام الشعوب الأخرى.
إن ما يحدث اليوم هو عملية تجريف للذوق العام واعتداء صارخ على الوعي الجمعي، حيث يتم تطبيع المجتمع مع فكرة أن المال يبرر كل شيء، بما في ذلك قبول الإهانة العلنية والتنمر على ملامح الضيوف أو ملابسهم أو تاريخهم الشخصي، وهو ما نراه في المقدمات التي يلقيها رامز جلال والتي تعج بالسخرية اللاذعة التي تتخطى حدود اللباقة والكياسة.
لقد أصبح الفنان ضحية لمقصلة الإنتاج الذي يبحث عن الربح السريع ولو على حساب القيم الإنسانية والكرامة المهنية، ومن هنا نجد أن الفجوة تتسع بين جيل العمالقة الذين احترموا فنهم وجمهورهم، وبين جيل يرى في الانكسار والانهيار النفسي أمام الكاميرا مادة دسمة للتسلية والضحك المفتعل، الذي يترك في النفس غصة ومرارة بدلًا من الفرح والبهجة الحقيقية التي كنا نشعر بها ونحن نتابع خفة ظل إبراهيم نصر وعبقرية يوسف معاطي في رسم الشخصيات والمفارقات الكوميدية الراقية.
لقد حان الوقت، وبشكل عاجل، لوضع ضوابط صارمة وحاسمة من قبل نقابة المهن التمثيلية وسائر النقابات المهنية والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهات الإعلامية الرقابية المنوط بها الحفاظ على صورة الفنان المصري وكرامة المهنة السامية، إذ لا يعقل أن تترك الساحة لمثل هذه التجاوزات التي تسيء للفن وأهله بحجة حرية التعبير أو طبيعة البرامج الترفيهية الموسمية. إن الحفاظ على الشكل والصورة الذهنية للفنان ليس ترفًا أو أمرًا ثانويًا، بل هو ضرورة وطنية وأخلاقية لحماية الأجيال الجديدة من اعتياد رؤية الإهانة كمادة للضحك أو قبول المال كتعويض عن الكرامة المهدورة "بدل إهانة"، ويجب أن يكون هناك ميثاق شرف إعلامي يمنع التداول التجاري بالكرامة الإنسانية ويعيد للكاميرا الخفية بريقها الضائع الذي أسسه كبار المبدعين أمثال يوسف معاطي وإبراهيم نصر، الذين علمونا أن الضحك الحقيقي ينبع من القلب النظيف والفكر المستنير والروح المبدعة، وليس من السخرية من آلام الآخرين أو إذلالهم تحت بريق الملايين الزائفة.
إننا بحاجة ماسة لاستعادة هويتنا الفنية التي تحترم المشاهد وتقدر الفنان وتنبذ كل ما هو هابط ومبتذل، لنعيد للفن المصري هيبته ومكانته الدولية التي يستحقها بعيدًا عن صخب المقالب المفتعلة ومهانة الدرهم والدينار التي شوهت ملامح الإبداع في زمن عز فيه الضحك الصادق والكلمة الطيبة.