رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تدخل الدراما الاجتماعية في موسم رمضان الحالي مرحلة جديدة من المكاشفة والمواجهة مع مسلسل "كان يا ما كان"، الذي يكسر الصورة النمطية المعتادة في صراعات حياتنا الأسرية وأمراضها ومحاكم الأسرة، ليفتح الباب أمام زاوية مسكوت عنها، وهي معاناة الأب المظلوم الذي يتحمل فوق طاقته صمتاً وحباً، في ظل تدخلات بعض أفراد الأسرة التي لا تحكمها الحكمة بقدر ما تحركها أمراض نفسية كامنة، وجشع مادي، وضعف في الشخصية، وانسياق أعمى خلف أصوات تؤجج الصراع وتغذي الكراهية، لتتحول الخلافات الزوجية من أزمة بين طرفين إلى معركة تقودها أطراف خفية تزيد المشهد تعقيداً وتدفع الجميع نحو هاوية الفقد والانكسار.

يقدم غول التمثيل ماجد الكدواني معالجة فنية فائقة العمق لقضية شائكة ومنتشرة في الواقع المصري، حيث يجسد دور الدكتور مصطفى، الزوج المخدوع الذي لم يتخيل يوماً أن شريكة حياته، التي تجسدها يسرا اللوزي، قد تتحول إلى خصم لدود يمارس ضده نوعاً من الغدر القانوني وسلسلة من ممارسات التلاعب المحسوبة بدقة للحصول على مكاسب مادية، ولو كان الثمن استقرار الأسرة والبيت والأبناء.

بدأت المأساة بطلب مفاجئ للطلاق، رغم الحب الكبير، لتتصاعد الأحداث مع صدمة القائمة، حيث يسلط المسلسل الضوء على ثغرة قانونية وأخلاقية مرعبة تتمثل في استلام المنقولات ودياً ثم إنكار ذلك أمام القضاء للمطالبة بها مرة أخرى، في مشهد يكشف استخدام القانون كأداة ضغط لا كميزان عدالة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى توظيف النفقة والمسكن وحقوق الولاية التعليمية كورقة تفاوض ومساومة، وإحكام السيطرة على مفاتيح التواصل بين الأب وأبنائه، بما يحول الحقوق المشروعة إلى أدوات ابتزاز عاطفي ومادي. هكذا يجد بطل العمل نفسه في حالة قهر وجودي بين مشاعره كزوج محب ورغبته في الدفاع عن كرامته المهدورة، وبين خوفه من أن يتحول الصراع إلى ساحة يدفع الأبناء فيها فاتورة حسابات لا تخصهم.

تتعمق أحداث المسلسل في تشريح العلاقة السامة بين الزوجة ووالدتها المستغلة، التي تظهر كمحرك أساسي لكل خيوط المؤامرة القانونية. تعيش الزوجة حالة من الكبت والصراع الداخلي نتيجة وقوعها تحت تأثير فكر والدتها، التي تدفعها نحو التنكيل بزوجها واللجوء للقضاء للمطالبة بالنفقة والمسكن والقائمة رغم حصولها عليها ودياً. ولم يكتفِ المسلسل بالخط الرئيسي، بل طرح عدداً من القضايا الزوجية الجانبية؛ فرأينا في الجانب الآخر قصة "الدكتورة مي"، التي عانت من انفصال قسري ومشكلات مريرة في حياتها، لتتقاطع خيوطها مع الدكتور مصطفى، وترى فيه، بمرآة وجعها، الأب المثالي والزوج الذي تتمناه أي امرأة، وهو ما يعزز في ذهنية المشاهد قيمة المعدن الأصيل للبطل الذي يضيع وسط زحام الأمراض النفسية والمصالح المادية.

تتصاعد الأحداث تدريجياً لتبلغ ذروة الوجع في مقتل "الأبوة"، حين يتحول سلاح الولاية التعليمية وحق الرؤية إلى أداة قاسية لإقصاء الأب من حياة ابنته. تبدأ المأساة برفض الطفلة الرد على اتصالات والدها بعد اختيارها العيش مع أمها، ثم يتفاقم الأمر إلى حد إعلانها صراحة عدم رغبتها في رؤيته. مدفوعاً بقلقه وحنينه، يذهب الأب إلى المدرسة أملاً في لقاء عابر يعيد خيط التواصل، ليكتشف صدمة جديدة: أن الأم استخدمت حقها في الولاية التعليمية لقطع آخر المسارات الميدانية بينه وبين ابنته، مستبدلة طقوسه اليومية في توصيلها بالاشتراك لها في "حافلة المدرسة".

في تلك اللحظة يجد الدكتور مصطفى نفسه غريباً أمام طفلته، التي اتخذت منه موقفاً عدائياً صلباً متأثرة برواية طرف واحد، فيتحول "حق الرؤية" إلى ساعات جافة بلا روح، بل التحايل لمنع الأب من رؤية ابنته. ورغم ذلك، يصر هو على التحامل على نفسه وحجب الحقيقة عنها حمايةً لصورة والدتها في نظرها، غير مدرك أن هذا الصمت النبيل سينقلب عليه، وأن رفضها الاستماع إليه، بل ورفض رؤيته، سيكون الطعنة الأكثر قسوة، والوجع القاتل الذي يصيبه في صميم أبُوَّته.

وبالقراءة النقدية لهذا العمل نجد أن المسلسل يمثل نقطة تحول في الدراما العربية من حيث إنصاف الأب وإظهاره كضحية لثغرات القانون وسوء استخدام الحقوق الشرعية. البناء الدرامي يعتمد على السيكودراما، حيث لا تكمن الصراعات في المعارك الجسدية، بل في نظرات العين المكسورة لماجد الكدواني أمام جحود الابنة وقسوة شريكة العمر السابقة. المخرج نجح في تصوير الاغتراب المنزلي؛ فالبطل لم يفقد فقط زوجته وماله، بل فقد دوره الأبوي الذي كان يمارسه يومياً في مشوار المدرسة البسيط، الذي تحول إلى رمزية لانتزاع الأب من حياة أبنائه بالتدريج.

المسلسل يعد صرخة نقدية ضد التعنت الأنثوي في حالات الطلاق الكيدية، وضد استغلال الأطفال كأدوات ضغط في النزاعات الزوجية. تميز السيناريو بذكاء شديد في جعل المشاهد يشعر بالاختناق مع البطل وهو يرى حقوقه تُسلب منه بالقانون، بينما يمنعه ضميره من الدفاع عن نفسه بتمزيق صورة الأم أمام ابنتها. أداء يسرا اللوزي جاء ببرود انفعالي مدروس يعكس شخصية تحسب خطواتها القانونية بدقة وتسير خلف ما خططت له أمها مسلوبة الإرادة، مما خلق تضاداً رائعاً مع فيض المشاعر العفوية والارتباك الذي يقدمه الكدواني. إن محاولة الدكتور مصطفى التلاعب معهم في بعض المواقف دفاعاً عن نفسه أدت إلى نتائج عكسية عمقت الهوة مع ابنته، مما يثبت أن الحقيقة هي الطريق الوحيد للنجاة رغم مرارتها.

على مستوى الصورة والبناء البصري، يبدأ المسلسل بفرض سطوته الجمالية من تتر البداية، الذي جاء كلوحة تشكيلية تنبض بالرومانسية الحالمة، حيث تتناغم كادرات الصورة مع صوت الفنان القدير مدحت صالح وهو يشدو برائعة بليغ حمدي ووردة "كان يا مكان". هذا الاختيار الغنائي لم يكن مجرد استعادة للماضي، بل هو إسقاط درامي ذكي يضع المشاهد في حالة من الشجن قبل البدء في معترك القضايا الجافة.

كما تعتمد الصورة البصرية على توظيف لقطات الدرون وهي تحلّق في الفضاء، كاشفة من علٍ امتداد العمارات وتشابك المدينة في مشهد يبدو ساكناً ومطمئناً من الخارج، بينما يحمل في عمقه إسقاطاً دلالياً واضحاً؛ فهذه الكتل الخرسانية المتراصة ليست مجرد مبانٍ صامتة، بل عوالم مغلقة تخفي وراء جدرانها حكايات معقدة وأسراراً وخفايا لا يعلمها أحد. ومن خلال هذا التحليق العلوي، يضع العمل المشاهد في موقع الرائي من بعيد، ليؤكد أن ما يبدو عادياً في ظاهر المدينة قد يخفي داخله صراعات مكتومة ووجعاً إنسانياً لا تراه العيون.

الموسيقى التصويرية داخل الحلقات جاءت هادئة وانسيابية، تبتعد عن الصخب لتعزز من الحالة النفسية للشخصيات، مما جعل العمل يدخل في مناطق إنسانية صعبة تلمس وجدان المشاهد دون افتعال.

وفي هذا السياق، تبرز الرؤية الإخراجية للمخرج كريم العدل، الذي قدم مباراة بصرية مذهلة، حيث كانت حركة الكاميرا رائعة وهي تتنقل بسلاسة وانسيابية بين الوجوه والتعابير، ملتقطة أدق الانفعالات النفسية دون تكلف. نجح كريم العدل في جعل الكاميرا شريكاً في الحوار؛ تارة تقترب من وجه ماجد الكدواني لتنقل انكسار عينيه، وتارة تبتعد لترصد برود ملامح يسرا اللوزي، مما خلق إيقاعاً بصرياً يخدم تصاعد الأزمة النفسية للعمل ويضع المشاهد في قلب الصراع الإنساني المرير.

وفي الختام، يبدو أن مسلسل "كان يا مكان" قد نجح في تحريك المياه الراكدة ووضع الإصبع على جرح غائر في جسد المجتمع، ومن المتوقع أن يفتح هذا العمل الباب واسعاً أمام حراك جماهيري ورسمي لإعادة النظر في بعض ثغرات قانون الأحوال الشخصية، خاصة فيما يتعلق بتنظيم الولاية التعليمية وضمان حق رؤية إنساني لا يحطم نفسية الآباء والأبناء. الدراما هنا لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت مرآة كاشفة تستوجب التدخل التشريعي لضمان العدالة وتوازن الحقوق بين طرفي العلاقة الزوجية، وحماية الصحة النفسية للأجيال القادمة من دفع فواتير صراعات الكبار.

لتأتي النهاية لتضع المشاهد أمام مشهدية سينمائية تختزل كل الوجع الذي طرحه العمل، حيث تتجلى ذروة الدراما في وقوف الابنة، التي أصبحت الآن في الخامسة عشرة من عمرها، داخل أروقة المحكمة لتواجه السؤال الأصعب في حياتها: مع من تختار العيش؟ في هذا المشهد، لم تكن الابنة تختار بين أب وأم فحسب، بل كانت تختار بين "الحقيقة" التي أخفاها الأب طويلاً صوناً لكرامة الأسرة وبين "الزيف" الذي غلفته الأم بوعودها المادية وتلاعبها القانوني. ومع تجمد اللحظة عند قرارها، أسدل الستار بظهور رسالة قوية للدعم الأسري متمثلة في مبادرة "مودة"، لتكون هي كلمة الفصل التي تتدخل بها الدولة في اللحظة الحاسمة؛ مؤكدة أن الحل ليس دائماً في ساحات المحاكم، بل في استعادة الرحمة والمودة قبل فوات الأوان، ليعلن المسلسل بذلك أن دور الفن ليس فقط رصد الأزمات، بل توجيه البوصلة نحو الأمان الأسري الذي ترعاه الدولة كحائط صد ضد التفكك والضياع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء