رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أحمد الشوادفي: الصوم يُهذّب لغتي الأدبية.. وأنا شيف محترف في مطبخي|حوار

الناقد والشاعر الدكتور
الناقد والشاعر الدكتور أحمد الشوادفي

أحمد الشوادفي لـ"إيجبتك": 

رمضان ليس مجرد شهر في التقويم بل حالة روحية كاملة

القرآن هو البوصلة الحقيقية لسفينة البشر في محيط الحياة

سورة الرحمن تمنحني سكينة وتعيد ترتيب علاقتي بالعالم

في رمضان تصبح الكتابة أكثر صفاءً وأقل ضجيجًا

حسي الأدبي يظل حاضرًا كعدسة أرى بها التفاصيل

في رحاب شهر رمضان، حيث تتعانق الروحانية مع التأمل الإبداعي، يطل علينا الشاعر والناقد الدكتور أحمد الشوادفي، أستاذ الأدب والنقد والأدب الأندلسي، وأحد الأصوات الثقافية البارزة التي جمعت بين عمق البحث الأكاديمي وجمال الحس الشعري، فقد أسهم عبر مسيرته العلمية والإبداعية في إثراء المشهد الأدبي العربي، من خلال دراساته النقدية وقصائده التي تنهل من التراث العربي وتستحضر قيم الجمال والمعرفة.

إنه لقاء يمزج بين الفكر والروح، ويكشف جانبًا إنسانيًا وإبداعيًا من تجربة شاعر يرى في رمضان زمنًا للنقاء الداخلي وتهذيب الكلمة.

وفي هذا الحوار الخاص لـ"إيجبتك"، نلتقي بالشوادفي لنتطلع على نوافذه الرمضانية وعلاقته به، ذلك الشهر الذي لا يراه مجرد زمن في التقويم، بل حالة روحية متكاملة تعيد ترتيب الإنسان من الداخل؛ كاشفًا كيف يصبح هذا الشهر الكريم مساحة للتأمل وصفاء اللغة وعودة الإنسان إلى فطرته الأولى؛ ولمعرفة عالم الشوادفي في رمضان، تجدونه عبر سطور الحوار : 

• ماذا يمثل لك شهر رمضان؟

إن شهر رمضان بالنسبة لي ليس مجرد شهرً في التقويم، بل هو حالة روحية كاملة، ومرآة تكشف حقيقة  نفوسنا و قلوبنا، وهو استعادة التوازن بين الجسد والروح، وبين الصخب والصمت، أشعر فيه أن الإنسان يعود إلى نسخته الأولى، أنقى وأصدق.. فهذا الشهر المبارك، بما يحمله من طاقة روحية  وأنوار وفيوضات إلهية يعيد ترتيب الإنسان من الداخل قبل أن يغيّر مظهره الخارجي.

• كيف تؤثر أجواء رمضان على كتابتك؟

الكلمة في رمضان يجب أن تكون طاهرة كما الصائم، و في رمضان تصبح الكتابة أكثر صفاءً وأقل ضجيجًا، فالصوم يُهذّب اللغة كما يُهذّب النفس، فتخرج الكلمات أخفّ وأصدق. وأجد نفسي أميل فيه إلى التأمل أكثر من الانفعال، وإلى العمق أكثر من الزخرفة الفكرية والأدبية واللفظية.

• أين تفضل الصلاة في رمضان؟ ولماذا؟

أوقن أن الخشوع ليس رهين مكان، بل هو رهين حضور، فقد يصلي الإنسان بين مئات الناس، لكن العبرة أن يصلي الإنسان بقلبٍ حاضر، وتلك هي الحكمة الإلهية من الصلاة سواء في رمضان أو غير رمضان، لكنني أفضل الصلاة في المسجد  دائما  في رمضان، لأن روح الجماعة في رمضان لها طاقة روحية خاصة، تشعر فيها أن القلوب تنبض بإيقاع واحد، وتلهج الألسنة بدعاء واحد، وتتعلق النفوس جميعها برجاء واحد، وهو الفوز بالرحمات والمغفرة الإلهية، والعتق من النار، في تلك الأيام المباركة. 

• حين تعود للبيت نهارًا.. هل تخلع صفة الأديب؟ أم تبقى حاضرة على المائدة؟

الأدب هو طريقة رؤية، وأسلوب حياة، والأديب الحقيقي لا يكتب فقط،  بل هو يرى العالم – دائما - بطريقة مختلفة ، تحفزه على التأمل والتفكير، وتفجر بداخله طاقات الإبداع، و الأدب ليس معطفًا نخلعه عند العودة للمنزل، فالأديب يظل أديبًا في صمته، في طريقته في الإصغاء، وحتى في تأمله لكوب ماء عند الإفطار، ربما أكون في البيت أبًا وزوجًا قبل كل شيء، لكن الحس الأدبي يظل حاضرًا كعدسة أرى بها التفاصيل.

• من هو “بوصلة” يومك الرمضاني وقت الضغط؟

إن آية قرآنية يتدبرها الإنسان بقلب وعقل صادق، قد تختصر له طريقًا طويلاً من الحيرة.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، وعالم باتت تمور به الأهواء، وعواصف الفتن، في شتى أصعدته السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، أؤمن أن القرآن هو البوصلة الحقيقية لسفينة البشر المبحرة في محيط الحياة المتلاطم الأمواج … وحين تضيق الساعات وتتراكم المسؤوليات، أعود إلى آية أو معنى يعيدني إلى مركز الثبات؛ فمن يجعل يومه مرتبطًا بكلمة الله ، لا يضل طريقه مهما اشتدت الضغوط ، مصداقا لقوله تعالى ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ - سورة الرعد - 28 .

• هل لك بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟

إن جمال ورونق المائدة الرمضانية يتمثل في دفء من حولها، من أهل، وأحبة، وأصدقاء، لا في كثرة أطباقها، وشهر رمضان بالنسبة لي مشاركة وليس مجرد استهلاك.. و أحب أن أكون جزءًا من تفاصيل البيت لا مجرد ضيف على المائدة.
وتستطيع حضرتك أن تمنحني لقب ( شيف ممتاز)، فالغربة وكثرة السفر في البلاد المختلفة، وما تعلمته من أمي الحبيبة في الصغر، كل هذا أكسبني مهارات عالية في طهي أصناف الطعام بدرجة ممتازة تكاد تقارب (الشيف المحترف)، وبخاصة في المناسبات والولائم الرمضانية، أقوم بإعداد الطعام بنفسي، بشكل احتراف، وبخاصة المشويات والطواجن  بكل أنواعها.

• أين تكون لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكر فيه؟

الحقيقة أن كل أذان مغرب  في شهر رمضان، هو في حقيقته تذكير بأن بعد الصبر فرجًا، وبعد الحرمان دوما عطاء، و أحرص أن أكون بين أسرتي قدر الإمكان – إلا إذا اضطرتني ظروف العمل أو السفر خارج مصر - وأول ما يخطر في بالي لحظة الأذان هو معنى (الامتنان للخالق سبحانه وتعالى)، الامتنان لأن الله أمدّ في العمر يومًا آخر، لننعم بتلك الفيوضات والرحمات والخيرات الإلهية.

•ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟

شهر رمضان في الطفولة كان أبسط وأقلّ صخبًا.. لكنه كان أصدق و أعمق أثرًا وفرحا في القلب، فانوس رمضان بزجاجه الملون  وشمعته، وسحره وعبقه. 

ذكريات برنامج المسحراتي بصوت الراحل سيد مكاوي، وكلمات (أبو شعر العامية المصرية) المبدع فؤاد حداد،  كما لا يزال صوت المسحراتي في قريتنا محفورا في الذاكرة، وكان الصوت يحمل دفئًا جماعيًا نفتقده اليوم ،  ذلك الصوت كان يوقظ فينا شيئًا أبعد من النوم، كان يوقظ الإحساس بالانتماء الديني ، والأسري ، والاجتماعي ، ويوقظ في قلوبنا الصغيرة فرحة غامرة ، يفتقدها أطفالنا اليوم.

• ما السورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟

القرآن الكريم كله خير وبركة، وإذا أبحر الإنسان بين آياته الكريمة قارئا ، متدبرا ، لفتحت له أبواب وأسرار من السكينة والطمانينة القلبية، لكني أجد في سورة “الرحمن” سكينة خاصة، فتكرار قوله تعالى " فبأي آلاء ربكما تكذبان "  يجعل القلب في حالة مراجعة دائمة للنعم، ويعيد ترتيب علاقتي بالعالم المحيط .

• موقف بسيط في رمضان علّمك درسًا لا يُنسى؟

إن أخطر ما يفسد صيام المسلم  في رمضان الكلمة التي تجرح، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه))؛ رواه البخاري، فالصوم أخلاق قبل أن يكون امتناعًا عن الطعام والشراب،  تعلمت مرة أن قيمة الصوم الحقيقية ليست في الجوع أو العطش  بل في ضبط النفس وحفظ اللسان عن جميع الفواحش والآثام، وكأن هذا الشهر الكريم هو منحة إلهية أرادها الله، ليعود كل إنسان إلى فطرة نفسه الأولى النقية التي خلقه الله تعالى عليها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء