عادل حجاج: «غزة» تبتسم في رمضان رغم الجراح.. والصمت أكبر ملاذ للصراخ|حوار
عادل حجاج لـ"إيجبتك":
رمضان ليس شهرًا عابرًا والكتابة قدرٌ لا وظيفة
أنا طباخ ماهر وأصنع طعام الأسرة طوال رمضان
كل آيات القرآن تمدني من السكينة والراحة وتربت على كتف قلبي
هو شاعر قادم من قلب القطاع، عُرف بقصائده التي تمزج بين الوجدان الإنساني والهم الوطني، وتتقاطع في نصوصه صور الألم مع إصرار الحياة، وفي كلماته عن رمضان، بدا الشهر الكريم بالنسبة له فسحة رجاء، ولحظة يتجدد فيها الأمل بأن يكتب الله لغزة فجرًا لا ينقطع، وأن تتحول القصائد التي تولد من وجعها إلى أغصان زيتون تمتد نحو السماء..
في غزة، لا يأتي رمضان كضيف عابر، بل كنافذة نور تُفتح في جدار التعب... هناك، يصبح الشهر الكريم أشبه بطبيب يربّت على جراح المدينة، أو طيف سماوي يمر فوق البيوت المتعبة ليعلّق على جدرانها قناديل صغيرة من الأمل؛ وسط هذا المشهد الممزوج بالألم والرجاء، يحاول أهل غزة أن يصوموا لا عن الطعام فقط، بل عن الانكسار واليأس، إيمانًا بأن مدينتهم تستحق حلمًا يليق بصمودها.
بهذه الروح المشبعة بوجع المكان وضياء الإيمان، تحدث الشاعر الفلسطيني عادل إبراهيم حجاج عن رمضان في غزة، وطقوسه الخاصة في هذا الشهر وذكرياته، كل ذلك في حواره مع “إيجبتك”، في السطور التالية:
كيف تؤثر أجواء رمضان على كتابتك؟
رمضان ليس شهرًا عابرا.. فحين أكتب أشعر أنني أرتل الكلمات وأغسل بها شرفات الخوف وأعلقها على حافة دعاء يلبس فيه الأمل ثوباً من نور؛ أحاول أن أُرمم من خلال قصائدي ماتهدم مني وألملم أشلائي
الممزقة.
أين تفضل الصلاة في رمضان؟ ولماذا؟ وماذا عن الأجواء الرمضانية في غزة قبل الأحداث ؟
أفضل الصلاة في مسجدنا القريب، تحت ماتبقى من مأذنته، التي مازالت بقاياها تشير إلى السماء، متكىء على الدعاء أواصل صلواتي.
أما قبل الحرب فكان رمضان يمتلىء بضحكات النوافذ المزينة بألوان الفوانيس الجميلة، كانت قلوبنا أخف وطئاً على الأرض، كانت رائحة الخبز الساخن تملأ انوفنا حين تتسلل إلى الشوارع، وكان السهر على شاطىء البحر ينادينا، لنودع زرقته في آخر الليل، نصلي الآن كي نستعيد تلك الأجواء كمن يستعيد صورة بيته الذي مازال قابعاً في الذاكرة.
حين تعود للبيت نهارًا.. هل تخلع صفة الأديب؟ أم تبقى حاضرة على المائدة؟
مَن هذا الذي يخلع عباءته حين هبوب؟!
الكتابة قدر وليست وظيفة، على المائدة أمارس صمتا، فالصمت عندي أكبر ملاذ للصراخ، ولكن قلبي، لا يتوقف عن الإصغاء لشكوى، تلك المقاعد التي غاب أصحابها؛ فأتجول في دعاء يهمس للجرحى والمبتورة أطرافهم بأن يخفف عنهم آلامهم، وأخيرا أقتسم حين الآذان مع العائلة خبز المحبة، وآكل بصمت.
من هو “بوصلة” يومك الرمضاني وقت الضغط؟
حين تضيق الأرض تفتح لي أبواب السماء، فاتماسك وأرفع كفي بالدعاء في لحظات الانكسار، هي مدينتي غزة دائما، مَن تحدد اتجاه بوصلتي التائهة.
هل لك بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟
طبعا.. أنا طباخ ماهر وأصنع طعام الأسرة طوال رمضان، حيث أن المطبخ بالنسبة لي ليس مكانًا للطهي فقط بل مكانا، للنجاة أحتمي فيه من قسوة الأخبار طوال اليوم، وعندما أشعل موقد الطعام كأنني اشعل شمعة أمل في عتمة النهار.
أين تكون لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكر فيه؟
اجلس على المائدة قريباً من بعض الدعاء بانتظار الآذان، وعند الآذان أول مايخطر ببالي أن يحفظ مدينتنا أو ماتبقى منها، وأن يكتب لنا فجرا بلا مزيد من الفقد؛ ثم أتناول تمرة من المجهول وأرتشف بعض الماء وكأن جسدي يرتشف حياة جديدة بعد كل آذان.
ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟
كنا ننتظر آذان المغرب عند المسجد، وبعد سماع أول الآذان نركض إلى البيت فرحين مهللين بالافطار، كانت السماء أوسع والأرض أرحب والفرح أقرب، وذكريات أتنفس منها حيت تضيق بي الأيام؛ كنا بالأمس أجمل.
ما السورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟
لايوجد شيء محدد، لكن كل آيات القرآن تمدني بشيء من السكينة والراحة وتربت على كتف قلبي ريثما يسكن به الصبر والسلام .
موقف بسيط في رمضان علّمك درسًا لا يُنسى؟
كانت سفرتنا قليلة الطعام، حين اشتد الحصار فكان الطعام لايكفي فاقتسمناه بفرح وابتسامة، فتعلمت أن البركة بالرضا والقليل وليس بالكثرة والتنوع، أخيراً وليس بآخر، المدينة التي تبتسم في رمضان رغم جراحها مدينة لاتُهزم.

