رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

علي حسن: مكتبي في رمضان صومعة التأمل والتعبد.. وبصمتي في المطبخ طواجن|حوار

الروائي المهندس علي
الروائي المهندس علي حسن

علي حسن لـ"إيجبتك": 

أجواء رمضان تلهم القراءة والكتابة الروحية والأدبية

صوت الشيخ محمد رفعت وسورة الكهف يمنحاني السكينة والطمأنينة

القرآن الكريم ملاذ دائم في لحظات الضغط والغضب الرمضاني

أذان المغرب لحظة الدعاء لوالدي في البلكونة

رمضان كشف حساب يجريه الإنسان مع روحه وحياته

أقرأ كتب التراث لأنها تمنحني طاقة روحانية

عين الأديب هي الرفيق لصاحبها

شهر رمضان، بكل أبعاده الروحية والإنسانية، يظل فرصة للتأمل واستعادة التوازن الداخلي، لكن لدى بعض الكتاب يتحول هذا الشهر إلى مصدر إلهام فريد يمزج بين الروحانية والواقع؛ ومن بين هؤلاء والكاتب والروائي الكبير علي حسن، عضو نقابة اتحاد كتاب مصر ونادي القصة، الذي يجمع بين تجربة أدبية غنية وخبرة مهنية.

علي حسن، الذي اشتهر برواياته التاريخية ورحلاته الروائية، مثل "أنا مي زيادة" و"كاتانجا" التي توثق نضال الشعب الأفريقي، يمتلك قدرة خاصة على مزج الأحداث الواقعية بسرد أدبي عميق، متأثراً بجغرافيا الإنسان والبيئة المحيطة به، ومجموعاته القصصية مثل "قطعة صغيرة من الشيكولاتة" و"الخريف يلملم أوراقه"، ومؤلفه الفكري "التطرف مهنة الإنسان الأولى"، تؤكد تنوع اهتماماته وقدرته على رصد الإنسان في أبعاد مختلفة،  وهو الذي أشاد الكاتب محمد جبريل، معتبرًا تجربة علي حسن من صناع الرواية العربية الحديثة.

في حوار خاص مع "إيجبتك"، نستضيف الروائي والمهندس الجيولوجي علي حسن، الذي يشاركنا جانبًا من حياته الروحية والأدبية خلال شهر رمضان، وعشقه للقراءة والكتابة، وقدرته على مزج حياته العملية كمهندس جيولوجي مع شغفه الأدبي والفني، ليجعل من طقوس رمضان تجربة روحانية تتجلى في عبادته وقراءاته وكتاباته اليومية؛ كل ذلك الأسرار والتفاصيل الرمضانية وغيرها، نكتشفها من خلال نص الحوار الآتي: 
 

ماذا يمثل لك شهر رمضان الكريم ؟

- يمثل شهر رمضان بالنسبة لي، كما هو الحال لدى كل إنسان مسلم، فرصة سنوية لإعادة النظر في الذات ومراجعة النفس، إنه أشبه بـ"كشف حساب" يجريه الإنسان مع روحه ومع حياته، ليعيد ترتيب أولوياته ويستعيد توازنه الداخلي.

رمضان بالنسبة لي هو قبل كل شيء عملية صيانة كاملة للروح، ثم للجسد، حيث يزداد فيه التقرب إلى الله عز وجل، وتتجدد فيه صلاتنا بالأهل والأصدقاء، فمشاغل الحياة اليومية كثيرًا ما تُبعدنا عن أشياء مهمة، بل قد تُبعدنا أحيانًا عن أنفسنا.
وأرى أن رمضان يمثل لحظة لإعادة الصياغة وبعث الإنسان من جديد من داخل ذاته، كأننا نعيد للروح بريقها ولمعانها من جديد، وبعد انتهاء الشهر الكريم يكون الإنسان قد رمم ما أصابه من تعب أو خلل خلال العام، واستعاد شيئًا من صفائه الداخلي، و أعتقد أن رمضان يظل بالنسبة لكثير من المسلمين شهرًا مميزًا، تتجلى فيه أجمل معاني الروحانية والتقرب إلى الله.

 كيف تؤثر أجواء رمضان على كتاباتك؟

- الحقيقة أن أجواء رمضان تؤثر على طقوسي في القراءة والكتابة بشكل واضح، وبحكم أنني كنت مدخنًا وأحب القهوة، كانت الفترة التي تسبق الإفطار تبدو صعبة بعض الشيء، لكنني بدأت منذ عامين التخلص من هذه العادات، وهذه هي السنة الثالثة على التوالي التي أحاول فيها تقليل تأثير النيكوتين والكافيين في حياتي؛ فقد خففت التدخين كثيرًا، كما خففت القهوة إلى حد كبير، وربما أكتفي بفنجانين فقط بعد الإفطار.

ومنذ العام الماضي حاولت أن أنظم وقتي في رمضان بشكل مختلف؛ فالفترة التي تسبق الإفطار أخصصها للقراءة، بينما أترك ما بعد الإفطار للكتابة، خاصة حيث كان لدي مشروع أعمل عليه، سواء كان مقالًا أو نصًا أدبيًا أو رواية.

وفي نهار رمضان أحرص غالبًا على قراءة كتب التراث، لأنها تفيدني كثيرًا في اللغة، مثل كتاب “البخلاء” للجاحظ، وكتابات النفّري، وبعض نصوص التصوف مثل أعمال ابن عربي، فهذه الكتب تمنحني طاقة روحانية جميلة تناسب أجواء الشهر الكريم، كما أحرص أيضًا على قراءة روايات جديدة لأصدقاء أو لكتّاب معاصرين.

وبالنسبة لي، أعود كل عام لقراءة بعض كتابات طه حسين الإسلامية، لأنها تمثل بالنسبة لي تجربة ممتعة ومهمة للغاية، مثل "الشيخان" و"على هامش السيرة" و"مرآة الإسلام"، وبعد الإفطار فتكون الكتابة أكثر متعة وهدوءًا، دون شعور بالضغط أو التقيّد بعادات مثل التدخين أو القهوة، وقبل الإفطار أخصص أيضًا نحو نصف ساعة أو أكثر لقراءة القرآن، فأحاول أن أقرأ جزءًا يوميًا، على أمل أن ييسر الله لي ختمه مع نهاية رمضان، وهو أمر أشعر معه بفرحة كبيرة.

 أين تفضل الصلاة في رمضان؟ ولماذا؟

- في العشرين يومًا الأولى من شهر رمضان أفضل الصلاة في البيت، فمكتبي بالنسبة لي يُعد أجمل مكان أقضي فيه يومي عمومًا، وأحاول دائمًا أن أجعله أشبه بصومعة أو مكان للتعبد، خاصة أنه هادئ وأكون فيه بمفردي داخل البيت، وأضع فيه بعض الأشياء التي تُشعرني بأجواء رمضان.. مثل ارتداء الجلابية والطاقية، وتكون سبحتي معي، ثم أصلي الفروض في المكان نفسه الذي أقرأ وأجلس فيه، هذا يمنحني إحساسًا جميلًا بالسكينة، ويجعل الصلاة تجربة ممتعة بالنسبة لي.

الروائي علي حسن في مكتبته
الروائي علي حسن في مكتبته

لكن في العشر الأواخر من رمضان يتغير الأمر قليلًا؛ إذ أفضل صلاة التراويح في المسجد، خاصة إذا كنت في بلدي أو بين الأسرة والعائلة الكبيرة في كفر الزيات، هناك تكون الصلاة سهلة وجميلة وممتعة، وبعد الانتهاء من التراويح يكون اللقاء مع المعارف والأصدقاء، والمشي في الشوارع بهدوء، وهو أمر أشعر معه بمتعة كبيرة؛ لذلك أفضل أن يكون للبيت نصيب من الصلاة في رمضان، لأنه يمنحني قدرًا أكبر من الراحة والهدوء.

حين تعود إلى البيت نهارًا، هل تخلع صفة الأديب أم تبقى حاضرة حتى على المائدة؟

- لا يمكن للأديب أن يخلع صفته تمامًا، فهذه النظرة تظل ملازمة له في كل الأوقات، حتى في البرامج التي نشاهدها في رمضان أو في غيره، أو في المسلسلات التي تُعرض وقت الإفطار، تبقى عين الأديب حاضرة، و أحيانًا يحب أولادي أن نفطر بينما يكون هناك مسلسل يُعرض على التلفاز، فأجد نفسي أشاهد هذه الأعمال بعين الأديب، وإذا كان المسلسل ليس على المستوى المطلوب، أو يتضمن قدرًا مبالغًا فيه من العنف أو الدراما المفتعلة، خاصة أن بعض الأعمال هذا العام تبدو وكأنها تحاول استبكاء المشاهد عبر مشاهد القتل أو الموت أو الدفن أو الجنازات والعزاء، فإن ذلك يظهر بشكل فج لأي مشاهد، فكيف إذا كان ينظر إليه بعين الأديب.

وأنا في الحقيقة لا أستطيع أن أنظر إلى أي شيء إلا بهذه العين؛ حتى وأنا أسير في الشارع، أو أصلي في المسجد، أو أكون في أي مكان، فهذه النظرة لا يمكن التخلي عنها،  لكنها ليست بالضرورة نظرة نقد دائم أو انتقاد لكل ما أراه، بل هي أقرب إلى عين فاحصة تلتقط التفاصيل، والذاكرة في هذه الحالة تكون نشطة دائمًا، فتحتفظ بالنماذج والمواقف التي أراها في الحياة اليومية، وهو ما يفيدني كثيرًا لاحقًا في الكتابة الأدبية أو حتى في المقالات؛ إنها طريقة من طرق التعايش مع الحياة، لأن عين الأديب لا يمكن أن تغيب أو أن يتخلى عنها صاحبها.

 ما الصورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟

- الحقيقة أنني أحب الاستماع إلى الشيخ محمد رفعت، رحمه الله، وصوته في تلاوة سور مثل الكهف والنور يكون بالنسبة لي مدهشًا ومؤثرًا للغاية، وغالبًا ما أحرص على الاستماع إليه قبل الإفطار، كما أحب أيضًا أن أستمع إلى قرآن المغرب عبر إذاعة القرآن الكريم.

أما بعد الإفطار، وخاصة في العشر الأواخر من رمضان، فأنا من عشاق صوت الشيخ محمد جبريل؛ فهو بالنسبة لي صوت مصري جميل وله مذاق خاص يتناسب مع أجواء الشهر الكريم، وأحب أن أستمع منه إلى دعاء ليلة القدر، وأحرص تقريبًا كل عام في العشر الأواخر من رمضان، بعد أذان العشاء وصلاة التراويح، على أن أستمع إلى هذا الدعاء بصوته، وهو أمر يمنحني إحساسًا جميلًا للغاية.

كما أنني أحرص على أن يسمع أولادي أيضًا تلاوات الشيخ محمد جبريل، حتى يشعروا بأجواء رمضان، مع إضاءة خافتة وهدوء يضفي على المكان روحانية خاصة، في مثل هذه اللحظات أشعر فعلًا بسكينة عميقة.

هل لك بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟

- علاقتي بالمطبخ في رمضان.. أستطيع ان أقول أنني من عشاق المطبخ؛ لكنني في الحقيقة لا أحب الطبخ بمعناه التقليدي، بقدر ما أحب إعداد الطواجن وبعض الأكلات البسيطة، أحب أن أعد الطواجن، مثل طاجن اللحم بالبطاطس أو التورلي، وكذلك أكلات مثل البوفتيك، وأشعر أنني أجيد إعدادها بشكل قد يفوق ما تقدمه بعض ربات البيوت أحيانًا.

وفي رمضان تحديدًا، من الأشياء التي أحب أن أعدها بنفسي السلطة، فهي بالنسبة لي جزء أساسي من مائدة الإفطار،  ورغم أنني هذا العام لم أبدأ بعد في دخول المطبخ، ربما لأن الإحساس بالجوع ليس كبيرًا، والحمد لله الأمور تسير بسهولة، فنهار رمضان قصير ولا نشعر كثيرًا بالجوع أو العطش.

كذلك أحب إعداد القهوة العربية في رمضان؛ فأقوم بتجهيزها ووضعها في الترمس لتكون جاهزة وقت الإفطار،  وإذا لاحظت، لم تعد هناك تلك اللهفة الكبيرة على المشروبات الرمضانية التقليدية مثل العرقسوس أو الدوم أو الخروب، لكنها تظل موجودة بالطبع، وغالبًا ما تُشرب بعد الإفطار.

 عندما يصل يومك الرمضاني إلى لحظة ضغط أو غضب، كيف تتعامل مع ذلك؟

- لا يمكن أبدًا إنكار دور القرآن الكريم في حياة المسلم عمومًا، وفي شهر رمضان على وجه الخصوص، فبالنسبة لأي مسلم، يظل القرآن هو الأيقونة العظيمة الحاضرة في كل لحظة من لحظات هذا الشهر الكريم، وعندما أشعر بالغضب أو التوتر، أعود إلى القرآن الكريم، فأقرأ آية أو آيتين، أو سورة، وربما جزءًا كاملًا، فأشعر بعدها مباشرة بالهدوء والسكينة من جديد، وكثير من الناس يعتقدون أن رمضان قد يكون سببًا في العصبية أو التوتر، لكن في الحقيقة هذا يحدث أحيانًا لأن البعض لا يستوعب المعنى الحقيقي لرمضان. فبالنسبة لي، رمضان قبل أن يكون امتناعًا عن الطعام والشراب، هو عملية تقييد كاملة لكل الحواس.

فالصيام ليس صيام الطعام والشراب فقط، بل هو صيام الجوارح أيضًا؛ صيام اللسان، وصيام العين، وصيام كل ما يمكن أن يصدر عن الإنسان من تصرفات، والإنسان في رمضان يحاول أن يضع نوعًا من الرقابة على كل حواسه، ويحاسب نفسه على كل فعل أو كلمة؛ وربما يكون هذا الشعور بالرقابة الذاتية هو ما يجعل البعض يشعر بأنه مقيد في كل شيء، وليس فقط في الطعام والشراب، وفي الحقيقة، مع اعتدال الطقس وقصر نهار رمضان، لا نشعر كثيرًا بالجوع أو العطش،  كما أن البقاء في هدوء أو الابتعاد عن أسباب الاحتكاك والضغط يساعد الإنسان على أن يعيش الصيام بهدوء دون أن يشعر بأن الصيام يضغط عليه أو يؤثر فيه بشكل سلبي.

أين تكون لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكر فيه؟

- غالبًا أحب أن أكون لحظة أذان المغرب في البلكونة، فأنا أحب مشاهدة الغروب في هذا الوقت، وخلال هذه اللحظات أردد بعض الآيات التي فيها طلب للمغفرة، وأكون مشغولًا بالتسبيح والاستغفار والدعاء، وربما لا يكون من الضروري أن أقول ذلك، لكنني في هذه اللحظة أحب أن أدعو لوالدي، رحمه الله، كما أدعو لنفسي بالستر والصحة والرضا، هذه من أكثر الأشياء التي أحب أن أفعلها قبل الإفطار وقبل أذان المغرب، وبعد الأذان أكسر صيامي، ثم أصلي المغرب، وبعدها أفطر مع أسرتي.

أما أول ما يخطر في بالي في تلك اللحظة، فهو أن السنة طويلة، وقد يكتسب الإنسان خلالها بعض الصفات السيئة أو يرتكب أشياء قد تثقل ميزان سيئاته، لذلك أطلب من الله دائمًا الستر والرحمة والمغفرة؛ فشهر رمضان فرصة عظيمة للتوبة والرجوع إلى الله، وإذا مر رمضان دون أن نطلب من الله الستر والمغفرة والتوبة عما فعلناه، فنكون قد خسرنا الكثير.

ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟

- هذا أجمل سؤال فعلًا، وكنت أتوقع أن يكون موجودًا، والحقيقة أن رمضان بالنسبة لي يرتبط كثيرًا بذكريات الطفولة، أتذكر نفسي طفلًا صغيرًا، في سن الخامسة أو السادسة، وربما أقل قليلًا أو أكثر حتى السابعة، وكانت تلك من أجمل فترات حياتي، وما زلت أحتفظ بذكرياتها حتى اليوم.

أتذكر أيضا رمضان في بلدي، في مدينتي الصغيرة كفر الزيات، وقد مرت على هذه الذكريات سنوات طويلة جدًا، حين كان يُعلن أن اليوم هو المتمم لشهر شعبان وأن الغد هو أول أيام شهر رمضان المبارك، كنت أنا وأخي الأصغر نذهب فورًا إلى عم السيد السمكري، الذي كان يصنع لنا الفوانيس الزجاجية، وكنت أشتري فانوسًا لي وآخر لأخي، ومعهما الشمع، فنضع الشمعة داخل الفانوس ونشعلها ونفرح بها كثيرًا.

كما أتذكر رجلًا كبيرًا في السن اسمه عم عمران.. كان يبدأ في بناء الفرن الخاص به من الطوب، فيرص الطوب بجوار بعضه، وبدلًا من استخدام الأسمنت كان يخلط القش بالطين ليثبت البناء، وكان يصنع فرنًا دائريًا يضع عليه صينية كبيرة، ثم يبدأ في إعداد الكنافة اليدوي بطريقة جميلة، وبجواره طاسة صغيرة يصنع فيها القطايف.

وما زلت أتذكر شكل عم عمران، وأتذكر عم السيد السمكري صاحب الفوانيس، الذي كان أيضًا يصلح بوابير الجاز، و ما زلت أتذكر تلك الأجواء كلها، والشارع كما كان بالضبط، وبيت جدتي لأمي. حتى رائحة تلك الأيام ورائحة الأجواء الرمضانية ما زلت أستحضرها في ذاكرتي حتى الآن.. لذلك؛ كلما عرفت أن رمضان سيبدأ في اليوم التالي، أول ما يخطر في بالي هو تلك الذكرى الجميلة من طفولتي، ذكرى لا يمكن أن أنساها أبدًا، رغم أن أكثر من خمسين عامًا قد مرّت عليها.

موقف بسيط في رمضان علّمك درسًا لا يُنسى؟  

- قد تكون هناك مواقف كثيرة مرت بي في رمضان، خاصة أثناء السفر، حين يدركك وقت المغرب على الطريق، فتجد الناس تحاول قدر استطاعتها أن تقدم لك الإفطار، بل وتلح عليك أن تشاركهم طعامهم، وهذه الروح الكريمة جزء أصيل من طبيعة الشعب المصري، ولن تختفي أبدًا، حتى مع غلاء المعيشة وقلة موائد الرحمن مقارنة بالماضي؛ فالخير ما زال موجودًا.

لكن إذا أردت أن أكون صادقًا مع نفسي وأستحضر موقفًا بسيطًا ترك أثرًا عميقًا في حياتي، فسأعود إلى طفولتي؛ فقد بدأت الصيام في سن مبكرة جدًا، وكانت والدتي تصر على أن أتدرب على الصيام، وعمري وقتها نحو ست أو سبع سنوات، وكنت أستطيع أن أصوم نحو عشرين يومًا من الشهر، لكن بقية الأيام كانت تكون صعبة عليّ، وأحيانًا كنت أدخل خلسة لأشرب بعض الماء دون أن تعلم، ثم أخرج وكأنني ما زلت صائمًا، وكانت تصدق أنني أكملت اليوم صائمًا، لكنني في داخلي كنت أشعر بالحزن بعد انتهاء رمضان، لأن فرحة الصائم الحقيقية أفلتت من يدي، فكنت أشعر بعتاب داخلي لأنني لم أتمكن من صيام الشهر كاملًا، حتى وأنا طفل في السابعة أو الثامنة.

وأعتقد أن هذا الموقف ترك أثرًا كبيرًا في نفسي؛ فقد أدركت أن الصيام ليس من أجل أمي أو أبي أو أي إنسان، بل هو لله عز وجل، وإذا لم يكن الصيام خالصًا وصادقًا، فلن يكون له معناه الحقيقي، ومن هنا تعلمت درس الصدق مع النفس قبل أي شيء.. فالصيام لله، والصدق مع الذات، والصدق مع من حولك، والصدق قبل كل شيء مع الله سبحانه وتعالى.

ومنذ ذلك الوقت اتخذت قرارًا واضحًا.. هو أن أصوم لله بصدق، وأن أتحلى بالشجاعة في قول الحقيقة، فالإنسان الذي يكذب يكون خائفًا، أما الذي يقول الصدق فهو الإنسان الشجاع الذي يشعر أنه لم يرتكب خطأ.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء