السيد حسن: في رمضان تتحول الإذاعة لخلية نحل.. وأجد سكينتي بسورة النجم|حوار
الأديب السيد حسن لـ"إيجبتك":
رمضان شهر العمل والاجتهاد على مختلف المستويات
أقترب في رمضان من نفسي بعمق وبحس إنساني أكثر نقاءً
صفة الأديب حالة دائمة يعيشها الإنسان
أجمل ذكريات الطفولة لمة العائلة حول مائدة الإفطار
أجد سكينتي في قراءة سورة النجم
الإخلاص والاجتهاد في العمل طريق حتمي للمكافأة الحقيقية
لم يتوقف دوره عند حدود الكتابة أو العمل الإذاعي، بل امتد إلى العمل الثقافي المؤسسي، حيث يشغل منصب نائب رئيس اتحاد كتاب مصر، مسهمًا في دعم الحركة الأدبية والدفاع عن قضايا الكتّاب والمبدعين؛ وخلال سنوات عمله في الإذاعة المصرية، أسهم في تقديم عدد من البرامج الثقافية والحوارية التي ناقشت قضايا الفكر والإبداع، واستضافت شخصيات بارزة من مختلف المجالات، ما جعله واحدًا من الأصوات الإذاعية التي ارتبطت بالثقافة والمعرفة، إنه الشاعر والإذاعي والأديب المصري الكبير السيد حسن واحدًا من الأصوات الثقافية التي جمعت بين الإبداع الأدبي والعمل الإعلامي، فقدم عبر مسيرته الطويلة نموذجًا للمثقف الذي يجمع بين الكلمة المبدعة والصوت الإذاعي المؤثر.
وفي حوار خاص لـ"إيجبتك":، يطل علينا من نافذة عالمه الشخصي والروحي خلال شهر رمضان، للحديث عن تأثير هذا الشهر الكريم في الكتابة والإبداع لديه، وعن ذكرياته في الطفولة، وطقوسه اليومية بين العمل والعبادة، في حديث صحفي يكشف جانبًا إنسانيًا دافئًا من حياة أحد رموز الثقافة المصرية؛ كل هذه التفاصيل نتعرف عليها في سطور الحوار التالية:
ماذا يمثل لك شهر رمضان؟
- يمثل شهر رمضان بالنسبة لي، كما يمثل للشعب المصري كله وللأمة الإسلامية بأسرها، شهرًا بالغ التميز، بل يمكن القول إنه شهر متفرد، أشبه بعيد ممتد على مدار ثلاثين يومًا كاملة، وليس فقط في يوم العيد الذي يعقبه، وارتباطي الطويل بالإذاعة المصرية منح هذا الشهر مذاقًا خاصًا جدًا في حياتي؛ إذ كانت الإذاعة تتحول خلاله إلى ما يشبه خلية النحل، كنا نستعد قبل حلول رمضان بوقت كافٍ، نبذل أقصى طاقاتنا ونجهز أفضل البرامج، لأن المنافسة في هذا الشهر تكون في أوجها، والجمهور ينتظر الجديد والمتميز.
ومع كل بشائر قدوم رمضان يبدأ داخلي إحساس بأنني مقبل على منافسة إذاعية كبيرة أخوضها بكل ما أملك من طاقة وخبرة، هذا الشعور يمنحني قدرًا من التوتر، لكنه توتر إيجابي محفوف بالمحبة والترحاب لهذا الشهر الكريم الذي يجمع بين السمو الإنساني والعمل المتميز في الوقت نفسه.. فأنا لست ممن يرون رمضان مساحة للراحة أو للاعتزال الكامل للعبادة فقط، بل أراه شهرًا للعمل والاجتهاد على مختلف المستويات.
كيف تؤثر أجواء رمضان على كتابتك؟
- أجواء رمضان تؤثر على الكتابة تأثيرًا واضحًا وعميقًا ليس بالضرورة أن أكتب نصوصًا دينية في هذا الشهر، لكن ما يتغير هو الحالة الذهنية والروحية، في رمضان يصبح الذهن أكثر صفاءً، وتسمو الروح بدرجة ملحوظة، وهذا يفتح بابًا واسعًا أمام الكتابة الإنسانية بكل موضوعاتها، فمهما كان موضوع النص الذي أكتبه، أشعر أنني أستطيع الاقتراب منه بعمق أكبر وبحس إنساني أكثر نقاءً، لذلك أرى أن رمضان يمنح الكاتب فرصة ليعيد ترتيب روحه وأفكاره، وأن يقدم نصوصًا أكثر صدقًا وشفافية.
أين تفضل الصلاة في رمضان؟ ولماذا؟
- أرى دائمًا أن الصلاة علاقة شديدة الخصوصية بين الإنسان وربه، وكلما كانت هذه العلاقة بعيدة عن المظهرية والاحتفال الموسمي، كانت أقرب إلى روحها الحقيقية، وأنا أميل في الغالب إلى الصلاة في زاوية هادئة من البيت، أو في مسجد قريب صغير، هذا النوع من المساجد البسيطة يمنحني شعورًا بالسكينة والتركيز، بعيدًا عن أي مظاهر قد تشتت القلب، فالصلاة بالنسبة لي لحظة صفاء خالص بين العبد وربه.
حين تعود إلى البيت نهارًا… هل تخلع صفة الأديب أم تبقى حاضرة حتى على المائدة؟
- في الحقيقة لا أخلع صفة الأديب أبدًا، لا في الليل ولا في النهار، والأدب ليس بدلة يرتديها الإنسان حين يكتب ثم يخلعها بعد ذلك، بل هو حالة دائمة يعيشها الإنسان، وتظل هذه الصفة حاضرة في كل تفاصيل الحياة، على المائدة، وفي الطريق، وفي السيارة، وفي العمل، وفي كل اللحظات، فالأديب لا يتوقف عن ملاحظة الحياة والتأمل فيها، حتى في أبسط التفاصيل اليومية.
من هي “بوصلة” يومك الرمضاني وقت الضغط؟
الشخصيات أو النماذج التي يستحضرها الإنسان في لحظات الضغط ليستلهم منها القوة أو الحكمة، بالنسبة لي، حين أفكر في العلماء المسلمين، أجد نفسي دائم الانحياز إلى تلك العقول المضيئة التي تركت أثرًا كبيرًا في التراث الإسلامي، ومن بين هؤلاء يظل الإمام محمد متولي الشعراوي حاضرًا بقوة في ذاكرتي، لما تركه من أثر عميق في فهم النص الديني وتبسيطه.، كذلك أجدني معجبًا جدًا بالإمام الغزالي، صاحب كتاب “إحياء علوم الدين”، الذي أراه أحد أكبر العقول الإسلامية وأكثرها إشراقًا وعمقًا.
أما من الصحابة الكرام، فمحبتي كبيرة للخلفاء الراشدين الأربعة؛ رقة أبي بكر، وصلابة عمر، ورقي عثمان وحياؤه، وعمق علي رضي الله عنهم جميعًا، هذه النماذج تمنح الإنسان دائمًا شعورًا بالاتزان والقدرة على مواجهة الضغوط.
هل لك بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟
- نعم، يمكن القول إن بصمتي الخاصة في المطبخ ترتبط بطبق السلطة، في كثير من الأحيان أقضي الدقائق التي تسبق أذان المغرب في إعداد هذا الطبق، وأستمتع بمحاولة أن يحتوي على أكبر عدد ممكن من المكونات، أحيانًا يصل عدد المكونات إلى اثني عشر أو ثلاثة عشر عنصرًا، بين الخضراوات المختلفة ذات الألوان المتنوعة.. الخضراء والحمراء والبرتقالية وغيرها، هذا التنوع يمنحني شعورًا بمتعة خاصة، وكأنني أصنع لوحة صغيرة من الألوان والنكهات.
أين تكون لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكر فيه؟
- في الغالب أكون إما منشغلًا بإعداد طبق السلطة، أو في الطريق عائدًا إلى البيت، لأنني كثيرًا ما أصل قبل أذان المغرب بقليل، ولذلك تكون اللحظة دائمًا مرتبطة بحركة سريعة بين العمل والاستعداد للإفطار، لكنها لحظة لها طعمها الخاص بكل تأكيد.
ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟
- ذكريات رمضان في الطفولة كثيرة جدًا ولا تُحصى من أكثرها حضورًا في ذاكرتي ذلك الرجل الطيب الذي كان يعاني عرجًا خفيفًا في ساقه، ومع ذلك كان يطوف علينا ونحن صغار في المسجد حاملاً إبريق الماء، يسقينا بابتسامة دافئة.
وأتذكر أيضًا لحظة إضاءة المئذنة عند أذان المغرب، وكيف كنا نحن الأطفال نترقب هذا الضوء بشغف كبير، كنا نحمل “الكيس” طوال اليوم، فإذا أعجبنا نوع من الحلوى اشتريناه ووضعناه فيه، وإذا حصلنا على ثمرة فاكهة أضفناها إلى ما جمعناه، حتى يصبح الكيس جاهزًا عند أذان المغرب.. أما الذكرى الأكبر والأجمل فكانت دائمًا لمة البيت حول مائدة الإفطار.
ما السورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟
- أجد نفسي دائمًا أميل إلى قراءة سورة النجم، سواء في رمضان أو في غيره، إذ أشعر معها بسكينة خاصة في الروح، وهناك أيضًا بعض السور القصيرة التي تجعلني أستشعر عظمة البيان القرآني وقوة حضوره، مثل سورة الطارق، التي تمنحني إحساسًا بعنفوان النص القرآني وجلاله.
موقف بسيط في رمضان علّمك درسًا لا يُنسى؟
- من المواقف التي لا أنساها في زحام العمل الرمضاني، أنني كنت أقدم برنامجًا إذاعيًا بعنوان “بعيدًا عن المسئولية”، وهو برنامج يومي يستضيف شخصية كانت تتولى منصبًا مهمًا ثم تركته، لنتحدث معها عن تجربتها وما الذي نجحت فيه وما الذي أخفقت فيه، وما النصائح التي يمكن أن تقدمها لمن يأتي بعدها، في العادة كان معظم الزملاء يسجلون برامجهم قبل رمضان بوقت كافٍ، أما أنا فكنت أفضل تسجيل حلقات طازجة تمامًا خلال الشهر نفسه.
في أحد أيام رمضان استيقظت صباحًا ولم تكن لدي الحلقة التي ستذاع في المساء، ولم أكن قد حددت الضيف بعد، بدا لي أن هذا اليوم سيكون صعبًا للغاية، لكنني فكرت سريعًا في الاتصال بالشخصية السياسية والعسكرية المصرية الكبيرة يوسف صبري أبو طالب، الذي شغل منصب وزير الدفاع ومحافظ القاهرة في فترات مهمة، اتصلت به وطلبت أن يكون ضيفي فوافق مشكورًا، ذهبت إليه وسجلنا الحلقة، وكانت من أفضل حلقات البرنامج، فتعلمت من هذه التجربة أن الإخلاص في العمل والاجتهاد فيه لا بد أن يقود في النهاية إلى مكافآت حقيقية، وأن التوتر أحيانًا يمكن أن يكون دافعًا للإجادة وليس سببًا للإحباط.



