مصطفى عبد الله: سورة مريم الأقرب إلى قلبي في الشهر الكريم|حوار
شهر رمضان لا يُمثل لديه تبدل مواعيد الطعام، بل زمن يعاد فيه ترتيب الداخل والخارج، في الأيام الأولى يرتبك بسبب غياب كوب الشاي بالحليب، ولكن إصراره يساعده على إستعادة إيقاعه بشكل أعمق والتزام لا يتزحزح، بين غرفة مكتبه المزدحمة بالكتب، ومقاله الأسبوعي الذي لا يتخلف عنه، وحوارات صباحية ثرية حول الأدب والفكر، يمضي يومه الرمضاني كمساحة تأمل منضبطة، لا تعرف الادعاء ولا الفوضى.
وفي حوار خاص لـ “إيجبتك”، يفتح لنا الكاتب الصحفي والناقد الكبير مصطفى عبد الله، قلبه ويستعيد أصوات الطفولة؛ تلاوات الفجر، فانوس الصفيح، ومكافأة حفظ السور، ويتمسك بجوهر الشهر كما يراه علاقة صادقة بين الإنسان وربه، تختبر في الخلوة قبل أن تُرى في العلن.
في البداية نريد التعرف على طقوس الكتابة لديك والروحانيات خلال شهر رمضان؟
في رمضان أشعر ببعض الاضطراب في الأيام الأولى من الصيام نتيجة التعود في الأيام العادية على تناول كوب الشاي بالحليب والهيل، اللذين يضبطان تركيزي، وبالتالي لا أستطيع أن أبدأ يومي بهذه الوتيرة، حاولت في اليوم الأول من الشهر، لكنني لم أستطع الاستمرار، فعدت إلى السرير لأحصل على قسط إضافي من الراحة يعينني على مواصلة اليوم، خاصة مع ما يتطلبه من كتابة وقراءة واستماع إلى القرآن الكريم وأداء الصلوات.
ومع هذا الاختلاف بين رمضان وبقية أيام العام، يظل هناك عامل ثابت لا يتغير، وهو الالتزام الداخلي الذي يدفعني للوفاء بما أتعهد به، فإذا قبلت عملاً وأنا قادر عليه أنجزته مهما كانت الظروف، وإن لم أكن قادرًا أعتذر بوضوح، مهما كانت الضغوط.
وفيما يتعلق باختيار المسجد أو مكان الصلاة، لم يعد الأمر مرتبطًا لديّ باعتبارات بعينها كما كان في فترات سابقة من حياتي، فقد تغير إيقاع يومي كثيرًا مع التقدم في العمر، ولم أعد مضطرًا إلى الخروج يوميًا لعمل منتظم كما كان الحال حين توليت رئاسة تحرير «أخبار الأدب»، أو إشرافي على القسم الأدبي في «الأخبار»، أو عملي في مجلة «آخر ساعة» بمؤسسة «أخبار اليوم».
أما اليوم، فأغلب وقتي يمضي داخل المنزل، متنقلًا بين غرفه، خاصة غرفة المكتب، وهي أول غرفة تأسست في البيت، والمزدحمة بالكتب إلى حد أنني تعرضت ذات مرة لخطر حقيقي حين انهارت فوقي بعض الرفوف، ما دفع زوجتي إلى إعادة تنظيمها ووضع جزء كبير منها في خزائن وصناديق، ومع ذلك لا تزال الغرفة مكتظة.
عند عودتك للمنزل في نهار رمضان.. كيف تخلع الأديب أو الشاعر؟ وهل تفرض قوانينك الخاصة نفسها على مائدة الإفطار أم أن "ديمقراطية البيت" هي الغالبة؟
لديّ طقس يومي واضح هو الالتزام بمقال أسبوعي في جريدة «القاهرة» التابعة لوزارة الثقافة، كما أكتب لمجلة «الشارقة»، وسبق أن كتبت في «المصري اليوم» متطوعًا دون أجر لسنوات طوال، وكذلك أفعل في كتاباتي الحالية، حين أكتب بدافع الرغبة في تقديم ما أراه ضروريًا، لا بتكليف مؤسسي.
أما عن إمكانية “خلع” رداء الكاتب أو الشخصية العامة داخل البيت، فأستطيع القول إنه لم يكن هناك يومًا فصل حاد بين الشخصيتين، وكنت دائمًا أرى أن من يعمل بالصحافة، خاصة في زمن الصحف اليومية متعددة الطبعات، لا يملك ترف الانفصال الكامل عن عمله، ومع ذلك، فإن الأسرة كانت مدركة لطبيعة هذا الالتزام.
باختصار، تغير نمط الحياة مع الزمن، لكن بقي الالتزام هو الثابت، سواء داخل البيت أو خارجه، مع قدر أكبر الآن من الهدوء والتركيز، ومساحة أوسع للتأمل والعمل المنظم من المنزل.
دينامو اليوم: من هو الشخص (الجندي المجهول) الذي يعتبر "بوصلة" يومك الرمضاني وتلجأ إليه حين تشتد ضغوط العمل مع الصيام؟
عن الإنسان الذي يمكن أن يدور معه حوار روحي عميق، وتتبادل معه نقاشات جادة حول ما يشغل الفكر والحياة، فإلى جانب زوجتي بالطبع، تأتي الكاتبة ماريام هرموش، وهي روائية مصرية من أصول لبنانية، تقيم في مصر، وتعد من الأصوات الروائية المهمة، ويجمعنا توافق واضح في الرؤى والقناعات وأسلوب الحياة، كلانا يستيقظ مبكرًا، وغالبًا ما نبدأ يومنا بحوار مفتوح نتبادل فيه الحديث حول قضايا الثقافة، وما قرأناه، وما نخطط لكتابته، والأفكار التي تشغلنا، هذا الحوار اليومي يمثل مساحة ثرية للتفكير المشترك والتأمل.
ومن الشخصيات القريبة إلى فكري أيضًا الكاتب والمفكر عيسى بيومي، المقيم في هامبورج، والمتزوج من سيدة ألمانية، والتي تمتد علاقتي به لنحو أربعين عامًا، وكثير من مشروعاته الكتابية ناقشناها معًا، سواء عبر الهاتف أو خلال زياراته إلى القاهرة، أحيانًا تسفر هذه المناقشات عن إعادة النظر في مشروع كتاب كامل، أو تأجيله لصالح فكرة أخرى أكثر نضجًا، وهو من الكتّاب الذين أحرص دائمًا على متابعة أعمالهم والإضاءة عليها، خاصة في ظروفه الصحية الأخيرة التي كانت قاسية، قبل أن يستعيد عافيته ويعود إلى مشروع إبداعي جديد يعمل عليه حاليًا.
كذلك تربطني علاقة وثيقة بالدكتور شريف مليكة، وهو روائي مصري مقيم في الولايات المتحدة منذ عقود، بيننا نقاشات مستمرة حول ترتيب المشروعات الإبداعية، وأي كتاب يصدر أولًا، وكيف يُستقبل. وعندما يزور القاهرة نحرص على حضور مناقشات أعماله، خاصة في مكتبة مصر العامة بالجيزة، التي تحتفي بالمبدعين المصريين المقيمين في الخارج.
ومن الأدوار التي أعتز بها مساهمتي في تقديم بعض هؤلاء الكتّاب إلى جمهور أوسع، خاصة عبر الترجمة، فقد ساعدت شريف مليكة في عرض مشروع روايته «خاتم سليمان» على قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بعد أن أعدّ ملخصًا وترجمة لعدد من فصولها، وقد أثمر ذلك عن توقيع عقد الترجمة ونشر العمل، وهو ما أشار إليه شريف لاحقًا في حفل التدشين، معتبرًا أن لي فضلًا في وصول أعماله إلى القارئ غير العربي.
تحدي المطبخ: بعيداً عن الأدب.. هل تملك "تخصصاً" في المطبخ يجمع العائلة عليه؟ وهل تدخل المطبخ للمساعدة أم بدافع "الفضول الرقابي" فقط؟
الديكتاتورية الكاملة تكون للزوجة، وأنا بطبعي لا أفضل هذه الأمور، أحب إعمال العقل أكثر، ومن الأطعمة التي أحبها من يد زوجتي هي الإنجلش كيك التي تعدها لنا مرتين خلال العام مرة في عيد ميلادي والأخرى في رأس السنة، وعلى حسب الاحتياج.
وغير مسموح لي بدخول المطبخ، سوى مرة واحدة في النهار فقط، في حالة استيقاظي قبل زوجتي، باستثناء ذلك هي من تحضر لي أنواع المشروبات التي أريدها، ولذلك مواعيد طعامي مرتبطة بظروفها ولابد من إطعامي مبكرًا حتى يتسن لي النوم، وهذا يكون مناسب في رمضان.
فانوس زمان: ما هي الصورة "الأبيض وأسود" التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟ وكيف تحاول استعادتها لأبنائك وأحفادك اليوم؟
بالنسبة لي رمضان هو صوت الشيخ رفعت، في تلاوة القرآن الكريم، وذلك منذ أن كنت طفلًا صغيرًا جدًا، وصوت الشيخ النقشبندي، والمبتهل الشيخ نصر الدين طوبار، والمطرب الدكتور أحمد إبراهيم الذي كان تلميذًا للدكتورة رتيبة الحفني.
وبالنسبة لفوانيس رمضان كانت، ولا تزال، علامة أساسية من علامات الشهر الكريم، لكنها في الماضي كانت تحمل طابعًا مختلفًا تمامًا، كنا نرى الشوارع تمتلئ بالفوانيس الكبيرة المصنوعة من الصفيح والزجاج الملوّن، تُعلق بين العمارات أو تتدلى من الشرفات، في مشهد احتفالي بهيج. كانت صناعة مصرية خالصة، تقف وراءها ورش محلية ماهرة.
وفي طفولتنا، كنا نشتري الفانوس ونضع بداخله شمعة نضيئها بأنفسنا، وأحيانًا تلسعنا النار فنضحك ونواصل السير في الشارع ونحن نغني، كانت متعة خاصة أن يمسك الطفل بالنار، وهو الذي كان يُمنع طوال العام من الاقتراب منها، كنا نشعر بأننا نمتلك شعلة صغيرة من الفرح.
ومن الذكريات العزيزة أيضًا أن عمي، رحمه الله، كان يأتي في رمضان ويُحضر لنا أجزاء من القرآن الكريم، خاصة الأجزاء التي تضم قصار السور، ويمنح مكافأة قدرها ربع جنيه لمن يحفظ. وكان مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت، يبعث في نفوسنا بهجة مضاعفة، ويجعل أجواء البيت تمتلئ بروح التنافس الجميل بين الفانوس وحفظ القرآن وانتظار المكافأة.
أما المائدة الرمضانية فكانت عالمًا قائمًا بذاته، “أمّ علي” كانت تُعد في أطباق وتُزيّن بجوز الهند والزبيب والسنوبر، ومن استطاع أضاف اللوز والبندق، والكنافة كانت تُحضّر في البيوت بإبداع لافت؛ كنا نشتريها طازجة من صانعها، نراقب طريقة إعدادها على النار، ثم نحملها إلى البيت ملفوفة في ورق الجرائد، كانت طقوسًا لا تُنسى، وربما ما زالت بعض أحيائنا الشعبية، كالسيدة زينب أو الحسين، تحتفظ بشيء من هذا السحر.
ومع كل هذا الجمال، يظل لدي تحفظ على ما آل إليه حال رمضان في بعض جوانبه، فقد تحول في كثير من الأحيان من شهر لتزكية النفس ومقاومة الشهوات إلى موسم لإثارتها، سواء عبر الإعلانات المكثفة عن الطعام أو بعض الأعمال الدرامية التي تبتعد عن الروحانية، بينما الأصل في الصيام أنه علاقة مباشرة بين الإنسان وربه، يختبر فيها صدقه مع نفسه قبل أي شيء. فالصائم قد يبدو صائمًا أمام الناس، لكن الامتحان الحقيقي في صدقه حين يكون وحده.
رمضان، في جوهره، شهر للصفاء الروحي، ولتعلم الصدق والأمانة وقوة الإرادة، وتلك هي المعاني التي ينبغي أن تبقى، مهما تغيّرت المظاهر والطقوس.
ساعة السكينة: بعيداً عن أوراقك الخاصة.. ما هي السورة القرآنية أو النص الأدبي الذي تمنحك قراءته في رمضان طاقة نفسية خاصة؟
أحب سورة مريم وهي الأقرب إلى قلبي وأحرص على قراءتها.




