رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بوجمعة العوفي: أكتب الشعر لأفهم العالم والنقد عندي مساحة نقاش لا سلطة|حوار

الشاعر والناقد المغربي
الشاعر والناقد المغربي بوجمعة العوفي

بوجمعة العوفي لـ«إيجبتك»:

الشعر هو المساحة الأعمق التي تتجلى فيها ذاتي

لا أرى التحول الرقمي تهديدا للورقي بل أفقا جديدا للكتابة

المشهد الثقافي العربي حالة مركبة لا تختزل في أزمة واحدة

نحن بحاجة لإعادة التفكير في مفهوم الثقافة ودورها المجتمعي

الشعر العربي يحمل إرثًا قويًا رغم تحوّلاته

الجوائز لحظات اعتراف وليست غاية في حد ذاتها 

دوري كمثقف يتجاوز إنتاج النص إلى خلق وعي نقدي

لا أكتب عن الأحداث مباشرة بل أسكنها شعريًا حتى في لحظات الصمت

من مواليد مدينة تازة بالمغرب؛ قدم نموذجًا خاصًا ومختلفا، لمثقف ينشغل بسؤال الجمال والمعرفة في آن واحد؛ فمنذ بداياته، لم ينظر إلى الكتابة على أنها  فعلًا منفصلًا، لكنها شبكة من العلاقات التي تتداخل فيها الحواس والرؤى، فعندُه تتحول القصيدة إلى فضاء بصري، ويتحول النقد إلى قراءة عميقة لتجليات المعنى؛ من هذا الأفق، يطلّ الشاعر والناقد والمترجم المغربي الكبير الدكتور بوجمعة العوفي.

وفي حواره مع «إيجبتك» نطلع على مشروعه المتنوع في مجالات الإبداع، وتحولات الشعر في العصر الرقمي، ورؤيته لواقع الثقافة العربية وأسئلة النقد والجوائز ودور المثقف في زمن التحولات؛ كل ذلك التفاصيل وأكثر تجدونها في نص الحوار التالي:

كيف تشكلت ملامح مشروعك الإبداعي بين الشعر والنقد والترجمة؟

- حين أعود إلى البدايات، لا أجد حدودا فاصلة بين هذه المسارات الثلاثة، بل أجدها وقد تشكّلت معا، كما تتشكل طبقات الضوء في لوحة لا تعترف بالتقسيمات الحادة. الشعر كان دائما هو المنبع الأول، تلك الرعشة الأولى التي جعلتني أكتب لأفهم العالم، لكن النقد جاء ليمنح هذه الرعشة وعيها، ليضعها في سياقها، وليجعل من التجربة الذاتية سؤالا معرفيا. أما الترجمة، فقد كانت نوعا من السفر داخل لغات الآخرين، محاولة للإنصات إلى أصوات بعيدة، وإعادة اكتشاف الذات عبر مرايا متعددة.

مشروعي الإبداعي، إذا جاز أن أسميه كذلك، لم يُبنَ على اختيار مسبق، بل على تراكم حساسيات وتجارب، حيث لم يكن الشعر منفصلا عن النقد، ولا النقد منفصلا عن الشعر. في كثير من الأحيان، كنت أكتب القصيدة بعين الناقد، وأمارس النقد بروح الشاعر، وكأنني أبحث عن نقطة التقاء بين الرؤية والإحساس.

لكن، رغم هذا التداخل، أجد أن ذاتي الأكثر عمقا تتجلى في الشعر، لأنه المجال الذي يسمح لي بأن أكون دون أقنعة، دون ضرورة للتبرير أو الشرح. في الشعر، لا أفسر العالم، بل أعيشه، ولا أقدّم معرفة جاهزة، بل أفتح أفقا للأسئلة. إنه الفضاء الذي أستعيد فيه هشاشتي وقوتي في آن، وأعيد تشكيل علاقتي باللغة وبالوجود.

اشتغلتَ على تقاطع الشعر بالفنون التشكيلية والبصري.. كيف ترى هذا التداخل؟ وهل هو ضرورة جمالية أم خيار معرفي؟

- هذا التداخل لم يكن قرارا نظريًا، بل كان نتيجة طبيعية لحساسية جمالية تشكلت في داخلي عبر الزمن. منذ بداياتي، كنت أشعر أن القصيدة لا تُكتب فقط بالكلمات، بل تُرى أيضا، وأن اللغة يمكن أن تتحول إلى فضاء بصري، حيث تتوزع المعاني كما تتوزع الألوان في لوحة. بهذا الشكل عمَّق اشتغالي في النقد التشكيلي هذا الإحساس، وجعلني أرى أن الصورة ليست مجرد عنصر إضافي في النص، بل هي بنية تفكير. حين أكتب، أكون مشغولا بكيفية تشكل الصورة داخل اللغة، بكيفية تحوّل الكلمة إلى خط، إلى ظل، إلى حركة. تصبح القصيدة نوعا من الرسم غير المرئي، حيث تشتغل اللغة على إنتاج مشهد داخلي.

هو ضرورة لأن العالم نفسه أصبح أكثر بصرية، ولأن الإدراك الإنساني لم يعد يعتمد على اللغة وحدها، بل على الصورة أيضا. وهو خيار معرفي لأنه يفتح إمكانات جديدة للكتابة، ويجعلها أكثر انفتاحًا على الفنون الأخرى، وأكثر قدرة على مساءلة حدودها. وفي هذا التداخل، لا أبحث عن تزيين الشعر، بل عن توسيع مجاله، عن جعله قادرا على استيعاب تحولات الحساسية المعاصرة.

تمتد تجربتك من القصيدة الورقية إلى الرقمية، كيف تقرأ تحولات الشعر العربي في ظل الثورة التكنولوجية؟

- التحول من الورقي إلى الرقمي ليس مجرد انتقال في الوسيط، بل هو تحول في طبيعة العلاقة مع النص، مع الزمن، ومع القارئ. كانت القصيدة الورقية تعيش في زمن مختلف، زمن القراءة المتأنية، حيث يمكن للكلمات أن تستقر، أن تُعاد قراءتها، أن تتراكم داخل الوعي. أما في الفضاء الرقمي، فنحن أمام زمن سريع، حيث النصوص تمرّ بسرعة، وتُستهلك أحيانًا قبل أن تُفهم. لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع الشعر، بل يضعه أمام تحديات جديدة. كيف يمكن للقصيدة أن تحافظ على عمقها في زمن السرعة؟ كيف يمكنها أن تقاوم التحول إلى مجرد “محتوى”؟
في تجربتي، حاولت أن أتعامل مع الرقمي ليس كتهديد للورقي، بل كإمكانية. هناك أشكال جديدة للكتابة، حيث يمكن للصورة والنص أن يتداخلا، حيث يمكن للقصيدة أن تتحرك، أن تتشكل بصريًا بشكل مختلف. لكن الخطر يبقى في فقدان البعد التأملي، في اختزال الشعر إلى جملة سريعة قابلة للمشاركة. إنّ الشعر العربي اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن يذوب في منطق السرعة، أو أن يعيد ابتكار نفسه داخل هذا الفضاء، دون أن يفقد جوهره.

بحكم انخراطك في العمل الثقافي والمؤسساتي، كيف تقيم واقع المشهد الثقافي في الوطن العربي اليوم؟

- يعيش المشهد الثقافي العربي اليوم حالة مركبة، لا يمكن اختزالها في أزمة واحدة. هناك إنتاج، بل إنتاج غزير أحيانا، لكن السؤال الحقيقي يكمن في شروط هذا الإنتاج وفي آليات تلقيه. شخصيا أميل إلى القول إننا أمام أزمة تلقي أكثر منها أزمة إنتاج. النصوص تُكتب، الكتب تُنشر، لكن القارئ يتراجع، أو يتغير. لم يعد القارئ كما كان، ولم تعد القراءة فعلا أو تمرينا يوميا بالمعنى العميق. قامت وسائل الإعلام الجديدة بتغيير طبيعة العلاقة مع المعرفة، وجعلت التلقي أكثر سرعة وأقل عمقا.

من جهة أخرى، هناك أيضا أزمة في المؤسسات الثقافية، في كيفية دعمها للإبداع، في قدرتها على خلق فضاءات حقيقية للنقاش والتفاعل. لا تعيش الثقافة بالنصوص فقط، بل بالبيئة التي تحتضنها. لذلك، نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الثقافة نفسه، في علاقتها بالمجتمع، في دورها في تشكيل الوعي. دون ذلك، سيظل الإنتاج قائما، لكنه سيبقى معلقا في فراغ ومتاهات التلقي.

كيف تنظر إلى النقد العربي المعاصر؟ هل يواكب التحولات الإبداعية، أم ما زال أسير مقاربات تقليدية؟

- يعيش النقد العربي المعاصر بدوره حالة من التوتر بين القديم والجديد. هناك محاولات جادة لمواكبة التحولات، خاصة مع انفتاح النقد على المناهج الحديثة، وعلى الدراسات البصرية والثقافية، لكن في المقابل، ما زالت هناك مقاربات تقليدية تشتغل بنفس الأدوات القديمة، وكأن النص لم يتغير.. ليست المشكلة في المناهج بحد ذاتها، بل في كيفية توظيفها. أحيانا يتحول النقد إلى تطبيق ميكانيكي لنظريات مستوردة، دون مراعاة خصوصية النصوص العربية. وأحيانا أخرى، يظل أسيرا للانطباعية، دون أفق تحليلي واضح. ما نطمح إليه هو نقد قادر على الحوار مع النص، لا على فرض قوالب جاهزة عليه. نقد يكون قريبا من النص وينصت إليه قبل الحكم عليه، ويقرأ النص بوصفه تجربة، لا مجرد موضوع للدراسة.

هل تعتقد أن هناك فجوة بين المبدع والناقد في العالم العربي؟

- نعم، هناك فجوة، وهي ليست جديدة، لكنها تعمقت في السنوات الأخيرة. هذه الفجوة لا يتحملها طرف واحد، بل هي نتيجة تفاعلات متعددة.. بعض المبدعين ينظرون إلى النقد كسلطة، كشيء يهدد حريتهم، فيبتعدون عنه. وبعض النقاد يتعاملون مع النصوص ببرود أكاديمي، دون محاولة فهم حساسيتها الداخلية. وهكذا، ينشأ نوع من القطيعة. لكن في تجربتي الشخصية، حاولت دائما أن أكسر هذه الثنائية، لأنني أؤمن أن الشاعر يمكن أن يكون ناقدا أيضا، وأن الناقد يمكن أن يحمل حساسية إبداعية. العلاقة بينهما ليست صراعا، بل حوارا، ونوعا من التكامل والتجاور.

ما هو الفارق بين الشعر الغربي والعربي؟ وما هي الأشياء التي يمكن له أن يثري بها الأدب العربي المعاصر؟

- الفارق ليس في القيمة، بل في السياقات.. الشعر الغربي مرّ بتحولات عميقة، خاصة في علاقته بالشكل، باللغة، وبالذات. هناك جرأة أكبر في التجريب، في كسر الأشكال، في الذهاب نحو مناطق غير مألوفة. الشعر العربي، رغم تحوله، ما زال يحمل إرثا قويًا من التقاليد، وهذا ليس عيبا، بل يمكن أن يكون مصدر غنى. لكن التحدي يكمن في كيفية التعامل مع هذا الإرث: هل نحافظ عليه كما هو، أم نعيد قراءته من خلال التفكيك والخلخلة؟ ما يمكن أن نتعلمه من الشعر الغربي هو الجرأة على التجريب، على كسر الحدود، على الانفتاح على الفنون الأخرى. لكن دون أن نفقد خصوصيتنا.. التعبيرية ومرجعاتنا الجمالية.

ما هي أقرب الجوائز إلى قلبك وما أكثر عمل تعتز أنه حصل على جائزة؟

- الجوائز، في تجربتي، ليست هدفا بحد ذاتها، بل لحظات اعتراف تأتي في مسار طويل من العمل. ربما تبقى جائزة الشارقة للإبداع العربي للشعر (سنة 2001) عن ديواني الشعري (بياضات شيّقة) من اللحظات التي تركت أثرا خاصا، لأنها جاءت في بداية المسار، وكأنها إشارة أولى إلى أن الطريق الذي اخترته يمكن أن يكون ممكنا. لكن في العمق، ما أعتز به أكثر ليس الجائزة، بل العمل نفسه، تلك اللحظة التي أشعر فيها أن النص استطاع أن يقول شيئا حقيقيا.

في ظل تعدد الجوائز واختلاف معاييرها، كيف يمكن للمبدع أن يحافظ على استقلالية مشروعه دون التأثر بمنطق “الجوائز”؟

- المبدع الذي يكتب من أجل الجائزة يفقد حريته دون أن يشعر. الجوائز يمكن أن تكون محفزا، لكنها لا يجب أن تتحول إلى معيار، ثم إنّ الحفاظ على الاستقلالية يمر عبر الإخلاص للتجربة الداخلية، عبر الكتابة بوصفها ضرورة، لا وسيلة. حين يكون النص صادقا، لا يعود محتاجا إلى الاعتراف الخارجي، رغم أهميته.

كيف ترى مستقبل الثقافة العربية في ظل التحديات الراهنة؟

- تعيش الثقافة العربية اليوم لحظات صعبة، لكنها أيضا لحظة إمكان. التحديات كبيرة: سياسية، اجتماعية، تكنولوجية، لكن في قلب هذه التحديات تكمن فرص لإعادة التفكير، ودور المثقف اليوم لم يعد فقط إنتاج النصوص، بل المساهمة في خلق وعي نقدي، في طرح الأسئلة، في فتح أفق للحوار.. فالمثقف الحقيقي ليس من يملك الأجوبة، بل من يملك شجاعة السؤال. على اعتبار أنّ (السؤال هو رغبة الفكر) بتعبير الناقد الفرنسي الاستثنائي موريس بلانشو.

ماذا تكتب الآن؟ وهل ستكتب شيئا معبرًا عن الأحداث الجارية؟

- أنا دائمًا في حالة كتابة، حتى حين لا أكتب؛ تتشكل النصوص ببطء، في صمت، في تأمل. لا أكتب مباشرة عن الأحداث، لكن الأحداث تسكنني، تتحول داخل اللغة، وتظهر بشكل غير مباشر، ما أكتبه الآن هو امتداد لما كنت أبحث عنه دائمًا: محاولة لفهم العالم عبر اللغة، لا لوصفه فقط. وربما، في زمن مضطرب، يصبح الشعر أكثر حاجة إلى أن يكون مساحة للتأمل، لا مجرد رد فعل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء