منى بشناق: الكتابة عندي ليست موهبة بل رسالة ومسؤولية أسعى لتحقيقها|حوار
الروائية الفلسطينية منى بنشاق لـ«إيجبتك»:
علاقتي بالكتابة بدأت كتجربة وانتهت كحلم
الكتابة استجابة داخلية لموهبة تنبع من رحم خيالي
أحرص أن تكون نهايات رواياتي مفاجئة وواقعية تترك أثرًا في القارئ
وصول أعمالي إلى مكتبة الكونغرس تجسيدًا لحضور الأدب الفلسطيني عالميًا
أبحث دائمًا في قراءاتي عن المعنى العميق والأثر الحقيقي للنص
في رواية «ذهب مع تشرين» قدّمتُ صورة تجمع بين الوطن والعاطفة
رواية «شرفة الرمال» كانت محاولتي لتوثيق الألم والإنسان معًا
من قلب الضفة الغربية؛ لم تكن الكتابة بالنسبة لها مجرد شغف، بل مسؤولية تسعى من خلالها إلى خلق أثر حقيقي، إذ أنها بدأت رحلتها مع الكتابة منذ الخامسة عشرة، لتتحول الموهبة إلى مشروع إبداعي ناضج يحمل ملامح واضحة ورسالة عميقة‘ فهي في أعمالها الروائية، تنحاز إلى الإنسان في أبعاده النفسية والاجتماعية، وتغوص في تفاصيله الدقيقة، وتقدم نصوصًا تتسم بواقعيتها ونهاياتها المفاجئة التي تترك أثرًا ممتدًا في وعي القارئ؛ إنها الكاتبة والروائية الفلسطينية بنت مدينة نابلس منى بشناق.
منى بنشاق ليست أديبة وروائية فحسب، بل تعمل في مجال التسويق الرقمي وصناعة المحتوى، فهي تجربة تجمع بين الإبداع الأدبي والمهني، وتمتلك في رصيدها ثلاث روايات هي «ذهب مع تشرين»، و«وِزرَ أُخرى»، و«شرفة الرمال»، إلى جانب كتاباتها الأدبية ومشاركاتها بمقالات في عدد من الصحف العربية؛ كذلك حظيت تجربتها بحضور لافت مع دخول اثنتين من رواياتها إلى مكتبة الكونغرس الأمريكية ضمن الزاوية العربية، كما أنها عضو في الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين.
وفي حوارها الخاص لـ«إيجبتك» نقترب من عالمها الإبدعي، وتجربتها بين الكتابة والواقع، وبين الرسالة والشغف، لنفهم كيف يمكن للكلمة أن تكون أثرا، وكيف تتحول الحكاية إلى ذاكرة لا تُمحى؛ وإليكم التفاصيل عبر سطور الحوار التالية:
بدأتِ الكتابة في سن مبكرة، كيف تشكلت علاقتك الأولى بالكلمة، وما الذي دفعك للاستمرار حتى النشر؟
- علاقتي بالكتابة بدأت كتجربة، وانتهت كحلم.
بدأ ذلك حين كنت في الخامسة عشر من عمري، حين قرأت أول كتاب في حياتي، كانت رواية أدبية، وحينها شعرتُ بأن شيئًا بين سطوره يستفزني، كان مزيجاً من جمال اللغة، وعمق الرسالة، واتساع العوالم التي تُبنى بهذه الكلمات، ولا سيما أنني كنت أحب اللغة العربية ومفرداتها، وهناك، أدركتُ أن لدي ما يشبه هذا، وما يستحق أن يُقال، فكانت الكتابة استجابة داخلية لموهبة وجدتها تخرج من بين أصابعي ورحم خيالي، واستمراري فيها كان شغفاً وحلماً أردت تحقيقه، حتى أخذت الكتابة بعد عدة محاولات تلّح عليّ لأرفع الصوت و أصل إلى محطة النشر، وأنطلق منها نحو رحلة الأدب والكتابة التي لا تنتهي.
في رواياتكِ مثل «ذهب مع تشرين» و«وِزرَ أخرى» و«شرفة الرمال»، ما القضايا التي حرصتِ على طرحها، وكيف تختلف رسالة كل عمل عن الآخر؟
- إن كل عمل أدبي يحمل رسالة تخصه وحده، حتى وإن توارت خلف الحكاية.
ففي (ذهب مع تشرين) كانت الحكاية تقدم صورة ثنائية للوطن والعاطفة، بحيث يتقاطع صراع القلب والعقل، ونروي وجع الأرض، ليولد سؤال الانتماء في أكثر صوره هشاشة وصدقًا.
فكانت رواية تحكي عن الحب بصورة نفسية عميقة، وعن الوطن حين يكون جزءاً من تفاصيل حياتنا بما فيها هذا الحب، وكيف يمكن أن يتحول حلم ما إلى كابوس في لحظة واحدة لمجرد أن تكون فلسطينياً.
أما (وِزرَ أخرى) فقد قدمت فيها رسالة العدالة، وكيف يمكن لقدر واحد أن يبدو منصفًا لكل الأطراف بنفس الوقت، وكيف تتوزع الحقيقة بين أطراف متعددة، ضمن سرد مشوق يُخفي بين طياته أسئلة نفسية عميقة.
وقد قدمت هذه الرواية الوطن والدين والنفس البشرية على هيئة هرم متكامل تشكّل منه أبطال الرواية، وجعلت للحب مساحة واسعة في النفس البشرية وقراراتها المصيرية.
وفي (شرفة الرمال) كان الصوت فلسطينيًا خالصًا، يكتب عن غزة والمرأة في زمن الحرب، هنا لم تكن الرواية مجرد حكاية، بل محاولة لتوثيق الألم والإنسان معًا، وتقديم صورة حقيقية لما يحدث ضمن إطار أدبي يحفظ الذاكرة ولا يختزلها، وكانت الرسالة تسعى لتخليد الذاكرة وتأرّيخها، إيماناً بدور الكاتب الفلسطيني ومسؤوليته في توثيق الحدث وحفظ ذاكرته من الزوال.

تميل كتاباتكِ إلى الجانب النفسي والاجتماعي مع نهايات مفاجئة، كيف تبنين هذا التوازن بين الواقع والدهشة؟
- يُبنى هذا التوازن من داخل الشخصيات نفسها، فالواقع هو المادة الأساسية، لكنه لا يُقدَّم كما هو، بل كما يُحسّ ويُعاش. أتعامل مع النفس البشرية بوصفها مساحة مليئة بالاحتمالات، والصراعات، والمفاجآت أيضاً، حيث تكون الدهشة نتيجة طبيعية لتراكم التفاصيل لا قفزة مفاجئة خارج السياق.
والنهاية عندي ليست صادمة بقدر ما هي واقعية، فهي اللحظة التي تتجمع فيها الخيوط، ليرى القارئ ما كان ليحدث منذ البداية لكنه لم يُدركه إلا متأخرًا، وأحب في ذلك أن تتميز رواياتي بنهاياتها المفاجئة والواقعية التي تضفي لها أثراً يُترك ولا يُمحى في نفس القارئ ما أن يقفل الصفحة الأخيرة.
دخول أعمالكِ إلى مكتبة الكونغرس، ماذا يعني لكِ هذا الإنجاز على المستوى الشخصي والوطني؟
- على المستوى الشخصي، هو لحظة امتنان عميقة أن تعبر كلماتي حدود المكان لتستقر في واحدة من أهم المكتبات في العالم، أشعرني ذلك بفخر الكتابة والوصول، ودفعني لمزيداً من الحب والشغف نحو الكتابة.
أما وطنيًا، فأراه حضورًا هاماً للأدب الفلسطيني في فضاء عالمي، وبأن حكايتنا تصل إلى هناك لتقول أننا هنا، نكتب، وسنبقى. حيث أن قبول ودخول أعمال فلسطينية الأصل هو تجسيداً لحضورنا وأثرنا وكلمتنا، وبأننا قادرون على الوصول بابداعاتنا، وهذا هو مجد الرسالة من الكتابة.

ككاتبة فلسطينية وعضوة في الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، كيف ترين دور الأدب في حفظ الهوية ومواجهة الرواية المضادة؟
- باعتقادي إن الأدب ليس ترفًا في الحكاية الفلسطينية بقدر ما هو مسؤولية.. فالأدب هو الذاكرة التي لا تُمحى، والصوت الذي لا يُمكن مصادرته، ومن خلاله يمكننا سرد الحكاية بأقلامنا نحن، لا كما تُروى عنا، فدور الأدب هو أن يحفظ الحكاية خوفاً من أن تغيب عن التاريخ، ويمنحها الحياة، وبذلك يصبح أحد أهم أدواتنا لمواجهة الرواية المضادة، لأنه يقدّم الحقيقة بوجهها الإنساني العميق من أبنائها الحقيقيين، خاصة حين نكتبها نحن، أصحاب هذه الرسالة وشهدائها في المكان.
إلى أي مدى تعكس رواياتكِ الواقع الفلسطيني، وهل ترين أن الأدب قادر على نقل تفاصيل الحياة اليومية تحت الظروف الصعبة؟
- لم تخلُ واحدة من رواياتي من ذكر الوطن وفلسطين، على الرغم من أنها لم تكن جميعها وطنية في التصنيف، إلا أن الوطن كعنصر مكاني في الأعمال الروائية كان دوماً حاضراً بواقع فلسطين، وهنا قد لا يكتفي العمل الأدبي بتقديمه كمكان فحسب، بل أن يحاول الغوص في طبقاته، فالسرد الأدبي قادر على نقل التفاصيل اليومية، لا بوصفها تفاصيلاً فقط، بل بوصفها إحساسًا نعيشه يومياً، من الخوف، الترقب، الأمل، والقدرة على الاستمرار رغم كل شيء، وهذه هي القوة الحقيقية للسرد، أن يجعل القارئ يشعر بما يحدث، لا أن يراه فقط، وأن يجعل من المكان لا عنصراً فحسب، بل كيان كامل يحمل ذاكرة وتاريخ وحكاية.

تقولين إن الكتابة رسالة ومسؤولية، ما الرسالة الأهم التي تريدين إيصالها من خلال أعمالكِ؟
- أؤمن أن الكتابة ليست فقط وسيلة للتعبير، بل محاولة لفهم هذا التشابك العميق الذي نعيشه كأفراد، صراع الإنسان مع نفسه، ومع الحياة، ومع مخاوفه، ومع ما يُخفيه وما يُظهره.. رسائلي غالباً ما تحاول أن تضع هذا الصراع تحت الضوء بطرق مختلفة في كل مرة، وبجانب نفسي مختلف، لا لأقدّم حلولًا جاهزة، بل لأمنح هذا الصراع صوتًا يُسمع ويُفهم، فيعرف المرء كيف يفهم ذاته.
أكتب لأقول أن آلامنا و صراعاتنا ليست ضعفًا، بل جزء من إنسانيتنا، وأن الحياة بكل تعقيداتها، ليست طريقًا مستقيمًا بل تجربة تتشكل من انكساراتنا، وكذلك من قدرتنا على النهوض.
كقارئة شغوفة، ما الذي تبحثين عنه في الكتب التي تقرئينها، وكيف ينعكس ذلك على تجربتكِ في الكتابة؟
- دوماً ما أبحث عن الأثر الحقيقي، عن الرسائل المبطنة، والمعنى العميق، عن ذلك الشعور بأن النص يُكتب من تجربة أو رسالة حقيقية.
كما أبحث عن الأعمال التي تقدم القصة بلغة ملفتة، بليغة، تثري حصيلتي اللغوية و تمنحني متعة القراءة، وكذلك شخصيات الروايات التي تبدو كأنها تعرفني أو أعرفها. هذا ينعكس على كتابتي في حرصي على بناء نص صادق، لا يعتمد على الزخرفة بقدر ما يعتمد على الجوهر، وعلى خلق شخصيات تترك أثرًا لا يُنسى؛ حيث تصبح القراءة بالنسبة للكاتب لا مجرد وقت ممتع بقدر ما يكون فائدة ووسيلة للتعلم والتطور.
في ظل ما يحدث في الضفة الغربية، هل تفكرين في توثيق هذه المرحلة أدبيًا؟
- التفكير في توثيق هذه المرحلة يأتي امتداد طبيعي للكتابة حين تختار أن تكتب عن هذا المكان، فحين تكتب قصة تجد أنك تصف مكانها بظروفه وطقسه وحوادثه وذاكرته أيضاً.
لكن التحدي يكمن في أن لا يتحول الألم إلى مجرد مادة سردية، بل أن يُحفظ بكرامته الإنسانية، فالرواية تستطيع تحقيق ذلك حين تركز على الإنسان والشعور لا الحدث فقط، من خلال تفاصيله، خوفه، أحلامه، وقدرته على الاستمرار، حينها يصبح الألم مفهومًا ومُعاشًا، لا مجرد رقم أو خبر.
وفي الجانب الآخر، يشعر الكاتب الفلسطيني أحياناً برغبته في الخروج من حدود المكان والكتابة في فضاء خارجي، ليمنح خياله الخصب مساحة واسعة في الإبداع والتأليف في عوالم خارجية وقصص جديدة، لعله يهرب منها بعض الوقت من واقعه الصعب، دون أن ينخلع عنها تماما.




