زين عبدالهادي: الصيام واحة التدبر.. ولدي 3 حصص للقراءة في رمضان|حوار
زين عبدالهادي في حواره لـ"إيجبتك":
رمضان شهر الهدوء والروحانية
الكتابة في كل الأجواء وكل زمان ومكان
كنت أقضي رمضان في بورسعيد لإكتمال عادته بذكريات الماضي
أتذكر جدي لأمي حاضرا ويسحبني من يدي قبل المدفع بساعة
جدتي كانت ومازالت تمنحني طاقة هائلة للإستمرار
لا تحلو الحياة دون القراءة في رمضان وبينهما قراءة القرآن
سورة الرحمن تنزعني من أي حدث آخر
يُعد الدكتور زين عبد الهادي واحدًا من أبرز الأكاديميين المصريين في مجال علوم المعلومات وتاريخ المعرفة، حيث جمع في مسيرته بين البحث العلمي الصارم والكتابة الإبداعية التي تنفتح على أسئلة الإنسان والوعي والذاكرة.
عَرفه الوسط الثقافي باحثًا وروائيًا كبيرا يمتلك حسًا نقديًا واضحًا، إذ تنطلق كتاباته من مساءلة العالم والذات معًا، وتستند إلى خلفية معرفية واسعة تمتد عبر تجارب عمله في دول وثقافات متعددة، حيث يعمل الآن مشرفا على مكتبة العاصمة الإدراية الجديدة.
وفي هذا الحوار الرمضاني لـ"إيجبتك": يكشف لنا "عبدالهادي" طقوسه الخاصة في الكتابة والقراءة، والملامح الروحانية في الشهر الكريم كما تسكن وجدانه، مستعيدًا مشاهد الطفولة ومنها المدفع، ودفء الجدة، ووصايا الجد التي صارت بوصلة حياة؛ وفيما يأتي نص الحوار:
- كيف تؤثر أجواء رمضان على كتابتك؟
الكتابة هي الكتابة في كل الأجواء وكل زمان ومكان لأنها فعل يرتبط بالتمرد ونقد الذات والعالم، وإن كانت في رمضان تسعى الكتابة نحو الامور الروحانية بشكل واضح، ولعل الصيام يجعل الجسد أكثر واحة فيسعى للهدوء والتدبر في كثير من الأمور.
- أين تفضل الصلاة في رمضان؟ ولماذا؟
عادة كنت أقضية في بورسعيد أو نصفه الأول فعادات البورسعيدية في رمضان مكتلئة بذكريات الماضي، الجو الماطر مع إشراق الشمس الخجلى في الشتاء يساعد على هدوء اكثر، مع ذكريات محفورة في كل ركن.
- حين تعود للبيت نهارًا.. هل تخلع صفة الأديب؟ أم تبقى حاضرة على المائدة؟
يختفي الأدباء على مائدة الطعام ويخرج الأب والجد ليمارسا أدوارهما بحب مطلق، لقد اختلف العالم عن الأمس، واختفى العالم القديم، وأصبحنا في عالم اخر له، وشروطه الخاصة جدا.
- من هي “بوصلة” يومك الرمضاني وقت الضغط؟
يبدو جدي لأمي حاضرا، بابتسامته الواثقة، حين يسحبني من يدي قبل المدفع بساعة، وأن نذهب مع بعض لمشاهدة إطلاق المدفع قبل الإفطار لنشتري شيئا من السوق، خبز أو أدوات السلطة، وفي الغالب كان يحمل طعاما للفقراء، نتسلل فجأة في عز زحمة المطبخ، وانشغال الجميع في تحضير المائدة ويفعل ذلك، لكن الآن أقوم بهذه العادة مع أولادي.
وجدتي كانت ومازالت في هذا العمر تمنحني طاقة هائلة للإستمرار، وفي شهر رمضان كنت أنام على حجرها عند تعبي، وحين كبرت قليلًا كنت أنام واضعا رأسي على ساقها مستسلما لها، وهي تقرأ القرآن في صوت خافت، حتى اروح في النعاس وأنسى العالم وأتفرغ لتحقيق حكاياتها في أحلامي.
- هل لك بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟
نعم.. بسبب عملي في دول كثيرة قبل أن أتزوج، تعلمت أصناف كثيرة من الطعام، اختزلتها جميعا في طبق سلاطة، و لايمكن لرمضان أن يبدأ وينتهي دون بعض المكونات السحرية، والأطباق السرية للسلطة والحلويات، وربما من المهم أن أذكر فلسطين وسوريا ولبنان وتركيا والسنغال والمملكة المتحدة والصين وفرنسا وإيطاليا، حيث تتنوع الاشكال والمذاقات وعلى سبيل المثال فالصين غالبا لاتعرف الحلو أو المالح فاغلب الأطعمة تقع بين هذا وذاك لا هو حلو ولا هو مالح.
- أين تكون لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكر فيه؟
قبل آذان المغرب غالبَا ما أكون انتهيت من حصة القراءة الأولى، فأنا لدي ٣ حصص للقراءة الممتعة وبينهما تقع فترة قراءة القرآن ثم الثالثة للقراءة المتخصصة والعلمية وكل فترة تستغرق ساعتان أو ساعة ونصف، وهي أمر مهم لكل مثقف وعالم، فلا تحلو الحياة دون القراظة ورمضان؛ لأنه شهر يتسم بالهدوء والروحانية لذلك أفضل فيه زيادة ساعات القراءة.
- ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟
لا يفارقني أبدا مشهدين في الطفولة، الأول إطلاق مدفع الافطار في ساحة كبيرة مخصصة لذلك خلف العمارات التي كنا نسكن بها في الستينيات في بورسعيد، وكنا كأطفال نقف قبل حدث الإطلاق بنصف ساعة بعيدين نراقب في قلق وفرحة من إطلاق المدفع وكيف كان الشاويش المنوط به هذا العمل، يضع البارود ويوقد خرقة يدفع بها لخلفية المدفع ثم يطلقة ونحن نركض صارخين، إلى انتهاء حظر الطعام والشراب.
أما المشهد الثاني حارة العيد والذي كان يستعمر نفس مكان المدفع حيث الحواة والسيرك وراكب الدراجة داخل كره خشبية كبيرة مفرغة، ووجود المصوراتي، الذي يقوم بالتقاط صورنا في مقابل زهيد وكان أغلب هؤلاء من اليونانيين.
- ما السورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟
سورة الرحمن تنزعني من أي حدث آخر خاصة بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وأن شاعرية التكرار تؤكد على قيمة العقل الإنساني وجدوى الوجود في هذه السورة الكريمة.
- موقف بسيط في رمضان علّمك درسًا لا يُنسى؟
أهم درس لا أنساه أبدا ماحييت، هو كان من نتائج علاقتي الوطيدة بجدي، حيث أننا كنا عائدين من السوق قبل الفطار، وكان أكثر ما أحبه حلوى السمنية والتمرية البورسعيدية، وأيضًا ضرب المدفع، وفي هذه اللحظة ونحن في الطريق عائدين، وجد جدي أحد الفقراء، فدفع له ببعض الخبز وقرطاس السمنية ونصف مالدينا من جبن، ونظر لي وقال لاتحزن، فكل مالله لله، ولأهل الله، ربما لم أفهم العبارة جيدًا حينها، لكنها كانت نعمة لحياتي كلها، وهي لا تبخل على فقير ومحتاج مما منحك الله، فقد يكون سبب منحك أنك الوسيلة لإعطاءها لمحتاج.