رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حسن المطروشي: طقوس رمضان تلهمني أثناء الكتابة.. والقرآن مورد روحي|حوار

الشاعر العماني حسن
الشاعر العماني حسن المطروشي

حسن المطروشي لـ"إيجبتك": 

رمضان محطة روحية هامة و مدرسة إيمانية وأخلاقية

 أشعر بفراغ هائل أثناء مائدة الإفطار بعد رحيل والدتي

 لا أمارس دور الأديب إطلاقا وأعيش حياتي التلقائية والبسيطة

 أبحث عن الإمام الذي يمنحني لذة الصلاة ويجعل القرآن يلامس روحي

أصدر عدة أعمال ودواوين شعرية من أبرزها “النسل المطرود”، وحاز على العديد من الجوائز المحلية والعالمية، أبرزها جائزة توليولا الإيطالية للشعر العالمي، تتسم كتاباته بالعمق الإنساني والروحانية، كما تعكس أصالته الثقافية وانتماءه لجذوره العمانية، إنه الشاعر العماني الكبير حسن المطروشي، الذي في سلطنة عُمان، ويعد من أبرز الأصوات الشعرية المعاصرة في المنطقة. 

رمضان عند حسن المطروشي ليس مجرد شهر صيام، بل محطة روحية وإنسانية وأخلاقية تتجلى فيها العادات والتقاليد، والذكريات الطفولية، والسكينة اليومية، يبدأ يومه عادةً بقراءة القرآن الكريم، ويجد فيه التفاؤل والثقة في الحياة، ويحرص على أن تكون هذه القراءات متسلسلة من الغلاف إلى الغلاف.

كل هذه العادات الرمضانية وتجربته وطوسه الإبداعية في هذا الشهر، يسردها المطروشي حوراه الخاص مع "إيجبتك"، وإليكم تفاصيل الحوار: 

ماذا يمثل لك شهر رمضان؟

رمضان يمثل لي محطة روحية هامة، وهو مدرسة إيمانية وأخلاقية.. فيه تتجلى للإنسان معاني واضحة وعميقة عن الحياة، لا سيما من خلال الابتعاد عن المباحات مثل الأكل والشرب، التي يمارسها الإنسان فطريًا في باقي الشهور، لكنها تصبح خلال رمضان ممنوعة لفترة محددة. 

هذه التجربة تعد معيارًا للانضباط الذاتي، فلا يجوز للإنسان أن يتجاوز حتى أبسط المباحات، لأن التجاوز يفسد الصيام ويؤثر على سلوك الإنسان وحياته اليومية، رمضان إذًا محطة معيارية وثابتة، مدرسة روحية وإنسانية وأخلاقية عميقة، يحتاجها الإنسان سنويًا ليتوقف ويتأمل، ويعيد قراءة اتجاهاته وخطواته، مسائلة نفسه: إلى أين يتجه؟ وما هي ضوابطه؟ ثم يقارن ويسدد خطواته، وعلى ضوء ذلك يواصل حياته بعد رمضان بوعي أكبر.

هل هناك موقفان شعرت بهما بعمق خلال رمضان؟

- نعم، بعد رحيل والدي، وتبعه رحيل والدتي بعد سنوات، شعرت أثناء مائدة الإفطار بفراغ هائل، كنت ألتفت إلى طاولة الإفطار لأجد نفسي بلا والديّ، ولم أعد أجد حضورهما، هذا الفراغ العظيم، الذي تركته الحياة في روحهما، كان شعورًا بالهول والغياب العميق أثر في نفسي بعمق، وجعلني أشعر بثقل الحياة وأهمية الأسرة في رمضان

حين تعود للبيت نهارًا، هل تخلع صفة الأديب أم تبقى حاضرة على المائدة؟

- في حياتي اليومية لا أمارس دور الأديب إطلاقًا، سواء في الحياة العامة أو الاجتماعية أو الأسرية، أتصرف وفق وعيي الخاص، وأتمسك بعاداتي وتقاليدي، وأظهر بشخصيتي الطبيعية البسيطة، كإنسان عادي، دون تكلف أو مظاهر تجعل الآخرين يشعرون أنني أديب أو شاعر، دائمًا أتعامل مع الآخرين على أنهم أشخاص عاديون، ولا أريد أن أفرض أي صورة غير حقيقية عن نفسي، وأعيش حياتي التلقائية والبسيطة، التي يقتضيها الموقف تمامًا، دون تصنع أو محاولة للتأثير على الناس بصورة الكاتب أو الأديب.

ما النص أو الصورة التي تمنحك سكينة خاصة في رمضان؟

- لدي ورد يومي أو شبه يومي من القرآن الكريم، وأجد فيه السكينة والتفاؤل والثقة في الحياة.. أحب أن أبدأ يومي قبل كل شيء، حتى قبل الحديث مع الناس أو الأصدقاء، أو إنجاز أي عمل، أو فتح الهاتف وقراءة الرسائل الصباحية، أفضل أن أبدأ ولو بشيء بسيط من القرآن الكريم، وهذه إحدى عاداتي اليومية، لا أدعي الزهد أو الكمال، ولا أن أكون رجل ورع، فنحن جميعًا بشر خطاؤون، لكنني أميل إلى الاستفتاح بالقرآن الكريم والتفاءل منه، بالنسبة لي، القرآن مورد روحي عميق ومبارك، أقرأه متسلسلاً من الغلاف إلى الغلاف، ثم أعود من جديد، دون التركيز على صورة معينة، بل لأتواصل مع معانيه وروحه بشكل يومي.

هل لك بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟

- في الحقيقة، لدي ميول نحو الطبخ وأحب الاجتهاد فيه، رغم أنني لست شهيًا أو آكل كثيرًا، أحب أن أتفنن في إعداد الوجبات، حتى لو كانت وصفات قديمة الأجيال، ألاحظ أن الشباب اليوم يفضلون ما تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي وأساليب الطهي الحديثة التي جاءت من المطاعم وبرامج التلفزيون، لكن أسلوبي في الطبخ تقليدي جدًا.

أتذكر أنه قبل أكثر من ثلاثين عامًا، عندما كنت في جمهورية مصر العربية، عشت تجربة رمضان هناك وتعلمت تحضير القطايف المصرية اللذيذة وأنواع الحلويات الرمضانية المختلفة، وعندما عدت إلى عمان، دخلت المطبخ وأعددتها بطرق مختلفة، فحظيت بإعجاب العائلة رغم أنهم يعرفون الوصفات مسبقًا، وحتى الآن، لا يزال أبنائي وبناتي يتذكرون لذة القطايف المصرية التي كنت أعدها في ذلك الوقت، أما الآن، فلا يوجد لي مساحة أو متسع في مطبخ البيت لأعد مثل هذه التجارب، لكن الذكريات ما زالت حاضرة في وجدان العائلة.

كيف يؤثر رمضان على كتاباتك؟

- في الحقيقة، لا أمارس الكتابة الأدبية بشكل عام خلال رمضان، بالنسبة لي، رمضان هو شهر خلوة وانقطاع، شهر عبادة وتفرغ لمراجعة الذات والروح، والتقرب من العائلة، والتخفف من الكثير من الأعباء اليومية، مع ذلك، لأجواء رمضان سطوة خاصة في الذاكرة وفي الوعي، أنا ابن القرى، من شمال عمان، من ولاية شناص، إحدى أكبر الولايات في سلطنة عمان في شمال الباطنة، لها عاداتها وطقوسها وتقاليدها الجميلة التي ما زالت تحتفظ بها بعيدًا عن تأثير المدنية.
عشت رمضانات متعددة ورأيت كيف يعيش الناس رمضان بكل احتفالياته وطقوسه الروحية الجميلة، التي تمثل رافدًا ويعطي ينبوعًا من الوعي والحنين، وتلهمني في لحظة الكتابة، في شناص، لرمضان حضوره الخاص وطقسه الفريد، وأجواؤه المميزة التي تختلف عن بقية المناطق، عمان بلد واسع، وفيه محافظات وولايات ومناطق لكل منها تقاليدها وثقافتها ولهجاتها وأزياؤها وطقوسها الاجتماعية الخاصة، وهذا الثراء العميق يميز البلد ككل، رمضان له أثره العميق على مسار الكتابة، حتى لو لم أمارس الكتابة خلال الشهر نفسه.

أين تفضل الصلاة في رمضان؟

 في الحقيقة، ليس لدي مسجد محدد أفضل الصلاة فيه، لكنني أميل إلى المساجد التي يكون فيها أئمة ذو أصوات جميلة ويتقنون التلاوة الحسنة للقرآن الكريم، هؤلاء الأئمة يجعلونك تحس بالقراءة وتتلذذ بها، وتلمس روحك في بعض القراءات، وأحيانًا تسمع القرآن كما لم تسمعه من قبل، وكأنما نزل إليك لأول مرة، رغم معرفتك السابقة بالآيات، بدلًا من الارتباط بمكان بعينه، أبحث دائمًا عن الإمام الذي يمنحني لذة الصلاة ويجعل القرآن يلامس الروح، ويحفزني على التفكر في عظمته وإعجازه وأسراره.

ما أجمل ذكرى من رمضان في طفولتك؟

في الحقيقة، رمضان الطفولة كله لا يفارقني.. أتذكر رمضان في القرية الوادعة الجميلة، الأذان في المساجد المتواضعة والبسيطة، الجلوس مساء على شاطئ البحر تحت ضوء القمر مع الناس، وشرب القهوة أو الشاي والأشياء البسيطة جدًا، و السحور وجلسات الإفطار القديمة، والوجبات البسيطة التي تعدها الأمهات، والاستماع إلى الجيران، وكل تفاصيل رمضان الجميلة، ما زالت حاضرة في ذاكرتي.

عشت قبل قدوم الكهرباء إلى قريتنا، وأتذكر كيف كنا نضع الماء في أواني فخارية ليبرد، وكيف كانت السيارات تأتي بقوالب الثلج فنشتريها ونضعها في الماء لتبريده ثم نشربه، كل هذه التحولات التي عشناها في رمضان القرية ما زالت حاضرة في وجداننا، حتى أبسط الأشياء مثل قوطي بيبسي أو علبة مشروب بارد كانت في ذلك الوقت تمثل ثروة كبيرة، فالمبلغ كان ربع ريال عماني، وهذه كانت أولى مكاسبي من القراءة، عمومًا، كل هذه الذكريات والقصص الجميلة لا تغيب عن ذاكرتي، وتظل مرتبطة بروح رمضان الطفولية وعادات القرية البسيطة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء