من الإسكندرية إلى مونتريال: حسام مقبل ورحلة البحث عن معنى الغربة | حوار
حسام عبدالقادر مقبل لـ"إيجبتك":
"معرض مونتريال للكتاب" جسر لربط المهاجر بجذوره بعيداً عن صراع الهويات.
لغتنا وذاكرتنا الثقافية أدوات توازن وليست أعباءً نحملها في الغربة
كتابي "أنا رقمي إذن أنا موجود" يحذر من اختزال الإنسان في "رقم أو صورة"
"غاوي سفر" مزيج بين دقة الصحافة ورحابة أدب الرحلات لاكتشاف الذات والآخر
خمسة إصدارات يربطها خيط واحد.. حسام مقبل يروي "حكايات من بلاد القيقب"
الصحافة الحقيقية هي التي تظل قريبة من قضايا العدالة وهموم الناس
التدريب رحلة تعلم متبادلة لبناء وعي نقدي يحترم مسؤولية الكلمة
لم تكن الهجرة بالنسبة للكاتب الصحفي حسام مقبل مجرد انتقال جغرافي، بل كانت إعادة ميلاد لرسالته المهنية في فضاء جديد؛ من الإسكندرية إلى مونتريال رحلة طويلة للبحث عن معنى الغربة؛ هناك حيث أسس معرض مونتريال للكتاب العربي بكندا.. فهو ليس كاتب صحفي فحسب، بل مثقف عابر للحدود، وصانع مساحات للحوار، وباحث دائم عن المعنى الحقيقي في الثقافة والإعلام والإنسان.
وفي حوار خاص لـ"إيجبتك": للحديث عن عالمه بين الصحافة والإعلام والثقافة، وعمله في مكتبة الإسكندرية، وتأسيسه لمعرض مونتريال للكتاب العربي بكندا وأعماله؛ وتفاصيل أخرى ممتعة ورؤية عميقة تجدونها في هذا الحديث الجاد، الذي يجمع بين المثقف والباحث والناشر والصحفي في آن واحد؛ وإليكم نص الحوار:
رحلتك الصحفية امتدت لسنوات بين العمل الثقافي والإعلامي، كيف تشكلت ملامح هذه المرحلة؟
- تشكلت رحلتي الصحفية بشكل تدريجي وطبيعي، ولم تكن يومًا مسارًا منفصلًا عن اهتمامي بالثقافة والإنسان، وبدأت من شغف مبكر بالكتابة والقراءة، ثم تطور هذا الشغف إلى وعي بدور الصحافة كمساحة للفهم والتأثير، لا مجرد نقل للأخبار، و مع الوقت، وجدت نفسي أميل إلى العمل الثقافي والإعلامي الذي يطرح الأسئلة أكثر مما يقدم إجابات جاهزة، ويمنح الصوت للقصص المهمشة والتجارب الإنسانية.
تنقلت بين أشكال مختلفة من العمل الصحفي والإعلامي، ما بين الكتابة، وصناعة المحتوى، والعمل الثقافي والمجتمعي، وهو ما ساعدني على بناء رؤية أوسع للصحافة باعتبارها فعلًا معرفيًا وأخلاقيًا في المقام الأول.. هذه المرحلة شكّلت ملامح تجربتي، ورسخت قناعتي بأن الصحافة الحقيقية هي التي تظل قريبة من الناس، ومن همومهم اليومية، ومن قضايا الهوية والثقافة والعدالة، دون أن تفقد مهنيتها أو استقلالها.
عملت لسنوات داخل مكتبة الإسكندرية، كيف أثرت هذه التجربة في رؤيتك وحياتك الشخصية؟
- العمل داخل مكتبة الإسكندرية كان من أكثر المحطات تأثيرًا في حياتي، مهنيًا وإنسانيًا. عشر سنوات كمستشار ثقافي لم تكن مجرد وظيفة، بل كانت مدرسة مفتوحة يوميًا على المعرفة، والحوار، والتنوع الثقافي، هذا الفضاء الواسع علّمني أن الثقافة ليست ترفًا، بل أداة أساسية للفهم والتقارب وبناء الوعي.
إشرافي على النشاط الثقافي لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب أتاح لي الاحتكاك المباشر بالمشهد الثقافي العربي والدولي، والتعامل مع كتّاب ومفكرين ومبدعين من خلفيات وتجارب مختلفة، وهو ما ساهم في توسيع رؤيتي لدور الثقافة كجسر بين الشعوب والأفكار، لا كمجال نخبوي مغلق.
على المستوى الشخصي، هذه التجربة غيرت الكثير من قناعاتي، ورسخت لدي قيمة العمل الثقافي الجاد، وأهمية التنظيم، واحترام الاختلاف، والإيمان بأن أي مشروع ثقافي حقيقي يمكن أن يترك أثرًا ممتدًا في المجتمع. مكتبة الإسكندرية لم تؤثر فقط في مساري المهني، بل أسهمت في تشكيل شخصيتي وطريقتي في النظر إلى العالم، وإلى دور المثقف والإعلامي في زمن تتشابك فيه المعرفة مع المسؤولية.
أسست “مختبر السرديات” داخل مكتبة الإسكندرية، ما الفكرة التي انطلق منها؟
كنت أحد المؤسسين للمختبر، فقد انطلقت فكرة تأسيس مختبر السرديات من إيماني بأن السرد، بأشكاله المختلفة، هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم الإنسان والعالم، وأنه يستحق مساحة مؤسسية جادة داخل صرح ثقافي بحجم مكتبة الإسكندرية، والفكرة لم تكن إنشاء نشاط أدبي تقليدي، بل تأسيس منصة حية للحوار، والتجريب، وتبادل الخبرات بين الكتّاب والنقاد والباحثين في مجال السرد.
عندما طرحت الفكرة على الدكتور خالد عزب، مدير المشروعات بالمكتبة في ذلك الوقت، كان واضحًا لدينا أن نجاح المشروع يتطلب إشرافًا أدبيًا يمتلك الخبرة والمصداقية والقدرة على التواصل مع الوسط الثقافي.. من هنا جاء اقتراحي بأن يتولى الإشراف الأديب الكبير منير عتيبة، لما يتمتع به من سمعة طيبة، وخبرة عميقة، وعلاقات واسعة داخل المشهد الأدبي العربي.
وبفضل هذه الرؤية المشتركة، استطاع منير عتيبة أن يحوّل المختبر إلى منارة ثقافية حقيقية، تشع من مكتبة الإسكندرية لتضيء المشهد السردي في العالم العربي، وتصبح مساحة مؤثرة للنقاش والتجديد واكتشاف الأصوات الجديدة. بالنسبة لي، كانت تجربة تأسيس المختبر واحدة من أكثر التجارب التي أعتز بها، لأنها جسدت فكرة العمل الثقافي القائم على الشراكة، والإيمان بالفكرة، واحترام التخصص، وهو ما أعتقد أنه سر أي مشروع ثقافي ناجح ومستدام.
كنت أيضا المشرف على تنظيم فعاليات معرض الإسكندرية الدولي للكتاب، لمدة عشر سنوات، ما الذي يميزه عن غيره؟
- خصوصية معرض مكتبة الإسكندرية للكتاب تأتي من خصوصية مدينة الإسكندرية نفسها، فالإسكندرية كمدينة لها هويتها وطبيعتها الخاصة، وكذلك كل ما يجري على أرضها من فعاليات، فما يميز معرض الإسكندرية الدولي للكتاب هو أنه لم يكن مجرد سوق لبيع الكتب، بل مساحة ثقافية متكاملة تُراهن على الفكرة والحوار بقدر ما تحتفي بالكتاب نفسه، و ارتباط المعرض بالمكتبة وبالمدينة في آن واحد منحه خصوصية واضحة، حيث انعكس ذلك على طبيعة برامجه، وانتقاء ضيوفه، واهتمامه بالندوات والحوارات الفكرية والأنشطة المصاحبة.
من خلال مشاركتي في تنظيم وإدارة الفعاليات، كان هناك حرص دائم على أن يعكس المعرض تنوّع المشهد الثقافي العربي، وأن يفتح المجال أمام أصوات مختلفة، من كتّاب مخضرمين إلى تجارب شابة، ومن قضايا أدبية خالصة إلى أسئلة فكرية واجتماعية معاصرة.
كما أن العلاقة المباشرة مع جمهور الإسكندرية، بطابعه المتنوع والمثقف، أعطت المعرض روحًا خاصة، وجعلته أقرب إلى تظاهرة ثقافية شعبية راقية، لا حدثًا نخبويًا مغلقًا.
في رأيي، تميّز المعرض الحقيقي كان في قدرته على الجمع بين التنظيم المؤسسي الجاد، والروح الثقافية الحية، بحيث يخرج الزائر وهو يشعر أنه شارك في تجربة معرفية، لا مجرد جولة بين أجنحة كتب.
في كتابك «غاوي سفر» تمزج بين الصحافة وأدب الرحلات، لماذا اخترت هذا الشكل؟
- اخترت هذا الشكل في كتابي غاوي سفر لأنني كنت أؤمن أن الصحافة وأدب الرحلات يلتقيان عند نقطة جوهرية واحدة: مراقبة العالم ومحاولة فهمه من الداخل.. والصحافة تمنحك أدوات الرصد والدقة والالتزام بالواقع، بينما يتيح لك أدب الرحلات مساحة أوسع للتأمل والاقتراب من التفاصيل الإنسانية التي لا تظهر دائمًا في الخبر أو التقرير.
في «غاوي سفر» لم أكن معنيًا بوصف الأماكن بقدر ما كنت مشغولًا بتجربة الإنسان داخل المكان: كيف يفكر، كيف يعيش، وكيف تؤثر الثقافة والذاكرة والتاريخ في تفاصيل الحياة اليومية. هذا المزج سمح لي بأن أقدّم نصًا يعتمد على العين الصحفية، لكنه مكتوب بروح السرد، حيث تصبح الرحلة وسيلة لاكتشاف الذات بقدر ما هي اكتشاف للآخر.
أعتقد أن هذا الشكل أقرب إليّ شخصيًا، لأنه يعكس تجربتي بين الصحافة والثقافة، ويمنح القارئ فرصة للقراءة والمعرفة، دون أن يشعر بأنه أمام نص توثيقي جاف أو أدب منفصل عن الواقع. بالنسبة لي، الرحلة كانت دائمًا سؤالًا مفتوحًا، وهذا النوع من الكتابة هو الأقرب لطرح الأسئلة لا لاكتفاء بالإجابات.
خضت تجربة الهجرة إلى كندا، لتأسيس معرضًا للكتاب في مونتريال، بل وأسست دار نشر كذلك؛ كيف بدأت الفكرة؟
لم يكن هدفي من الهجرة تأسيس معرضا للكتاب، ولكن هناك مثل يقول "الطبع يغلب"، فلم أستطع رغم تغيير المكان والطبيعة والظروف أن أتخلى عن شخصيتي وعن انتمائاتي الثقافية والصحفية، خاصة عندما اكتشفت منذ الشهور الأولى بعد هجرتي وجود فراغ ثقافي واضح لدى الجاليات العربية، خصوصًا فيما يتعلق بالكتاب العربي والفعاليات الثقافية التي تجمع بين المعرفة والهوية.
في مدينة مثل مونتريال، الغنية بالتعدد الثقافي، شعرت أن الحضور العربي ثقافيًا لا يزال أقل مما يستحقه من حيث التنظيم والاستمرارية.
من هنا بدأت فكرة تأسيس معرض الكتاب العربي في مونتريال، والذي تنظمه جمعية الخدمات العامة لإدماج المهاجرين SPDI ليس فقط كحدث لبيع الكتب، بل كمنصة ثقافية للحوار، والتلاقي، وربط القارئ العربي بالكاتب والناشر، وخلق مساحة يشعر فيها المهاجر أن لغته وثقافته حاضرتان ومُرحَّب بهما، التجربة كانت امتدادًا طبيعيًا لما اشتغلت عليه سابقًا في مصر، ولكن في سياق جديد يتطلب فهمًا مختلفًا للجمهور والواقع الثقافي.
أما تأسيس دار نشر، فجاء كخطوة مكمّلة، نابعة من الحاجة إلى دعم أصوات عربية شابة، وإتاحة الكتاب العربي في سوق يعاني من صعوبات التوزيع والانتشار.. الفكرة لم تكن تجارية بقدر ما كانت ثقافية بالأساس: كيف نحافظ على علاقتنا بالكتاب، ونمنحه فرصة للحياة خارج الجغرافيا التقليدية، وفي سياق هجرة يحتاج فيه الإنسان إلى ما يربطه بجذوره دون أن يعزله عن محيطه الجديد.
كتابك «أنا رقمي إذن أنا موجود» يلامس علاقة الإنسان بالعالم الرقمي، فهل نحن أمام هوية جديدة تتشكل بالكامل عبر الشاشات؟
- في كتابي أنا رقمي إذن أنا موجود حاولت الاقتراب من هذه العلاقة المعقّدة بين الإنسان والعالم الرقمي، ليس من زاوية تقنية، بل من زاوية إنسانية وثقافية.. نحن بالفعل أمام تحول عميق في طريقة تشكّل الهوية، حيث أصبحت الشاشات وسيطًا أساسيًا للتعبير عن الذات، وبناء العلاقات، وحتى فهم العالم من حولنا.

لكنني لا أعتقد أننا أمام هوية تُصنع بالكامل عبر الشاشات، بقدر ما نحن أمام هوية مركّبة، تتداخل فيها التجربة الواقعية مع الحضور الرقمي، والخطر لا يكمن في العالم الرقمي ذاته، بل في اختزال الإنسان داخله، وتحويله إلى رقم أو صورة أو تفاعل سريع، منفصل عن العمق الإنساني والتجربة الحقيقية.
ما حاولت طرحه في الكتاب هو سؤال الوعي: كيف نستخدم هذا العالم دون أن نذوب فيه؟ وكيف نحافظ على ذواتنا وقيمنا وخصوصيتنا في فضاء يميل بطبيعته إلى الاستهلاك السريع والتشابه؟ العالم الرقمي أداة قوية، يمكن أن تكون مساحة للمعرفة والتواصل والإبداع، إذا تعاملنا معها بوصفها امتدادًا للإنسان، لا بديلًا عنه.
في النهاية، الهوية الحقيقية لا تُبنى على الشاشة وحدها، بل في قدرتنا على الموازنة بين الحضور الرقمي والوجود الإنساني العميق، بين ما نعرضه للعالم، وما نحتفظ به لأنفسنا.
في كتابك «طيور مهاجرة» تناقش فكرة الغربة، هل هي غربة مكان أم غربة معنى؟
- في كتابي طيور مهاجرة حاولت أن أتعامل مع الغربة باعتبارها حالة مركّبة، لا يمكن اختزالها في الجغرافيا وحدها. غربة المكان هي الشكل الظاهر والأكثر وضوحًا، لكنها غالبًا ليست الأعمق. الغربة الحقيقية، في تصوري، هي غربة المعنى: أن يجد الإنسان نفسه خارج السياق، أو غير قادر على تفسير ما يدور حوله، حتى وهو يعيش وسط الآخرين.

الهجرة قد تنقل الجسد من مكان إلى آخر، لكنها تطرح أسئلة أوسع تتعلق بالانتماء، واللغة، والذاكرة، وإعادة تعريف الذات، في «طيور مهاجرة» حاولت أن أقترب من هذه الأسئلة من خلال التجربة الإنسانية، حيث يتحول المكان الجديد إلى مرآة نرى فيها أنفسنا بشكل مختلف، أحيانًا أوضح، وأحيانًا أكثر إرباكًا.
أعتقد أن الغربة ليست دائمًا حالة سلبية، فهي في كثير من الأحيان لحظة وعي، تُجبر الإنسان على إعادة التفكير في مسلّماته، وفي علاقته بذاته وبالعالم. لذلك، فهي ليست غربة مكان أو معنى فقط، بل رحلة بحث مستمرة عن توازن جديد بين ما نحمله معنا، وما نتعلّمه في الطريق.
وإذا تتبعت إصداراتي ستجد أني أبحث عن هذا المعنى وأقدمه بشكل كبير ومتنوع، بداية من كتاب "غاوي سفر"، ثم "طيور مهاجرة" وبعده "رسائل من الشاطئ الآخر" بالاشتراك مع الصديقة العزيزة د. دلال مقاري باوش، و"أنا رقمي إذن أنا موجود"، وأخيرا الكتاب الخامس الذي صدر منذ شهر تقريبا، وهو بعنوان "حكايات من بلاد القيقب" وأحكي فيه عن بعض ملامح تجربتي بكندا.
ورغم اختلاف العناوين والموضوعات، إلا أن هناك خطا ثابتا يربط كل هذه الإصدارات مع بعض، الغربة، والسفر، واختلاف الثقافات وتنوعها، هويتنا التي نبحث عنها.
من واقع تجربتك في مونتريال، ماذا تقول لأي مهاجر عربي يحاول أن يحافظ على هويته الثقافية؟
- من واقع تجربتي في مونتريال، أقول لأي مهاجر عربي إن الحفاظ على الهوية الثقافية لا يعني الانغلاق أو العيش في الماضي، بل يعني امتلاك جذور واضحة وأنت تتقدم للأمام. اللغة، والكتاب، والذاكرة الثقافية ليست أعباء نحملها معنا، بل أدوات توازن تساعدنا على فهم أنفسنا والتفاعل بثقة مع المجتمع الجديد.
الاندماج الحقيقي لا يتناقض مع الهوية، بل يكتمل بها، حين يعرف الإنسان من هو، ومن أين جاء، يصبح أكثر قدرة على الحوار والانفتاح والتعلّم. التجربة علمتني أن الثقافة ليست شعارات، بل ممارسة يومية: قراءة، مشاركة في الفعاليات، تربية الأبناء على طرح الأسئلة، والانفتاح على ثقافات الآخرين من موقع الندية لا الذوبان.
وأعتقد أن المسؤولية هنا فردية وجماعية في الوقت نفسه، كل مبادرة ثقافية، مهما بدت صغيرة، تصنع فرقًا حقيقيًا، وتمنح الجيل الجديد فرصة لأن يكون عربيًا وكنديًا في آن واحد، دون صراع أو تناقض. الهوية الحية هي التي تتجدد، لا التي تتجمد، وتظل قادرة على الحوار مع العالم من حولها بثقة ووعي.
عملك في تدريب طلاب الإعلام، ماذا يعني لك؟
- العمل في تدريب طلاب الإعلام يعني لي الكثير، لأنه يمثّل انتقال التجربة من إطارها الفردي إلى بعدها الجماعي، أنا أؤمن أن الصحافة والإعلام لا يُتعلّمان فقط من الكتب، بل من الاحتكاك المباشر بالتجربة، وبالأسئلة الأخلاقية والمهنية التي يفرضها الواقع اليومي.
في التدريب، لا أتعامل مع الطلاب باعتبارهم متلقّين للمعلومة، بل شركاء في النقاش والتفكير، و ما يهمني هو مساعدتهم على بناء وعي نقدي، وفهم مسؤولية الكلمة والصورة، قبل إتقان الأدوات التقنية، و الإعلامي في رأيي ليس مجرد ناقل للمحتوى، بل صاحب موقف، ووعي، وقدرة على التمييز بين ما هو مهني وما هو سهل أو رائج.
على المستوى الشخصي، هذا العمل يمنحني طاقة متجددة، لأن الاحتكاك بالأجيال الجديدة يُجبرك دائمًا على إعادة طرح الأسئلة، ومراجعة المسلّمات، والبقاء في حالة تعلّم مستمر، وربما هذا هو المعنى الأعمق للتدريب بالنسبة لي: أن تتعلّم وأنت تُعلِّم، وأن تساهم في تكوين جيل أكثر وعيًا بدور الإعلام، وأشدّ احترامًا لقيمه ومسؤوليته تجاه المجتمع.



