الكاتبة اللبنانية غادة كلش: رمضان مساحة للتأمل وصياغة الشذرات الأدبية|حوار
غادة كلش لـ"إيجبتك":
رمضان يمنحني فرصة امتثال أوامر الله ويغمر كتابتي بالتأمل
الصيام جُنّة.. وسورة المُلك رفيقة ليالي رمضان
بصمتي في المطبخ حساء الدجاج بالبقدونس
يأتي شهر رمضان كل عام محملًا بأجواء روحانية خاصة، وللمبدعين على اختلاف مجالاتهم علاقة فريدة مع هذا الشهر؛ ويجد كثير منهم في أجوائه فرصة للهدوء الداخلي واستلهام الأفكار والعودة إلى منابع الروح، فتنعكس تلك الحالة على كتاباتهم وإبداعاتهم الأدبية، وتتخذ طقوس رمضان لدى الكتّاب طابعًا شخصيًا لكل كاتب.
ومن بين تلك الأصوات الأدبية التي ارتبطت كتاباتها بالتأمل الفكري والخواطر العميقة، تبرز الكاتبة والصحفية اللبنانية غادة علي كلش، عضو في اتحاد الكتاب اللبنانيين، التي امتهنت الصحافة لأكثر من ثلاثين عامًا، عملت خلالها في مجلة "الكفاح العربي" لمدة عشرين عامًا ضمن القسم الثقافي.
وفي هذا الحوار الخاص مع "إيجبتك"، نغوص مع “غادة كلش” حول طقوسها الرمضانية، وعلاقة الشهر الكريم بإبداعها الأدبي، وأبرز ذكرياتها معه منذ الطفولة، كل هذا وأكثر عبر الحوار التالي:
ماذا يمثّل لكِ رمضان.. وكيف تؤثر أجواؤه على كتابتِك المختلفة؟
- شهر رمضان بالنسبة إلي يمنحني فرصة امتثالي لأوامر الله عز وجل في الصيام، واتِّباع سُنَن سيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام بممارسات سائر العبادات فيه، من الإفطار على تمرة أو ماء، إلى السّحورالمبارك، ومن الصلوات الخمس المفروضة، إلى صلاة التّراويح للذي ليس عليه قضاء الفرض.
لطالما أفرحني صيامي لأنه يمثل إيماني، وكان الفرح يزداد كلما اقترب موعد آذان المغرب، فلا شك في أن الطعام والشراب يشكلان متعة، خصوصًا للصّائم الذي يُمسك عنهما من الفجر إلى المغرب طاعة لله تعالى.
بالنسبة إلى كتاباتي الأدبية، فمعظم كتبي تتضمّن إلى جانب النصوص، الشذرات القصيرة أو ما يسمّى الخاطرة، لذلك أعتمد على تأليف العبارات التي فيها حكمة وعبرة، وشهر رمضان أجواؤه تمدني بالتفكر والتأمل، فأكتب ما يحاكيه من قبيل:"الفاجر يشيح بنظره عن الفجر، والعابِد يشيح بنظره عن الفُجور"، وهذه العبارة منشورة في كتابي الصّادر حديثًا في القاهرة تحت عنوان" مصباح الشّذرات".
أين تفضّلين الصّلاة في رمضان؟ ولماذا؟
- لا شك في أن الصلاة في المساجد في شهر رمضان المبارك، مُفضّلة أكثر، لأن الحسنات وثواب العبادات تُضاعَف في هذا الشّهر الفضيل، ولكن، كوني إمرأة لا يمكنني أن ألازم أوقات الصلاة في المسجد كما الرجل، لذلك تكون صلاتي بالأغلب في المنزل.
حين تعودين للبيت نهارًا.. هل تخلعين صفة الأديبة؟ أم تبقى هذه الصفة حاضرة على المائدة؟
- أعتقد أن الكاتب أو الشاعر يضطر دائمًا إلى الانخراط في أمور العمل والتّعامل والتفاعل والتّعاون، سواء مع الأسرة في البيت، أم مع الزملاء في العمل، أم مع المحيط الاجتماعي الخاص به، لذلك هو لا يكون في جو الكتابة ولا يشعر بصفته كاتبًا أو شاعرًا إلّا حين يختلي بنفسه.
من هو “بوصلة” يومك الرمضاني وقت الضغط؟
- البوصلة هي بالتأكيد ما وصّانا به الرّسول الأعظم عليه الصّلاة والسّلام، فأستحضر الحديث الشّريف الذي يقول فيه:"الصِّيام جُنَّة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: اللّهُمَّ إنّي صائِم"، فالصّائم يذكِّره صيامُه بالتزام الأخلاق الحسنة والصبر والتّغاضي عن الإساءة لله تعالى، ويؤسفني حال الذين يصومون ويغضبون في أغلب أوقاتهم على أساس أنّهم متوتّرون، فينكِّدون عيشة مَنْ حولهم، وقد يذهب بهم غضبهم إلى مزالق خطرة.
هل لك بصمة خاصّة في المطبخ خلال رمضان؟
يمكن القول إن البصمة الخاصة بي في الطبخ تكمن في إعداد حساء الدجاج المقطع بالبقدونس وصلصة البندورة والشّعيريّة، وطبخة الأرزّ باللّحم، وطبخة البامية، أما الحلويات التي أحبّها فليس لي مراء في تعلُّمِها وصُنعِها، لذلك نشتري منها ما نشتهي.
أين تكونين لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكرين فيه؟
- لحظة أذان المغرب أكون في البيت، وعندما كنت من الصّائمات أوّل ما كنت أفكّر فيه هو الفرح الذي كان ينتظرني: فرحة الصائم بإفطاره وفرحته عند لقاء ربِّه، كما أخبرنا بذلك سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام.
أقول كنتُ من الصائمات، لأنّني لم أعد أستطيع الصّيام كوني لدي كلية واحدة، وقد بدأتْ منذ خمسة أعوام تتأثّرأحيانًا بحصوات صغيرة تذهب بشرب المياه ولله الحمد، وأحيانا تتأثّر بالرّمل النّاعم الذي كان يذهب بشرب عصير اللّيمون بفضل الله تعالى. لذلك بتُّ أخاف على كليتي الوحيدة مع تقدّمي في العمر.
ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟
- هنالك ذكريات كثيرة في مرحلة الطفولة، خاصّة في أشْهُرِ رمضان، وأجمل ذكرى أحبّها هي عندما كانت والدتي توقظني وأنا صغيرة جدًّا، كي أتناول طعام السّحور معها ومع أبي وإخوتي الأكبر سنًّا مني الذين كانوا في مطلع صباهم يصومون، وكنت أفرح بهذا الأمر مثلما كان يسعدني سماع صوت الطبال العالي وصوت إيقاع طبلته حيث كان ينادي" يا نائم وحِّد الدّائم".
ما السورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟
- أكثر سورة أرددها كلَّ ليلة سواء في شهر رمضان أم في سائر أشهر السّنة، هي سورة المُلك، فهي المُنْجِيَة تجادل عن صاحبها في القبر، كما أخبرنا رسول الله الأعظم في حديثه الشّريف الذي رواه أبو هريرة " إنَّ في القرآنِ ثلاثينَ آيةً تستغفِرُ لصاحبِها حتى يُغفرَ له، تبارك الذي بيدِه المُلك"، وفي أمالِيِّ الحافظِ العسقلانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديثِ ابنِ عبّاسٍ رضي اللهُ عنهُما عن النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم أنه قالَ: "وددتُ أنّها في جوفِ كلِّ إنسانٍ من أمَّتِي" أي تبارك الذي بيدِه المُلك، فمن حافظَ على قراءتِها كلَّ يومٍ كان داخِلا في هذا الحديث.
موقف بسيط في رمضان علّمكِ درسًا لا يُنسى؟
- ثمّة موقف لا أنساه كان عبارة عن نقص في التفقّه بأحكام الدّين، كان ذلك من ثلاثين سنة تقريبًا، كنت أنوي على مذهب الإمام الشّافعي كلّ ليلة صيام يوم غد، وذات صباح قلت لأختي فجأة نسيت نيّة الصيام فقالت لي باضطراب وأنا كذلك، فقرّرنا الأكل والشرب في ذلك النهار جهْلًا منّا بالحكم، إذ كان ينبغي أن نمسك عن الطّعام والشّراب ونقضي هذا اليوم بعد رمضان، وأقول ذلك لأنّنا لم نكن في تلك المرحلة من عمرنا ننوي الصّيام على مذهب الإمام مالك الذي يجيز عقْد نيّة الصّيام عن الشّهر كلّه من أوّل ليل.. وهذا ما تعلّمناه بعد مدّة من الزّمن. لقد علّمني هذا الموقف درسا وجعلني أتعلّم بالتلقّي من أفواه علماء ثقات، علومًا دينيّة في العقيدة والأحكام، وذلك عملًا بحديث الرّسول الذي رواه البيهقيّ "العلم فريضة على كلّ مسلم".
ماذا عن رمضان في لبنان الحبيب ؟
- يتميز الاحتفال بشهر رمضان في لبنان، بأمور عديدة، منها أنه يقام في ليلة التماس هلال رمضان تجمع لأهالي بيروت في منطقة الروشة أمام البحر، وتقوم فرقة دينية بالانشاد الديني، وعند ثبوته تُعلق الزّينة في البيوت والطرقات وأمام المساجد، وتُلقى عصر كلّ يوم الدروس الدينيّة في المساجد والمصليات، حيث يركز المشايخ الكرام على تعليم الناس العقيدة الإسلامية من علم التوحيد والأحكام الفرعية، كذلك تُوضَّب وتُوزَّع مساعدات غذائيّة كثيرة للمحتاجين، وتقام موائد إفطار مجانيّة للفقراء، وكذلك يصار إلى إحياء سهرات تتضمّن مدائح دينيّة جميلة جدًّا.