علي النحوي: بين الكتابة وتعلم الفارسية .. هكذا ينقضي رمضان بالنسبة لي|حوار
علي النحوي لـ “إيجبتك":
الدراما المصرية شكلت ذاكرتي
أحرص على الاستماع للشيخ عبد الباسط قبيل الصبح
ليس لي طقوس اجتماعية وأؤثر العزلة
أمي الجندي المجهول ولا تغيب صورتها عني أبدًا
الحبيبة تشكل حضورًا قويًا في تجربتي الإبداعية
حاولت أن أقتحم عالم المطبخ لكنّي فشلت فشلًا ذريعًا
أول ما يخطر في بالي خلال الليل الرمضاني لحظة ذهابي إلى مزرعتي
سورة الغاشية في ذاكرتي دائمًا وأردّدها بصوت عبد الباسط
مع انقضاء أيام شهر رمضان وانطواء صفحاته، يعود الشاعر السعودي الدكتور علي النحوي ليستدعي تفاصيله الخاصة مع هذا الشهر الذي يحمل له مزيجًا فريدًا من الروحانية والتأمل والعزلة الخلاقة، حيث المزيج بين طقوس الكتابة والسهر والقراءة ومتابعة الأخبار والتطورات الحاصلة في المنطقة، فيما يحتفظ الجانب الروحي بحميميته بعيدًا عن الصخب، متكئًا على أصوات التلاوة التي شكّلت وجدانه منذ الطفولة.
ومن ذكرياته التي تتدفق، يفتح النحوي، أبواب القرية الأولى، حيث البساطة والفوانيس وأحاديث السطوح، مستعيدًا صورًا لا تزال تسكن مخيلته وتشكل جزءًا من حساسيته الشعرية، كما يكشف عن حضور المرأة في تجربته الإبداعية، وعن علاقته الخاصة بالمائدة الرمضانية التي يفضلها بسيطة، تمامًا كما يفضل أن تبقى حياته محكومة بالتأمل والديمقراطية بعيدًا عن التعقيد.
في هذا الحوار، يقترب “إيجبتك”، من عالم الشاعر السعودي الدكتور على النحوي، الإنساني والإبداعي، ونرصد كيف يصوغ رمضان ملامح يومه، وإليكم نص الحوار:
في البداية.. نريد التعرف على طقوسك في الكتابة خلال شهر رمضان والروحانيات؟
في شهر رمضان الكريم أقرأ وأكتب عادة في الليل حتّى ساعات الصّباح، ولا يقتصر نشاطي عليهما بل أتنقّل بين متابعة الأخبار، وتعلّم شيئا من اللغة الفارسية التي أحاول أن ألمّ بها، كما أحرص على متابعة فيلم وثائقي وسينمائي، بالإضافة إلى الاستماع لحوار ثقافيّ أو سياسي.
وبالنّسبة للجانب الرّوحاني فلا يتجاوز منزلي وأحرص على الاستماع للشّيخ عبد الباسط عبد الصّمد كلّ يوم قبيل الصّبح، وليس لي طقوس اجتماعية حيث أؤثر العزلة ولا يكسرها سوى بعض اللقاءات بالأهل وبعض الأصدقاء.
ومن هو الشخص (الجندي المجهول) الذي يعتبر "بوصلة" يومك الرمضاني وتلجأ إليه حين تشتد ضغوط العمل مع الصيام؟
أمّي رحمها الله لا تغيب عنّي أبدًا، وأكاد ألجأ إليها بعد الله كلّما اشتدّ بي أمر أو شعرت بتعب، إذ أعود حينها طفلًا صغيرًا يلوذ بصدرها ويستشعر كفّها الرّحيمة تمرّ على رأسه.
لكن لا أخفيك سرّا إنّ المرأة (الحبيبة) تشكل حضورًا مهما في حياتي وفي تجربتي الإبداعية وفي تفاصيل حياتي وثقافتي وتفكيري، وكلّ من يقرأ أعمالي الشّعرية سيلاحظ ذلك.
هل تدخل المطبخ للمساعدة أم بدافع "الفضول الرقابي" فقط؟
بالنّسبة للمطبخ حاولت أن أقتحم عالمه لكنّي فشلت فشلًا ذريعا للأسف.
ما هي الصورة "الأبيض وأسود" التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟ وكيف تحاول استعادتها لأبنائك وأحفادك اليوم؟
هذا السّؤال أعاد لي حشدًا من الذّكريات، فأنا ابن قرية وقد عشت طفولتي المبكرة في بيت فلاحيّ، وكانت الحياة بسيطة جدا جدًا، إذ كنا نستضيء بالفوانيس والقمر، وكنّا ننام فوق السّطوح، وكنّا نشرب اللبن من البقرة التي تعيش معنا في المنزل، وغير ذلك مما قد يعيشه أبناء القرية آنذاك.
وعلى ذكر الأبيض والأسود فلن يغيب عن ذاكرتي دخول التّلفزيون لبيوتنا حينها وهنا أسترجع مسلسل " درب الزلق “لعبدالحسين عبدالرضا، وبعض المسلسلات المصرية مثل مسلسل " الضّباب " التي تعلمت منها أولى أبجديات الحبّ، وهنا أريد التأكيد على أثر الثقافة المصرية في تكويني وثقافتي.
كيف تخلع الأديب أو الشاعر؟ وهل تفرض قوانينك الخاصة نفسها على مائدة الإفطار أم أن "ديمقراطية البيت" هي الغالبة؟
في الحقيقة لا أستطيع أن أتجرد من الأديب الشّاعر بي ويكاد يحتلني احتلالًا كاملًا، إذ أراني في حالة تأمل دائم؛ لالتقاط اللحظات الشّعريّة لتحويلها فيما بعد لفكرة فنية، الخلاص من المبدع لديّ غير ممكن أبدًا، والتّوقف عن الكتابة شبه مستحيل، وإذا كان ذلك فإنّني أكون في حالة استنفار قرائي أو تأملي لإنجاز نصّ جديد.
ما يرتبط بمائدة الإفطار فإنّي أفضل " إفطار البسطاء الفقراء " وهذا الأمر تعودته من سنوات؛ فلست ممن يمدّ بساطا طويلا للإفطار بل أكتفي بوجبة بسيطة، وفي كل الأحوال لا أفرض قوانيني على وجبة الإفطار ولا غيرها بل أعتمد الديموقراطية المفرطة.
ما هي أول فكرة تخطر في بالك؟ وما هو أول شيء تتناوله؟
لا أكاد أشعر بالوقت وهو يمرّ، ولا أتوقف كثيرًا عند الفواصل الزّمنية إلا بقدر ما تمنحني من روحانية أو انتقالات مكانية.
بالنسبة للأكل فإنّي أبدأ بالتّمر وكما تعرفين فالأحساء بلد أجود التّمور، أما الأكلات فإني تقليديّ في الأكل وأحبّ الوجبات الّتي كنت أتناولها مع والدتي رحمها الله كالثّريد والهريس والسّمبوسة واللقيمات.
أما أول ما يخطر في بالي حينما يدخل الليل الرمضاني فهو اللحظة التي سأغادر فيها منزلي إلى مزرعتي، فقد تعودت أن أقضي ليل رمضان في مزرعتي الّتي تمثل مجلسي الذي أتردد عليه وأستقبل فيه ضيوفي، كما إني من محبّي " الشّيشة " فلا أكاد أصل إلى هناك حتّى أعدّها وأتسامر معها.
ما هي السورة القرآنية أو النص الأدبي الذي تمنحك قراءته في رمضان طاقة نفسية خاصة؟
سبق وأشرت إلى تعلقي بالشّيخ عبد الباسط عبد الصّمد، ربّما لأنّي كنت أسمع صوته في إذاعة مدرستي الابتدائية كلّ يوم، حيث كان صوته يملأ ربوع القرية عبر مكبرات الصوت.
سورة الغاشية هي الّتي تتردّد في ذاكرتي دائمًا وأردّدها بصوت عبد الباسط، أمّا بالنّسبة للنّصوص الشّعرية فقد تكون يتيمة ابن زريق البغدادي (لا تعذليه) وبعض نصوص الغزل مما يتردّد في ذاكرتي، وهنا أود الإشارة إلى إنّي أحبّ الاستماع إلى النّصوص الشّعرية الغزلية مغناة، وقد كتبت مرة إنّ خير من غنّى النّصوص العربية الفصيحة المرأة وكمثال على ذلك الفنانة فدوى المالكي والفنانة آمال ماهر وغيرهما.
ما هو الموقف البسيط الذي صادفك في نهار رمضان (في الشارع أو العمل) وعلمك درساً في الحياة لم تجده في أمهات الكتب أو اللوائح الإدارية؟
المواقف الإنسانية الّتي شاهدتها في نهار رمضان كثيرة، لكن دعيني هنا أشيد بكل بائع أو بائعة بسيطة في القاهرة يمرّ به متقمّص لشخصية عابر السّبيل أو المحتاج الذي يطلب الفطور معه أو إعطائه شيئا بسيطا ليفطر به " هذه المشاهد رأيتها عبر اليوتيوب " فيقاسمه لقمة عيشه أو يشتري له وجبة، صدقيني هذه المشاهد رفعت من حسّي الإنساني وأبكتني، وقلت في نفسي " لسا في الدّنيا خير ".
أما على المستوى الشخصي فأستعيد شخصية " خالي صالح " الرّجل الكفيف الّذي كان يجيء لمنزلنا في رمضان قبل المغرب فأصغي إلى حكاياته الشّعبية الّتي أوقدت أولى فتائل الخيال عندي والّذي كان يعمل صباحا في مزرعتنا وكأنه يقول لا أريد أن يتصدّق عليّ أحد، ذلك ما لا أستطيع أن أنساه، كما أرجو أن أحوّل قصته إلى عمل روائي أو درامي أتمنى أن أوفق فيه.





