المترجمة سلوى جودة: رمضان يصفي لغتي ويقود شعري نحو التكثيف والتصوف|حوار
سلوى جودة لـ"إيجبتك":
الصيام ينقي الكلمات من الزوائد ويكشف جوهر المعنى
أميل إلى لغة شعرية أكثر صفاءً وروحانية في رمضان
الصلاة في غرفة مفتوحة على السماء تمنحني سكينة خاصة
العين تفطر على الجمال قبل الفم في تفاصيل يومي
فانوس رمضان والتجمعات العائلية جزء من بهجة الشهر
شاعرة ومترجمة دولية، تلقت تعليمها بجامعة عين شمس وبجامعة كاليفورنيا بسان برناردينو بالولايات المتحدة الأمريكية، ترجمت لمئات الشعراء والأدباء العرب من المحيط الى الخليج ولها عشرات المجموعات الشعرية المترجمة التي نشرت دوليا عبر دور نشر ومجلات عالمية كبرى واستطاعت أن تفتح نوافذ دولية للشعر والأدب العربي مترجمًا ويعتبر هذا الإنجاز رسالتها الثقافية فالترجمة بالنسبة لها هي محاولة للعبور الحريري إلى الآخر ومحاربة للخفوت الثقافي والنسيان.
وبخبرتها الأكاديمية الراسخة وتجربتها الثرية سواء من خلال عملها في جامعة عين شمس، وترجمتها لمئات الشعراء والكتّاب العرب، تقود مشروعًا ثقافيًا طموحًا لنقل الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية، إيمانًا منها بأن الترجمة ليست مجرد نقل كلمات، بل "عبور حريري" نحو الآخر ومقاومة للنسيان الثقافي.
نلتقي في هذا الحوار الخاص لـ"إيجبتك"، الشاعرة والمترجمة الكبيرة الدكتورة سلوى جودة، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس؛ للدخول في عالمها الرمضاني، وتجربتها في الكتابة الشعرية والترجمة الأدبية، ودورها في الشهر الكريم بمنزلها ، وعمل جدول ثابت ليومها في رمضان؛ ومعلومات لم تفصح عنها قبل، كل ذلك في سطور الحوار التالية:
كيف تؤثر أجواء رمضان على كتابتك في الشعر وعملك في الترجمة؟
- رمضان يجعل الإيقاع الداخلي أكثر هدوءًا وتأملًا، في الشعر، أجد أن اللغة تميل إلى التكثيف والتصوف، وكأن الصيام يصفّي الكلمات من شوائبها الزائدة، وفي الترجمة، ألاحظ أنني أتعامل مع النصوص بحساسية مختلفة، أبحث عن المكافئ الروحي للكلمة، وليس فقط الدقة اللغوية.
أين تفضل الصلاة في رمضان؟ ولماذا؟
- أفضّل الصلاة في المنزل أحيانًا، وتحديدًا في غرفة مفتوحة على السماء، وأحب أن أرى تغير لون الأفق وقت المغرب وأنا أصلي؛ لكن صلاة التراويح في المسجد لها طعم آخر، خصوصًا إذا كان القارئ يجيد تجويد القرآن، فتشعر وكأن الكلمات تلامس شيئًا عميقًا في داخلك.
حين تعود للبيت نهارًا.. هل تخلع صفة الأديب؟ أم تبقى حاضرة على المائدة؟
- لا أخلعها تمامًا، لكنها تتحول، الأديب في البيت هو من يلاحظ التفاصيل الصغيرة: طريقة توزيع التمر في الطبق، رائحة الشوربة المتسللة بين الغرف، انكسار صوت أمي وهي تنادي للفطور؛ هذه التفاصيل كلها تدخل في يومياتي الكتابية.
من هو “بوصلة” يومك الرمضاني وقت الضغط؟
- في الصغر أمي، بلا منازع؛ هي من تضبط إيقاع اليوم. إذا شعرتُ بالإرهاق أو ضيق الوقت، نظرة واحدة لهدوئها وهي تدير المطبخ وتتابع مواعيد الصلاة كافية لأعيد ترتيب أولوياتي، لكن في هذه المرحلة العمرية بعدما تشعبت مسؤولياتي فإن المفكرة "الرقمية" في هاتفي، بدونها، أضيع بين مواعيد العمل، وصلاة التراويح، وزيارات العائلة، وتجهيزات الفطور، جدول زمني صارم هو ما ينقذ يومي من الفوضى.
هل لك بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟
- نعم، أنا مسؤول عن "اللمسة الأخيرة": تزيين الأطباق، وترتيب المائدة بشكل جمالي، أصرّ على أن يكون هناك تناسق في الألوان، حتى في أبسط الوجبات، أعتبر أن العين "تفطر" على الجمال قبل الفم، بالإضافة إلى إدارة الوقت والمشتريات، أنا من يخطط لقائمة أسبوعية للفطور والسحور لتجنب الهدر والفوضى اليومية في السؤال "ماذا نأكل اليوم؟.
أين تكون لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكر فيه؟
- غالبًا أكون قريبة من المطبخ، أنظر إلى الغروب، أول ما أفكر فيه: "الحمد لله الذي بلغنا هذا اليوم"، ثم تأييدي للصائمين من حولي، خصوصًا من يصوم لأول مرة.
ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟
- بالإضافة إلى شراء فانوس رمضان والتجمعات العائلية وصلاة الجماعة قبل الإلتفاف حول الطاولات العامرة فإن " المصروف" الذي كنا نأخذه من الوالد لشراء المسليات والحلوى، كان درسًا مبكرًا في إدارة الميزانية: كيف تشتري بأقل النقود أكبر قدر من السعادة.
ما السورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟
- سورة "مريم" تحديدًا، آيات حملها ووضعها تحت النخلة، وقوله تعالى: "فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا". هذا المزج بين الجهد الجسدي والطمأنينة الروحانية يمنحني شعورًا بأن التعب نفسه يمكن أن يكون عبادة إذا صاحبه يقين.
موقف بسيط في رمضان علّمك درسًا لا يُنسى؟
- المواقف كثيرة ومتعددة ، مرة وأنا صغيرة، رأيت والدي يقطع جزءًا من فطوره ويضعه في صحن منفصل، سألته: لماذا؟ قال: "لعل سائلًا يأتي، أو جارًا صائمًا وحيدًا"، لم يأتِ أحد ذلك اليوم، لكني تعلمت أن رمضان ليس فقط عن امتلاء بطوننا، بل عن استعدادنا الدائم لمشاركة ما نملك، حتى لو لم يُطلب منا، وفي مرة أخرى سمعت طفلة صغيرة في التراويح تسأل أمها: "هل الله يحبنا مثل ما نحن نحبه في رمضان؟"، ضحك الناس، لكني بكيت، أدركت أن علاقتنا بالله أصبحت موسمية، وأن الطفل هو من يفهم معنى الحب الحقيقي الثابت.



