رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يكن يوم الإثنين، الخامس عشر من سبتمبر 2025، يومًا عاديًا في تاريخ العرب، أو بمعنى أدق كان يفترض أن يكون كذلك. ففي هذا اليوم الذي انتظرته الشعوب العربية والإسلامية، اجتمع القادة والزعماء والملوك العرب في العاصمة القطرية في قمة عربية إسلامية وصفوها بالطارئة، بعد اعتداء عسكري إسرائيلي على الإمارة الخليجية انتهكت به سيادة وكرامة ليس قطر وحدها، بل الخليج والعرب بشكل عام.

ومنذ الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف اجتماعًا لحركة حماس في الدوحة، والشعوب العربية تنتظر الموقف الرسمي ونتائج القمة الطارئة، وماذا سيفعل الزعماء والقادة في مواجهة هذه العنجهية الصهيونية التي لم تعد تهتم بالقانون، ولا تراعي السيادة، ولا تعرف الحدود.

ومن العاصمة القطرية الدوحة، نطير سريعًا إلى القدس، العاصمة المزعومة للكيان الإسرائيلي، حيث اجتمع في نفس اليوم، الاثنين 15 سبتمبر، رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في القدس، الذي سارع، بتكليف من الرئيس الأمريكي، للتوجه إلى إسرائيل لإعلان الدعم والتأييد الأمريكي لسياسات إسرائيل وعربدتها في المنطقة، في رسالة ربما لم يفهمها العرب.

وخلال اجتماعه مع الوزير الأمريكي، لم يبد نتنياهو ندَمًا على استهداف وانتهاك سيادة دولة عربية حليفة استراتيجية لواشنطن، بل تعهد بإعادة استهدافها مرة أخرى. وتمادى رئيس الوزراء الإسرائيلي في عنجهيته وتحديه للقادة والزعماء العرب والمسلمين وقمتهم الطارئة بالدوحة، ليعلن بكل وضوح، لا مواربة فيه، أن إسرائيل ستهاجم وتلاحق قادة حماس في أي دولة أيا كانت، في رسالة جديدة، أو بمعنى أدق، تهديد جديد، لكنه لم يصل إلى أسماع العرب.

بالعودة إلى الدوحة، حيث اجتماع القادة والزعماء الذي انتظرته الشعوب العربية والإسلامية، اكتفى البيان الختامي، شأن كل بيانات القمم العربية، بالكلمات الرنانة والدعوات الدبلوماسية، دون التطرق لإجراءات فعلية في مواجهة ما ترتكبه إسرائيل من جرائم قتل وتجويع في غزة، أو انتهاك سيادة وتهديدات في قطر، أو احتلال أراضٍ وفرض وصاية، وتدخل عسكري في سوريا ولبنان واليمن.

وبحسب ما جاء في البيان الختامي، فقد اكتفت القمة العربية والإسلامية الطارئة بدعوة الدول "العربية والإسلامية" إلى مراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل، بجانب دعوة نفس الدول إلى اتخاذ كافة التدابير القانونية لمنع إسرائيل من مواصلة أعمالها ضد الشعب الفلسطيني، وهو طلب متكرر في كل قمة، في ظل أن ما وصفه البيان بالأعمال والجرائم المستمرة منذ 712 يومًا متصلة، تعددت فيها القمم العربية والعواصم التي استضافتها، ولكن بقي البيان الختامي متشابهًا في فكرته، وإن اختلفت ألفاظه.

كما دعا البيان أيضًا إلى فرض العقوبات على إسرائيل، وتعليق تزويدها بالأسلحة والذخائر والمواد العسكرية، أو نقلها أو عبورها، ومراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها.

ورغم ما يمكن وصفه بفداحة الهجوم الإسرائيلي على قطر وخطورته، إلا أن البيان اكتفى بعبارات لا تسمن ولا تغني من جوع، واصفًا إياه بأنه "لا ينتهك سيادة قطر فحسب، بل يقوّض أيضًا عمليات الوساطة وصنع السلام، وتتحمل إسرائيل التبعات الكاملة لهذا الاعتداء". وكأن إسرائيل التي يهدد رئيس وزرائها باستهداف قطر مرة أخرى، أو أي دولة عربية، دولة تبحث عن سلام أو تريده !!

اكتفى البيان الختامي بمجرد دعوات لم تدخل حيز الفعل، رغم امتلاك الدول العربية والإسلامية لذلك، بحكم ما تمتلكه من قدرات وموارد تجعلها قادرة على إلزام المجتمع الدولي بمواجهة الاحتلال ومحاكمة قادته. ولكن يبدو أن امتلاك الموارد لا يكفي في ظل غياب الإرادة السياسية المتحررة من أي قيود أو ضغوط أو مصالح.

الرد الإسرائيلي على البيان العربي لم يتأخر كثيرًا، فلم تمض سوى ساعات الليل، ليعلن نتنياهو صباح اليوم التالي، الثلاثاء، بدء العملية البرية لاحتلال مدينة غزة وتهجير ما تبقى من سكان القطاع، في رسالة تحد جديدة اعتاد العرب سماعها وتجاهلها دون إدراك لخطورتها وأهدافها.

كما تحد وزير الدفاع الإسرائيلي العرب شعوبًا وقبائل زعماء وقادة أمراء وملوك، ليعلن بكل صلف وإرهاب أن "غزة تحترق"، وأن العملية العسكرية ستستمر حتى تهجير الفلسطينيين والقضاء على حركة حماس وتحرير الرهائن، وهو أمر فشلت فيه حكومة نتنياهو على مدار عامين، ما يعني استمرار الحرب لشهور أخرى وفق تقديرات إسرائيلية.

وفي الختام، نذكر القادة والزعماء أن نتنياهو، الذي تحدث منذ أسابيع عن حلمه الكبير في تحقيق إمبراطورية إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، والتي تمتد لتشمل أراضي دول عربية لتصبح جزءًا من الإمبراطورية الصهيونية المزعومة، ولم يجد ردًا حاسمًا يردعه، بل مجرد بيانات تشجب وتدين وتستفسر، أعاد أمس الحديث عن رؤيته لإسرائيل ومستقبلها، ليفاجأ الجميع باستدعاء نموذج إسبرطة اليونانية، التي انتهت في القرن الرابع قبل الميلاد، كنموذج لما يجب أن تمارسه إسرائيل في مواجهة دول الجوار المعادية لها.

إسبرطة، كما تتحدث عنها المصادر التاريخية، كانت ضمن الدولة اليونانية القديمة الواقعة في جنوب شرق شبه جزيرة بيلوبونيز، وعرفت بنظامها العسكري الصارم ومجتمعها الذي جعل من كل مواطن جنديًا منذ الطفولة.

واشتهرت إسبرطة بنظامها العسكري، وخاضت حروبًا طويلة مع جيرانها، وعلى رأسهم أثينا، التي دخلت معها حربًا طاحنة استمرت ربع قرن، عرفت بالحرب البيلوبونيسية.

وما بين إسبرطة التي تحارب الجميع، وحلم إمبراطورية النيل إلى الفرات، ورسائل التهديد باستهداف وانتهاك سيادة الدول العربية والإسلامية بمزاعم واهية، يواصل نتنياهو توجيه رسائله للدول العربية، ولكن يبدو أن لا أحد يسمع أو يفهم، وصدق من قال: "لقد أسمعت لو ناديت حيا، ولكن لا حياة لمن تنادي."

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء