رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«الوزارة تقول انتظام».. والسناتر كاملة العدد.. الطلاب حائرون|خاص

وزير التربية والتعليم
وزير التربية والتعليم

مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد 2026/2027، تضع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني ملف إعادة الانضباط والانتظام إلى المدارس في مقدمة أولوياتها، في محاولة لاستعادة الدور الحقيقي للمدرسة في العملية التعليمية، والحد من اعتماد الطلاب وأولياء الأمور على الدروس الخصوصية ومراكز الدروس «السناتر».


وتأتي تحركات الوزارة في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة التعليم، خاصة مع استمرار شكاوى أولياء الأمور من كثافات الفصول، ونقص بعض المعلمين، وتفاوت مستوى الخدمات التعليمية بين المدارس، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الدروس الخصوصية التي أصبحت تمثل عبئاً متزايداً على ميزانيات الأسر المصرية.


وتؤكد الوزارة أن العام الدراسي الجديد سيشهد إجراءات أكثر صرامة لضمان انتظام الطلاب داخل المدارس، وتشديد الرقابة على الامتحانات، وتطبيق منظومة تقييم مستمرة للطلاب، بما يعيد للمدرسة مكانتها ويجعل الحضور الفعلي جزءاً أساسياً من عملية التعلم.


لكن في المقابل، يبدو أن قطاعاً كبيراً من أولياء الأمور لا يزال يتعامل مع مراكز الدروس الخصوصية باعتبارها «الضمانة الأخيرة» للحصول على الدرجات، وهو ما يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل تستطيع المدرسة بالفعل استعادة الطالب من السنتر؟


الوزارة: عودة الطالب إلى المدرسة أولوية


تراهن وزارة التربية والتعليم على مجموعة من الإجراءات لإعادة الانتظام إلى المدارس، يأتي في مقدمتها تشديد متابعة الحضور والغياب، وتفعيل لوائح الانضباط، إلى جانب تطبيق آليات تقييم مستمرة للطلاب.


وتستهدف هذه الإجراءات تغيير نمط تعامل الطالب مع المدرسة، بحيث لا يصبح الحضور مرتبطاً فقط بفترة الامتحانات، وإنما جزءاً أساسياً من العملية التعليمية طوال العام.


كما تراهن الوزارة على تطوير أساليب التقييم، بحيث يتم قياس مستوى الطالب بصورة مستمرة، بدلاً من تركيز العملية التعليمية بالكامل على امتحان نهاية الفصل الدراسي.


وترى الوزارة أن التقييم المستمر يمنح المعلم فرصة للتعرف على نقاط القوة والضعف لدى كل طالب، كما يسمح بالتدخل مبكراً لعلاج جوانب القصور قبل تراكمها.


«لا غش».. رسالة الوزارة قبل العام الجديد


ويحتل ملف مواجهة الغش وتسريب الامتحانات موقعاً متقدماً في خطة الوزارة، خصوصاً بعد أن أصبح الغش الإلكتروني أحد أبرز التحديات التي تواجه منظومة الامتحانات خلال السنوات الأخيرة.


وتتجه الوزارة إلى استمرار تشديد الرقابة داخل اللجان، واتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه محاولات الإخلال بسير الامتحانات أو استخدام وسائل إلكترونية غير مسموح بها.


والهدف لا يتعلق فقط بمنع الغش، وإنما بإعادة الثقة إلى الامتحانات نفسها، وإقناع الطالب وولي الأمر بأن الدرجة التي يحصل عليها تعكس مستواه الحقيقي.


إلا أن مواجهة الغش وحدها لا تكفي، بحسب خبراء، إذا ظلت أسباب اللجوء إلى الدروس الخصوصية قائمة.


التقييمات الأسبوعية.. إصلاح أم عبء جديد؟


من أبرز الملفات التي تفرض نفسها مع بداية العام الدراسي الجديد ملف التقييمات الأسبوعية والاختبارات الدورية.


فالوزارة تنظر إليها باعتبارها أداة لقياس مدى استيعاب الطالب للمنهج بصورة مستمرة، بينما يخشى بعض أولياء الأمور من تحولها إلى مصدر جديد للضغط على الطلاب، خاصة إذا لم تتوافر بيئة مدرسية مناسبة للتعلم.


ويقول خبراء إن نجاح التقييمات لا يتوقف على كثرتها، وإنما على طبيعتها ومدى ارتباطها بما يتم تدريسه فعلياً داخل الفصل.


فإذا كانت التقييمات تعتمد على الفهم والتطبيق، وتساعد المعلم على اكتشاف المشكلات التعليمية مبكراً، فإنها يمكن أن تكون أداة فعالة لتحسين مستوى الطلاب.
أما إذا تحولت إلى مجرد اختبارات متكررة بهدف تسجيل الدرجات، فقد تزيد من الأعباء دون أن تحقق الهدف الأساسي منها.


جولة ميدانية تكشف وجهاً آخر


وبينما تتحدث الوزارة عن عودة الانضباط، لا تزال هناك شكاوى ميدانية من واقع المدارس الحكومية، خاصة فيما يتعلق بتجهيزات الفصول وكثافة الطلاب ونقص المعلمين في بعض التخصصات.


ففي عدد من المدارس، لا تزال بعض الفصول بحاجة إلى صيانة أو استبدال أثاث، فيما تمثل الكثافات المرتفعة تحدياً أمام قدرة المعلم على تقديم شرح فردي للطلاب.


ويقول محمد. ع، أحد أولياء الأمور بمنطقة سفت اللبن في الجيزة:«الوزارة بتقول انتظام، بس إحنا عايزين نشوف الانتظام على الأرض. بنودي أولادنا المدرسة، وأحياناً بيرجعوا من غير ما ياخدوا شرح كفاية. في النهاية بنضطر نوديهم السنتر».


ولا تتوقف المشكلة عند التجهيزات، وإنما تمتد إلى مستوى الخدمة التعليمية نفسها، بحسب شكاوى بعض أولياء الأمور.


فولي الأمر يريد معلماً متواجداً بانتظام، وشرحاً واضحاً، وواجبات ومراجعات، ومتابعة لمستوى ابنه، وهو ما يجعل المقارنة بين المدرسة والسنتر أمراً حتمياً في ذهن الأسرة.


السناتر تستعد قبل المدارس


في المقابل، يبدو أن مراكز الدروس الخصوصية بدأت استعداداتها مبكراً لاستقبال الطلاب.


فمع اقتراب الدراسة، تشهد بعض المناطق إقبالاً متزايداً من أولياء الأمور الراغبين في حجز أماكن لأبنائهم، خاصة طلاب الشهادات العامة والصفوف التي ترتبط بنتائجها بتحديد المسار التعليمي للطالب.


ويؤكد أولياء أمور أن الحجز المبكر أصبح بالنسبة لهم ضرورة، خوفاً من اكتمال المجموعات في بعض السناتر أو اضطرار أبنائهم إلى الالتحاق بمواعيد غير مناسبة.


وتقول أم يوسف، ولية أمر لطالب بالصف الثالث الإعدادي:«بندفع مبالغ كبيرة في المادة، لكن بنعمل كده عشان خايفين على مستقبل أولادنا. لو المدرسة قدرت تقدم نفس المستوى، أكيد مش هنحتاج السنتر».


وتكشف هذه الشهادة عن جوهر الأزمة: ولي الأمر لا يبحث بالضرورة عن السنتر لذاته، وإنما يبحث عن نتيجة يثق في إمكانية الحصول عليها.


فاتورة الدروس.. عبء جديد على الأسرة


ومع ارتفاع أسعار الخدمات التعليمية الخاصة، أصبحت الدروس الخصوصية بنداً ثابتاً في ميزانية الكثير من الأسر.


فبعض أولياء الأمور لا يدفعون فقط مقابل الحصة، وإنما يتحملون أيضاً تكاليف المواصلات والكتب والمذكرات والمراجعات والاختبارات.


وفي بعض الحالات، يمتد اعتماد الطالب على الدروس إلى معظم المواد الدراسية، الأمر الذي يحول التعليم الإضافي من خيار إلى ضرورة من وجهة نظر الأسرة.


وهنا تظهر المفارقة:الدولة تنفق على المدرسة باعتبارها المؤسسة التعليمية الأساسية، بينما تنفق الأسرة مرة أخرى على السنتر للحصول على الخدمة التي ترى أنها تحتاج إليها.


لماذا يذهب الطالب إلى السنتر؟


يرى متخصصون أن أسباب انتشار الدروس الخصوصية لا يمكن اختزالها في ضعف المدرسة فقط.


فهناك عوامل متعددة، من بينها رغبة الطالب في الحصول على مراجعة مستمرة، وخوف الأسرة من انخفاض درجاته، وضغط المنافسة على المجموع، بالإضافة إلى اعتقاد سائد لدى بعض الأسر بأن «السنتر يعرف الامتحان».


كما تلعب كثافات الفصول دوراً في هذه المعادلة،فعندما يجد المعلم نفسه أمام عدد كبير من الطلاب، يصبح من الصعب أحياناً تقديم متابعة فردية لكل طالب، بينما يوفر السنتر مجموعات أصغر في بعض الحالات، مع تكثيف المراجعات والاختبارات.


خبراء: لا تحاربوا السناتر.. نافسوها


ويؤكد الدكتور أحمد عبد الرحمن، أستاذ المناهج، أن مواجهة الدروس الخصوصية لا يمكن أن تتم بالقرارات الإدارية وحدها.
ويقول:«التقييمات الأسبوعية ومنع الغش خطوات مهمة، لكنها لن تكون كافية إذا لم يشعر الطالب أن المدرسة تقدم له تعليماً حقيقياً».


ويضيف أن المشكلة تبدأ عندما تكون المدرسة غير قادرة على توفير بيئة تعليمية مناسبة، قائلاً:«لو الفصل فيه أعداد كبيرة، والمعلم غير مدرب بشكل كافٍ، والتجهيزات غير مناسبة، فإن زيادة التقييمات قد تتحول إلى ضغط إضافي على الطالب وولي الأمر».


ويشدد على أن استعادة الطالب من السنتر تحتاج إلى بناء ثقة جديدة في المدرسة، وليس فقط إصدار قرارات تمنع أو تحد من الدروس.


«المدرسة لازم تقدم قيمة حقيقية»


من جانبها، ترى الدكتورة سارة نبيل، خبيرة تربوية، أن القضية في الأساس قضية ثقة.
وتوضح أن ولي الأمر يقارن بصورة مباشرة بين ما يحصل عليه ابنه داخل المدرسة وما يحصل عليه في السنتر.


وتقول:«ولي الأمر يذهب إلى المكان الذي يشعر أنه سيحقق لابنه النتيجة المطلوبة. وبالتالي، الحل الحقيقي ليس فقط محاربة السناتر، وإنما جعل المدرسة منافساً قوياً لها».
وترى أن المدرسة إذا نجحت في تقديم شرح جيد، وتقييم مستمر، ومراجعة حقيقية، ومتابعة فردية للطالب، فإن الاعتماد على الدروس الخصوصية سيتراجع بصورة طبيعية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء