رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قصة المفاعل النووي السوري.. كيف اكتشفته إسرائيل ودمرته في دير الزور؟

تعبيرية بالذكاء الاصطناعي
تعبيرية بالذكاء الاصطناعي

بعد نحو 19 عامًا على تدمير المفاعل النووي السوري في دير الزور، عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت لكشف كواليس واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية سرية في تاريخ إسرائيل، متحدثًا عن سباق بين الاستخبارات الإسرائيلية ومحاولات النظام السوري إخفاء المشروع النووي. 

ويقول أولمرت إن الرئيس السوري السابق بشار الأسد حاول خداعه وإخفاء حقيقة المفاعل، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يروي أن النتيجة انتهت بعكس ذلك، بعدما تمكن هو من كشف ما وصفه بالمشروع السري وتوجيه الضربة التي دمرت المنشأة عام 2007. 

ضابطة إسرائيلية

وبينما بدأت القصة بشكوك داخل أجهزة الاستخبارات وضابطة شابة رفضت التخلي عن تقديراتها رغم تشكيك رؤسائها، انتهت بصور استخباراتية حاسمة وقرار إسرائيلي بالقضاء على المنشأة، في عملية ظلت تفاصيلها طي الكتمان لسنوات.

عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت إلى تفاصيل العملية التي انتهت بتدمير المفاعل النووي السوري في منطقة ديرالزورعام 2007، كاشفًا كواليس جديدة عن رحلة اكتشاف المنشأة السرية، ودور ضابطة شابة في الموساد أصرت على وجود نشاط نووي سوري رغم تشكيك رؤسائها.

وبالتزامن مع صدور كتابه الجديد «أريزونا كلنا»، تحدث أولمرت عن العملية التي تعد واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية والعسكرية سرية في تاريخ إسرائيل، موضحًا أن الطريق إلى المفاعل بدأ بمعلومات متفرقة وشكوك داخل أجهزة الاستخبارات، قبل أن تتراكم الأدلة وصولًا إلى اتخاذ القرار بتدمير المنشأة.

شكوك إسرائيلية

قال أولمرت إن مؤشرات أولية بدأت تظهر في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين داخل شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وكانت تتعلق باحتمال وجود نشاط نووي في سوريا، لكنها في البداية لم تكن سوى شظايا من المعلومات وتلميحات غير حاسمة.

وأضاف أن الاهتمام الاستخباراتي الإسرائيلي والغربي بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 انصب بصورة أساسية على تنظيم القاعدة والبرنامج النووي الإيراني، مشيرًا إلى أنه، وكذلك رئيس الأركان الإسرائيلي في ذلك الوقت دان حالوتس، لم يكن على علم بوجود مفاعل نووي سوري.

لكن اكتشاف البرنامج النووي الليبي عام 2003 غيّر حسابات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، بعدما تبين أن الولايات المتحدة كانت تتفاوض مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي منذ أشهر بشأن تفكيك برنامجه النووي، دون أن تكون إسرائيل على علم بهذه الاتصالات.

ووصف أولمرت اكتشاف البرنامج الليبي بأنه صدمة للاستخبارات الإسرائيلية، إذ دفعها إلى رفع مستوى اليقظة تجاه أي نشاط نووي محتمل في الشرق الأوسط، والبحث عن صلات بين الدول التي يمكن أن تكون قد استفادت من شبكات الانتشار النووي.

عنات تبدأ البحث في الملف السوري

بحسب رواية أولمرت، بدأت ضابطة استخبارات شابة في الموساد، عُرفت باسم «عنات»، التركيز على الملف النووي السوري، رغم أن معظم زملائها كانوا يفضلون العمل على الملف الإيراني.

وبدأت عنات في جمع المعلومات المتعلقة بسوريا، لكنها واجهت تشكيكًا من رؤسائها الذين كانوا يرون أن دمشق لا تملك القدرة أو النية لإقامة برنامج نووي عسكري، وأن الموساد كان سيكتشف مثل هذا المشروع لو كان موجودًا بالفعل.

لكن هذا التشكيك دفعها إلى التعمق أكثر في الملف، والعودة إلى أرشيفات قديمة لشعبة الاستخبارات العسكرية بحثًا عن معلومات ربما لم تحظَ بالاهتمام الكافي في وقتها.

ومع استمرار البحث، بدأت عنات في جمع مؤشرات عززت اعتقادها بأن سوريا تسعى إلى تطوير قدرة نووية.

كوريا الشمالية ودير الزور

قال أولمرت إن عنات ركزت على شخص من أصل كوري شمالي كان موجودًا في سوريا، وبدأت تتبع مجموعة من الكوريين الشماليين المرتبطين به، قبل أن تخلص إلى احتمال وجود تعاون بين كوريا الشمالية وسوريا في مشروع نووي.

وكانت عنات تقدم تقييماتها بصورة متكررة، لكنها ظلت خارج سلسلة القيادة الأساسية بسبب تعارضها مع الفرضية السائدة داخل أجهزة الاستخبارات، والتي كانت تستبعد قدرة سوريا على بناء منشأة نووية عسكرية.

وبحسب رواية أولمرت، توصلت الضابطة إلى أن مجموعة من الكوريين الشماليين كانت تلتقي بإبراهيم عثمان، رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية، وأن أفرادها كانوا يتوجهون إلى مناطق في شمال سوريا، بينها منطقة دير الزور.

ورغم ظهور هذه المؤشرات، ظل بعض مسؤولي الموساد يقللون من أهميتها، ووصل الأمر، وفق رواية أولمرت، إلى وصف المواقع التي تتابعها عنات بأنها مجرد «مزارع للدجاج».

تجاوز التسلسل القيادي

لم تتراجع عنات أمام التشكيك، بل تجاوزت رؤساءها وعرضت معلوماتها على مسؤولين أعلى داخل الموساد، وهو ما أدى، بحسب أولمرت، إلى وصفها في بعض التقييمات بأنها «غير منظومية».

كما دخلت في خلافات مع رئيس قسمها، الذي اتهمها بالتركيز المفرط على الملف السوري وإهدار الوقت الذي كان من المفترض تخصيصه للبرنامج النووي الإيراني.

لكنها واصلت تقديم المعلومات، ومن بينها العلاقة التي رصدتها بين محمد سليمان، المقرب من الرئيس السوري بشار الأسد والمسؤول عن ملفات حساسة مرتبطة بإيران وحزب الله، وبين إبراهيم عثمان.

وبحلول عام 2006، بدأت الصورة تتضح بصورة أكبر، مع تكثيف مراقبة الشخصيات المرتبطة بالمشروع والمنطقة التي يُشتبه في وجود المنشأة فيها، وهو ما أدى إلى تراجع الفرضية التي استبعدت وجود نشاط نووي عسكري سوري.

مفاعل دير الزور يظهر على الخريطة

بحسب أولمرت، أظهرت متابعة الكوريين الشماليين وجودهم في شمال سوريا، حيث رصد الموساد مبنى كبيرًا بدا في ظاهره وكأنه منشأة صناعية، لكنه كان شبه مهجور.

وعُرضت صورة جوية للموقع على رئيس الموساد في ذلك الوقت مئير داغان، وأكدت عنات أنها تعتقد أن ما يحدث في الموقع هو النشاط الذي تبحث عنه منذ سنوات.

ورغم عدم اقتناع داغان الكامل في البداية، فإنه وجه مسؤولي الموساد إلى التحقق من احتمال وجود مشروع نووي عسكري مشترك بين سوريا وكوريا الشمالية.

وفي الوقت نفسه، واصلت عنات تتبع محمد سليمان وإبراهيم عثمان، وربطت تحركاتهما بالمعلومات الأخرى التي جمعتها، قبل أن تصل إلى تقدير بأن المشروع يتعلق بمفاعل نووي عسكري وليس بمنشأة لتخصيب اليورانيوم مثل تلك المرتبطة بالبرامج النووية في إيران وليبيا.

البحث عن الدليل الحاسم

أدركت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أن الشكوك وحدها لا تكفي لاتخاذ قرار عسكري، ولذلك بدأت البحث عن دليل أكثر حسمًا على طبيعة المنشأة.

وبحسب رواية أولمرت، كان إبراهيم عثمان يسافر إلى الخارج بصورة متكررة، وتمكنت عنات من إقناع رؤسائها بالموافقة على عملية لجمع معلومات عنه خلال وجوده في أوروبا.

ويقول أولمرت إن عملاء الموساد حاولوا في عمليات سابقة الوصول إلى حاسوبه، لكنهم لم يحصلوا على الدليل الذي كانوا يبحثون عنه.

وفي مارس 2007، وافق أولمرت، بصفته رئيسًا للحكومة، على عملية جديدة بعد أن عرض عليه رئيس الموساد مئير داغان ونائبه آنذاك تامير باردو خطة للحصول على معلومات حاسمة.

وبحسب الرواية التي أوردها أولمرت، كان عثمان يقيم في فندق أوروبي، وتمكن عملاء الموساد من دخول غرفته أثناء وجوده خارجها.

وقبل عودته بدقائق، لاحظت إحدى العميلات ذاكرة تخزين إلكترونية «ديسك أون كي» على طاولة داخل الغرفة، وقررت أخذها معها رغم اعتراض زملائها، وفق رواية أولمرت.

الصور تكشف حقيقة المفاعل

بعد عودة العملاء إلى إسرائيل، نُقلت المواد التي حصلوا عليها إلى أجهزة الاستخبارات لتحليلها، إلا أن فحصها تأخر عدة أيام بسبب عدم تنفيذ أحد العاملين المهمة في الوقت المحدد.

وعندما جرى فحص محتويات الذاكرة، اكتُشفت، وفق أولمرت، مجموعة كبيرة من الصور التي توثق منشأة نووية داخل سوريا.

واستُدعيت عنات إلى اجتماع ضم مسؤولين من لجنة الطاقة الذرية، وطُلب منها تفسير الصور والتأكد من أنها التقطت بالفعل داخل سوريا.

ورغم استمرار بعض الشكوك، أكدت عنات ورئيسة قسمها أن الصور توثق مشروعًا نوويًا.

وبعد مراجعة الصور من جانب خبراء ومستشارين آخرين، توصل المسؤولون إلى النتيجة نفسها، وهي أن سوريا كانت تبني مفاعلًا نوويًا عسكريًا.

من الاكتشاف إلى قرار التدمير

بعد الحصول على المعلومات الجديدة، بدأت الحكومة الإسرائيلية دراسة الخيارات المتاحة للتعامل مع المنشأة، في ظل مخاوف من أن يؤدي أي تحرك عسكري إلى اندلاع مواجهة واسعة مع سوريا.

وبحسب رواية أولمرت، كانت العملية محاطة بدرجة عالية من السرية، وكان عدد كبير من المسؤولين على علم بالمعلومات المتعلقة بالمفاعل، مع اتخاذ إجراءات لمنع تسريبها.

وأشار أولمرت إلى أن نحو 2600 شخص كانوا على علم بعمليات المراقبة المرتبطة بالمفاعل قبل الهجوم، موضحًا أنه كان يشعر بالقلق من احتمال تسرب المعلومات.

كما كشف أن بعض الاجتماعات الحساسة كانت تُعقد في منزله، بينما أجرى الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش مناقشات بشأن الملف في مقر إقامته بدلًا من المكتب البيضاوي، تجنبًا لاحتمال تسجيل الاجتماعات وتسريبها.

وفي النهاية، اتخذت إسرائيل قرارًا بتنفيذ عملية عسكرية ضد المنشأة.

غارة دير الزور

في ليلة الخامس إلى السادس من سبتمبر 2007، نفذت إسرائيل غارة جوية استهدفت المنشأة الواقعة في منطقة دير الزور، ودمرتها.

وظلت إسرائيل لسنوات تلتزم الصمت بشأن مسؤوليتها عن العملية، قبل أن تعلن رسميًا في عام 2018 أنها نفذت الغارة، مؤكدة أن الهدف كان مفاعلًا نوويًا سوريًا سريًا.

من جانبها، نفت سوريا أن تكون المنشأة مفاعلًا نوويًا، بينما خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاحقًا إلى أن الموقع كان ذا طبيعة نووية غير معلنة.

كما أشارت الوكالة إلى العثور على آثار يورانيوم في الموقع، بينما خلصت تقييمات إسرائيلية وأمريكية إلى أن المنشأة كانت مفاعلًا مصممًا بطريقة مشابهة لمفاعل يونجبيون في كوريا الشمالية.

عنات.. من التشكيك إلى الاعتراف

يقول أولمرت إن المفارقة في قصة الضابطة عنات أنها لم تحصل في البداية على التقدير الذي كانت تتوقعه بعد ظهور الأدلة التي دعمت تقييماتها.

وأضاف أن نائب رئيس قسمها واجهها بعد اكتشاف المفاعل، وقال لها إن تقييماتها كانت سيئة وإنها ركزت على أمور ثانوية بدلًا من القضايا الأساسية.

وردت عنات، بحسب رواية أولمرت، بدهشة قائلة: «أنا التي جلبت اكتشاف مفاعل نووي في سوريا.. فكيف أكون أنا المخطئة؟».

وفي النهاية، حصلت على عقد لمدة عام باعتباره فترة تجريبية، قبل أن تواصل عملها في الموساد وتتولى لاحقًا منصبًا رفيعًا.

أولمرت يستعيد كواليس العملية

يرى أولمرت أن عملية تدمير المفاعل السوري واحدة من أبرز المحطات التي ستبقى مرتبطة بفترة توليه رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

وقال إن ثلاث محطات ستظل حاضرة في الذاكرة عند الحديث عن مسيرته، هي حرب لبنان الثانية، وإدانته القضائية، وعملية تدمير المفاعل النووي السوري.

كما استعاد أولمرت حديثًا سابقًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن، الذي تحدث معه عن قرار تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981، في إطار ما أصبح يعرف بمبدأ بيغن، الذي يقوم على منع دول المنطقة من امتلاك قدرات نووية عسكرية.

وتطرق أولمرت كذلك إلى مفاوضات سابقة مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وقال إن محاولات التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا كانت تتضمن بحث قضايا مرتبطة بالجولان والترتيبات الأمنية.

وبعد نحو 19 عامًا على تدمير منشأة دير الزور، أعاد أولمرت فتح ملف العملية، مقدمًا رواية جديدة عن سلسلة الأحداث التي سبقت الغارة، من الشكوك الأولى داخل أجهزة الاستخبارات، إلى إصرار ضابطة شابة على متابعة فرضيتها، ثم الحصول على الصور التي قدمت لإسرائيل الدليل الذي كانت تبحث عنه، وصولًا إلى القرار العسكري بتدمير المنشأة عام 2007.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء