رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أبومازن والجمعية العامة «١» واشنطن صفر .. التكنولوجيا تهزم التعنت الأمريكي

الرئيس الفلسطيني
الرئيس الفلسطيني محمود عباس

منعت الولايات المتحدة الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الوصول شخصيًا إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، بعدما رفضت منحه تأشيرة دخول للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، لكن الجمعية العامة وجدت طريقًا آخر لإبقاء صوته حاضرًا داخل القاعة: التكنولوجيا.

فبدل أن تحول أزمة التأشيرة دون مشاركة الرئيس الفلسطيني في المناقشة العامة رفيعة المستوى، أقرت الجمعية العامة ترتيبات استثنائية تسمح لعباس بتوجيه كلمته إلى قادة العالم عبر تسجيل مصور، لتتحول شاشة العرض داخل قاعة الأمم المتحدة إلى بديل عن مقعد الرئيس الفلسطيني الغائب.

وبذلك أصبحت المعادلة اللافتة في أزمة هذا العام واضحة: واشنطن منعت الوصول الجغرافي إلى الأمم المتحدة، لكن الجمعية العامة منحت فلسطين وسيلة للوصول السياسي إلى القاعة.

الجمعية العامة تتدخل بعد رفض التأشيرة الأمريكية

جاء القرار بعد إعلان الولايات المتحدة رفض منح عباس وأعضاء في الوفد الفلسطيني التأشيرات اللازمة للسفر إلى نيويورك، وهو ما حال دون مشاركته شخصيًا في أعمال الجمعية العامة.

وفي 17 سبتمبر 2026، صوتت الجمعية العامة لصالح ترتيبات تسمح للرئيس الفلسطيني بإلقاء كلمته عبر تسجيل مصور، بعدما أصبح حضوره الشخصي متعذرًا بسبب القرار الأمريكي. وذكرت وكالة رويترز أن هذه هي المرة الثانية على التوالي التي يلجأ فيها عباس إلى المشاركة عبر الفيديو بعد رفض واشنطن منحه تأشيرة دخول.

وجاءت الخطوة في وقت انطلقت فيه أعمال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين في 22 سبتمبر، بمشاركة ممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة.

وبموجب الترتيبات التي أقرتها الجمعية العامة، لا يقتصر الأمر على السماح لعباس بتقديم خطاب مسجل، وإنما توفر الآلية لفلسطين إمكانية المشاركة عن بُعد في اجتماعات محددة عندما تحول قيود التأشيرة الأمريكية دون الحضور الشخصي.

ليست المرة الأولى.. التكنولوجيا أصبحت مخرجًا لأزمة التأشيرات

المشهد الحالي ليس سابقة منفردة، فقد واجهت فلسطين الأزمة نفسها في الدورة الثمانين للجمعية العامة عام 2025، ففي سبتمبرمن العام الماضي، صوتت الجمعية العامة بأغلبية 145 دولة مقابل 5 دول معارضة و6 امتناعات على قرار سمح لممثلي فلسطين بالمشاركة افتراضيًا، بعد رفض الولايات المتحدة منح عدد من المسؤولين الفلسطينيين تأشيرات دخول.

ونص القرار آنذاك على السماح لدولة فلسطين بتقديم خطاب مسجل مسبقًا للرئيس محمود عباس، ليُعرض داخل قاعة الجمعية العامة خلال المناقشة العامة. كما أتاح القرار استخدام تقنية الفيديو أو تقديم خطابات مسجلة في بعض الاجتماعات رفيعة المستوى الأخرى.

وبالفعل، خاطب عباس الجمعية العامة في 25 سبتمبر2025 عبر رابط فيديو، وظهر خطابه أمام ممثلي الدول داخل القاعة رغم وجوده خارج الولايات المتحدة.

وهكذا انتقلت الآلية من كونها إجراءً استثنائيًا في 2025 إلى وسيلة أعيد استخدامها في 2026، بعدما تكرر منع التأشيرات الأمريكية للوفد الفلسطيني.

 لماذا لجأت الجمعية العامة إلى الفيديو بدلًا من نقل الاجتماعات؟

أمام أزمة التأشيرة، كانت أمام الأمم المتحدة عدة خيارات سياسية وإجرائية، من بينها محاولة الضغط على الدولة المضيفة لإصدار التأشيرة، أو البحث عن ترتيبات بديلة لمشاركة الوفد، أو استخدام الوسائل التكنولوجية لإيصال صوت المسؤول الممنوع من السفر.

واختارت الجمعية العامة في حالة فلسطين الحل الثالث.

وهذا الخيار يحمل ميزة واضحة: فهو يسمح بإبقاء جدول الاجتماعات في نيويورك دون نقل القادة أو تغيير مكان المناقشة العامة، وفي الوقت نفسه يمنع غياب التأشيرة من التحول إلى غياب كامل للجانب الفلسطيني عن المنصة الدولية.

ومن الناحية الرمزية، فإن شاشة الفيديو أصبحت بمثابة امتداد للمنبر الأممي؛ فالرئيس الفلسطيني ليس موجودًا فعليًا في القاعة، لكنه يستطيع مخاطبة الدول الأعضاء من خلالها.

أزمة التأشيرة تتجاوز عباس إلى سؤال أوسع

وتكتسب القضية أهمية أكبر لأنها لا تتعلق بشخص الرئيس الفلسطيني وحده، وإنما تفتح نقاشًا حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، وبين المنظمة الدولية والدول والوفود المدعوة إلى اجتماعاتها.

وكانت الجمعية العامة قد استندت في قرارها السابق إلى اتفاقية مقر الأمم المتحدة، ولا سيما الأحكام المتعلقة بوصول الممثلين المدعوين إلى مقر المنظمة.

وفي عام 2025، أعربت الجمعية العامة رسميًا عن أسفها لقرار الولايات المتحدة رفض ومنع تأشيرات ممثلي دولة فلسطين، وطالبت بالتراجع الفوري عن القرار. كما أشارت إلى الحالات التي يُمنع فيها ممثلو الدول المشمولون باتفاقية المقر من المشاركة شخصيًا في اجتماعات الجمعية العامة.

لكن اللجوء إلى الفيديو لا يحسم الخلاف القانوني بشأن مدى التزام الدولة المضيفة بإصدار التأشيرات؛ بل يوفر حلًا عمليًا يسمح للجمعية العامة بمواصلة أعمالها رغم استمرار الخلاف.

من مقعد فارغ إلى حضور افتراضي

اللافت في التجربة الفلسطينية أن التكنولوجيا غيرت طبيعة «الحضور» داخل الجمعية العامة، ففي الظروف التقليدية، يعني حضور رئيس دولة أو حكومة أن يكون موجودًا فعليًا خلف المنصة، أمام أعلام الدول الأعضاء، ويخاطب ممثليها مباشرة.

أما في حالة عباس، فقد أصبح بالإمكان الفصل بين وجود الشخص في نيويورك ووصول خطابه إلى الجمعية العامة.

وهذا الفصل هو الذي جعل التكنولوجيا أداة لتجاوز تداعيات رفض التأشيرة؛ إذ يمكن منع المسؤول من عبور الحدود، لكن يصعب منع تسجيل خطابه من الوصول إلى قاعة الأمم المتحدة بعدما توافق الجمعية العامة على عرضه.

ومن هنا تبرز العبارة التي تختصر المشهد:

واشنطن منعت الوصول الجغرافي إلى الأمم المتحدة، لكن الجمعية العامة منحت فلسطين وسيلة للوصول السياسي إلى القاعة وهذه ليست المرة الأولى:

 سابقة 1988.. عندما غيّرت الأمم المتحدة مكانها من أجل عرفات، لكن الفيديو ليس أول وسيلة تستخدمها الأمم المتحدة للتعامل مع أزمة منع مسؤول فلسطيني من دخول الولايات المتحدة.

ففي عام 1988، رفضت واشنطن منح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك، وهو ما أدى إلى أزمة بين الولايات المتحدة والمنظمة الدولية.

وفي ذلك الوقت اتخذت الجمعية العامة مسارًا أكثر جذرية؛ إذ نقلت اجتماعًا مرتبطًا بالقضية الفلسطينية إلى جنيف، حتى يتمكن عرفات من مخاطبة الدول الأعضاء.

وبذلك تبدو المقارنة التاريخية لافتة:

1988: نقلت الأمم المتحدة الاجتماع إلى جنيف للوصول إلى عرفات.

2025 و2026: أبقت الأمم المتحدة الاجتماع في نيويورك ونقلت كلمة عباس عبر الشاشة.

والفرق بين التجربتين يعكس تغير أدوات الدبلوماسية الدولية؛ ففي نهاية الثمانينيات كان تغيير مكان الاجتماع هو الوسيلة العملية المتاحة، بينما أصبحت التكنولوجيا اليوم قادرة على نقل الخطاب دون نقل القاعة.

هل يمكن أن يصبح الفيديو بديلًا دائمًا للتأشيرة؟

رغم نجاح الآلية في ضمان مشاركة فلسطين، فإنها لا تعني أن المشاركة الافتراضية أصبحت بديلًا دائمًا عن الحضور الشخصي.

فالقرار الذي اتخذته الجمعية العامة عام 2025 وصف الترتيبات بأنها استثنائية، وأكد أنها لا تشكل سابقة عامة للمناقشات المستقبلية.

كما أن المشاركة عن بُعد لا تمنح المسؤول جميع المزايا التي يوفرها الوجود في نيويورك، وعلى رأسها عقد اللقاءات الثنائية المباشرة مع قادة الدول، والمشاركة في الاجتماعات المغلقة، وإجراء المفاوضات الجانبية، والتواصل المباشر مع الوفود ووسائل الإعلام.

ولهذا فإن الفيديو يمكن أن يحافظ على الصوت السياسي، لكنه لا يعوض بالكامل الحضور الدبلوماسي.

فلسطين حاضرة رغم غياب رئيسها

وبينما غاب عباس عن نيويورك بسبب أزمة التأشيرة، لم تغب القضية الفلسطينية عن جدول أعمال الجمعية العامة.

فالقضية الفلسطينية والحرب في غزة ومستقبل القطاع وحل الدولتين والاستيطان والاعتراف بالدولة الفلسطينية تتصدر جانبًا مهمًا من التحركات الدبلوماسية خلال الأسبوع رفيع المستوى.

كما تواصل الدول العربية والإسلامية تحركاتها في نيويورك بشأن مستقبل غزة ووقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، وهو ما يمنح المشاركة الفلسطينية عبر الشاشة سياقًا سياسيًا أوسع من مجرد خطاب لرئيس غائب.

وهنا تظهر المفارقة النهائية للأزمة: **قد تمنع التأشيرة الرئيس من الوصول إلى نيويورك، لكنها لا تمنع القضية التي يمثلها من الوصول إلى منبر الأمم المتحدة.**

التكنولوجيا تهزم الجغرافيا.. لكنها لا تنهي الخلاف

تكشف أزمة عباس أن التطور التكنولوجي أوجد للأمم المتحدة مساحة جديدة للمناورة عندما تتصادم الدبلوماسية مع قيود الدخول إلى أراضي الدولة المضيفة.

ففي الماضي كان منع التأشيرة يعني في الغالب مواجهة خيار صعب: إما قبول غياب المسؤول، أو تغيير مكان الاجتماع، كما حدث في أزمة عرفات عام 1988.

أما اليوم، فقد أصبح هناك خيار ثالث: أن يبقى الاجتماع في مكانه، بينما ينتقل المتحدث إليه عبر الشاشة.

لكن هذه الوسيلة لا تنهي الخلاف السياسي أو القانوني حول التأشيرة، ولا تلغي التزام الدولة المضيفة، ولا تجعل المشاركة الافتراضية مساوية تمامًا للحضور الشخصي.

إنها ببساطة تمنح الجمعية العامة وسيلة للحفاظ على حق المشاركة السياسية عندما يصبح الوصول الجغرافي محل نزاع.

ومن هنا تختصر تجربة عباس خلال عامين تحولا لافتًا في أدوات الدبلوماسية الدولية: من نقل الجمعية العامة إلى جنيف، إلى نقل الخطاب نفسه عبر الإنترنت؛ من مواجهة الجغرافيا بتغيير المكان، إلى مواجهة قيود التأشيرة بكسر الحاجز الجغرافي بالتكنولوجيا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء