رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يوم القيامة في روسيا..هجوم أوكراني غيرمسبوق أصاب قلب موسكوومصفاتها النفطية

مصفاة النفط التي
مصفاة النفط التي تم استهدافها في روسيا فجر اليوم

لم تكن موسكو، فجر الأحد، أمام ليلة عادية من ليالي الحرب؛ فمع امتداد الظلام فوق العاصمة الروسية، بدأت سماؤها تمتلئ بأسراب متلاحقة من الطائرات المسيّرة، فيما راحت أصوات الانفجارات تشق هدوء المدينة وتدفع منظومات الدفاع الجوي إلى العمل على نطاق واسع. 

وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا تحاول صد الهجوم القادم من مسافات بعيدة، كانت العاصمة نفسها تتحول إلى مسرح مفتوح للمعركة، مع سقوط الحطام في مناطق متفرقة، وتضرر مبانٍ سكنية، وإجلاء مئات السكان من مواقع أصابتها الضربات.

وفي جنوب شرق موسكو، كان المشهد أكثر خطورة؛ إذ وصلت إحدى موجات المسيّرات إلى "مصفاة موسكو النفطية" في منطقة كابوتنيا، المنشأة التي تمثل أحد الشرايين الرئيسية لإمدادات الوقود في العاصمة، لتتحول في لحظات إلى هدف مباشر وسط واحدة من أوسع موجات الهجوم الجوي التي شهدتها المنطقة. 

أصابت المسيّرات منشأة داخل حرم المصفاة، فيما تصاعد الدخان من الموقع، لتقف المنشأة العملاقة وسط سماء موسكو كصورة تختصر انتقال الحرب إلى قلب البنية التحتية الحيوية الروسية. ولم تكن الضربة تستهدف منشأة هامشية، فالمصفاة عالجت خلال عام 2024 نحو 11.6 مليون طن من النفط الخام، وأنتجت نحو 2.9 مليون طن من البنزين و3.2 مليون طن من الديزل، ما يجعل أي أضرار تطال وحداتها محل اهتمام مباشر لسوق الوقود في العاصمة ومحيطها.

وبينما كان الدخان يتصاعد من المصفاة، كانت موسكو ومحيطها يواجهان موجة هائلة من المسيّرات. وقالت السلطات الروسية إنها اعترضت أكثر من 1600 مسيّرة منذ السبت، بينها نحو 450 كانت متجهة إلى موسكو، بينما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أرقامًا كبيرة للمسيّرات التي قالت إنها أسقطتها خلال ساعات الهجوم. 

وعلى الأرض، لم تبقِ الضربات آثارها في السماء وحدها؛ فقد تحدثت السلطات عن مقتل شخصين وإصابة آخرين، فيما أُجلي نحو 400 شخص، بينهم 70 طفلًا، من مبنى سكني في منطقة رامنسكوي بعد تعرضه لأضرار.

وهكذا، بدت الساعات الأولى من الأحد وكأنها واحدة من أكثر لحظات الحرب اضطرابًا داخل العمق الروسي؛ مصفاة نفط تتلقى ضربة في العاصمة، مبانٍ سكنية تتضرر، مئات السكان يغادرون منازلهم، والدفاعات الجوية تحاول التعامل مع أسراب ضخمة من المسيّرات.

 وجاء كل ذلك في اليوم الأخير من الانتخابات البرلمانية الروسية، ليضع موسكو أمام مشهد شديد الحساسية: حرب لم تعد أصواتها محصورة في الجبهات البعيدة، بل باتت تصل إلى منشآت الطاقة والمناطق السكنية في قلب روسيا نفسها.

 

مصفاة موسكو.. الهدف الأخطر في الهجوم

تقع مصفاة موسكو النفطية في كابوتنيا جنوب شرق العاصمة، وهي من المنشآت الرئيسية في منظومة إمدادات الوقود لمنطقة موسكو.

وبحسب أحدث بيانات أوردتها رويترز، عالجت المصفاة خلال عام 2024 نحو 11.6 مليون طن من النفط الخام، وأنتجت نحو 2.9 مليون طن من البنزين و3.2 مليون طن من الديزل. 

وتكتسب المنشأة أهمية إضافية بسبب قربها من أكبر مركز سكاني في روسيا، ولذلك فإن أي توقف طويل لوحدات التكرير يمكن أن يضغط على سوق الوقود المحلي.

وتشير بيانات منشورة عن المصفاة إلى أنها تلبي نسبة كبيرة من احتياجات سوق موسكو والمنطقة، لكن حجم الضرر الذي أصابها في هجوم 20 سبتمبر، وما إذا كان سيؤدي إلى توقف وحدة أو أكثر لفترة طويلة، لم يكن قد تحدد بصورة مستقلة حتى الآن.

وهنا ينبغي التفريق بين ما هو مؤكد وما يزال قيد التقييم: المؤكد هو إصابة منشأة داخل المصفاة واندلاع حريق/تصاعد دخان؛ أما حجم الطاقة الإنتاجية المتوقفة ومدة الإصلاح فلم تعلن بصورة نهائية.

هجوم يتجاوز المصفاة إلى العمق الروسي

الهجوم لم يكن عملية محدودة ضد منشأة نفطية، وإنما جاء ضمن موجة جوية واسعة شملت العاصمة ومحيطها.

وقال عمدة موسكو سيرجي سوبيانين إن أكثر من 1600 مسيّرة جرى اعتراضها منذ السبت في مختلف خطوط الدفاع، بينها نحو 450 مسيّرة كانت تتجه إلى موسكو. وأشار إلى أن عدة مسيّرات وصلت إلى أراضي المصفاة، فيما أصابت مسيّرة مبنى سكنيًا.

وفي منطقة موسكو الأوسع، أعلنت السلطات مقتل شخصين وإصابة 20 آخرين، بينما أُجلي نحو 400 شخص، بينهم 70 طفلًا، من مبنى سكني مكون من 21 طابقًا في رامنسكوي، بعد تعرضه لأضرار.

وتزامن الهجوم مع اليوم الأخير من الانتخابات البرلمانية الروسية، وهو ما دفع سوبيانين إلى القول إن الهجوم كان يستهدف تعطيل العملية الانتخابية، لكن هذا التفسير يمثل موقفًا روسيًا ولم تقدم السلطات دليلًا مستقلاً يثبت الدافع. 

زيلينسكي يؤكد استهداف منشآت النفط واللوجستيات

وفي المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الضربات الأوكرانية بعيدة المدى أصابت **منشأة رئيسية في قطاع النفط الروسي ومنشأة لوجستية في منطقة موسكو.

وقال زيلينسكي إن العملية استخدمت مجموعة من الأنظمة والطائرات المسيّرة والصواريخ المحلية، وذكر من بينها FP-1 وRZ-100 وMICH-2000 وPalianytsia وVendetta وLiutyi وBars وFlamingo وSichen وPelican.

وبحسب زيلينسكي، فإن الهدف من ضرب منشآت النفط واللوجستيات هو الضغط على الموارد المالية التي تستخدمها روسيا في الحرب. وهذه رواية أوكرانية عن الهدف الاستراتيجي للعملية وليست تقييمًا مستقلًا لنتائجها. 

لماذا تمثل ضربة المصفاة مشكلة لروسيا؟

الهجوم يأتي في وقت يواجه فيه قطاع التكرير الروسي بالفعل ضغوطًا متزايدة نتيجة الضربات الأوكرانية المتكررة.

وقالت وكالة الطاقة الدولية IEA في تحليل نشرته في 17 سبتمبر إن روسيا تمتلك 32 مصفاة رئيسية بطاقة تكريرية مركبة تبلغ نحو 6.5 مليون برميل يوميًا.

وذكرت الوكالة أن إنتاج المصافي الروسية انخفض في يونيو إلى نحو 3.8 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى خلال أكثر من 20 عامًا، وبنسبة تقل بنحو 30% عن المستوى المسجل قبل عام.

كما قدرت الوكالة انخفاض إنتاج البنزين بنحو 20% مقارنة بعام 2025، وتراجع إنتاج الديزل بنحو 30% تقريبًا، في ظل إجراءات حكومية للحد من صادرات الوقود وحماية السوق المحلية. 

وبالتالي، فإن ضربة مصفاة موسكو تأتي ضمن ضغط متراكم على شبكة التكرير الروسية وليس كحادث منفصل، ليست الضربة الأولى لمصفاة موسكو، فمصفاة موسكو تعرضت بالفعل لهجمات أوكرانية سابقة خلال العام، من بينها هجمات في يونيو.

وفي 18 يونيو، أفادت تقارير بأن المصفاة تعرضت لضربة جديدة بعد هجوم سابق عليها، في وقت قالت فيه السلطات الروسية إن الهجمات تسببت في اضطرابات مرتبطة بحركة الطيران في موسكو. 

وتكتسب الضربة الجديدة أهمية أكبر لأنها تأتي بعد هذه الهجمات السابقة، ما يطرح سؤالًا حول قدرة المصفاة على استعادة كامل طاقتها في حال تعرضت وحدات رئيسية لضربات متكررة.

ياروسلافل وسيزران.. الضغط لا يقتصر على موسكو

الهجوم على مصفاة موسكو يأتي ضمن سلسلة أوسع، ففي 17 سبتمبر، أعلنت أوكرانيا استهداف مصفاة ياروسلافل، وقالت مصادر في قطاع النفط نقلت عنها رويترز إن وحدة التقطير الأولي AVT-3، التي تمثل نحو 40% من طاقة المصفاة، تضررت، ما أدى إلى توقف معالجة الخام. وكانت وحدة أخرى، AVT-4، تمثل نحو 33% من الطاقة، متوقفة أصلًا للإصلاح بعد هجوم سابق. 

وتبلغ الطاقة السنوية لمصفاة ياروسلافل نحو 15 مليون طن، أي قرابة 300 ألف برميل يوميًا، فيما أنتجت في 2024 نحو 14.9 مليون طن من الخام، و2.6 مليون طن من البنزين ونحو 4 ملايين طن من الديزل. 

كما أعلنت أوكرانيا في 15 سبتمبر استهداف "مصفاة سيزران" في مقاطعة سامارا، التابعة لشركة Rosneft، وقالت إن الضربة أصابت وحدة التقطير AVT-6. وتأتي هذه العمليات في سياق حملة أوكرانية تستهدف البنية التحتية النفطية الروسية.

ماذا يمكن أن تفعل موسكو؟

حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا يوجد إعلان روسي نهائي يحدد شكل الرد العسكري على هجوم 20 سبتمبر تحديدًا. ولذلك فإن الحديث عن "الرد المتوقع" يجب أن يظل في إطار السيناريوهات المبنية على التصريحات والسياسة الروسية السابقة، وليس باعتباره توقعًا مؤكدًا.

 ضربات روسية إضافية على البنية التحتية الأوكرانية

هذا هو المسار الذي توجد بشأنه مؤشرات معلنة بالفعل.

ففي تصريحات سابقة خلال سبتمبر، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن روسيا ترد بصورة منتظمة على الهجمات التي تستهدف بنيتها التحتية، وإن **ردًا روسيًا سيأتي** في حال تعرض البنية التحتية الروسية لهجمات. 

كما نقلت تقارير في وقت سابق من الشهر عن الكرملين وقيادات روسية حديثًا عن ضربات انتقامية واسعة ضد منشآت الطاقة الأوكرانية. 

لذلك، فإن **زيادة الضربات الروسية على منشآت الطاقة والنقل والصناعات العسكرية الأوكرانية** تمثل أحد المسارات التي يمكن ربطها مباشرة بالتصريحات الروسية السابقة، من دون الجزم بموعدها أو حجمها.

توسيع حملة استهداف منظومة الطاقة الأوكرانية

هناك أيضًا احتمال أن تركز موسكو على منشآت الكهرباء والغاز ومحطات النقل والطاقة في أوكرانيا.

وهذا السيناريو لا يعني أن موسكو أعلنت بالفعل تنفيذ عملية محددة ردًا على ضربة المصفاة، وإنما يستند إلى نمط الضربات المتبادلة على البنية التحتية للطاقة.

 تشديد الدفاعات حول موسكو والمنشآت النفطية

الضربة تفرض على روسيا أيضًا مشكلة دفاعية داخلية: كيف تمكنت أعداد كبيرة من المسيّرات من الوصول إلى منطقة العاصمة، وكيف وصلت بعضها إلى منشأة نفطية استراتيجية؟

ومن المتوقع أن يكون أحد محاور الرد الروسي **تعزيز الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وحماية المنشآت النفطية واللوجستية**، خصوصًا حول موسكو.

لكن هذا أيضًا إجراء محتمل مستند إلى طبيعة التهديد، وليس قرارًا روسيًا معلنًا بعد.

هل يمكن أن يتطور الرد إلى تصعيد أكبر؟

هذه النقطة هي الأكثر حساسية.

فالضربة وقعت في وقت استمرت فيه الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة، رغم الإعلان الأمريكي في وقت سابق من الأسبوع عن اتفاق لوقف استهداف البنية التحتية للطاقة. ووفق رويترز، استمرت روسيا وأوكرانيا في ضرب منشآت الطاقة رغم ذلك الإعلان. 

كما أن بوتين قال في تصريحات سابقة إن الهجمات على البنية التحتية المدنية الروسية ستقابل برد، وربط في سياق آخر التصعيد المحتمل ضد روسيا بخطر انتقال الصراع إلى مستوى أوسع. 

لذلك، فإن المؤشر الأهم خلال الساعات والأيام المقبلة سيكون طبيعة الأهداف التي تختارها موسكو، وليس مجرد حجم الضربة: هل سيكون الرد في إطار ضربات تقليدية على منشآت عسكرية وطاقة، أم يتوسع ليشمل أهدافًا جديدة أو أكثر عمقًا؟

حتى الآن لا توجد معلومات موثوقة تسمح بالجزم بذلك.

الأرقام التي تلخص المشهد

قالت السلطات الروسية إن منظومات الدفاع الجوي اعترضت منذ السبت أكثر من 1600 مسيّرة، بينها نحو 450 مسيّرة كانت تتجه إلى العاصمة موسكو، بينما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها أسقطت 1110 مسيّرات خلال ليلة الهجوم وحدها.

وأسفر الهجوم في منطقة موسكو عن مقتل شخصين وإصابة 20 شخصًا، وفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، فيما اضطرت السلطات إلى إجلاء نحو 400 شخص من مبنى سكني في منطقة رامنسكوي، بينهم 70 طفلًا، بعد تعرض المبنى لأضرار جراء الهجوم.

أما مصفاة موسكو النفطية، فقد عالجت خلال عام 2024 نحو 11.6 مليون طن من النفط الخام، وأنتجت خلال العام نفسه قرابة 2.9 مليون طن من البنزين ونحو 3.2 مليون طن من الديزل، ما يوضح أهمية المنشأة بالنسبة إلى إمدادات الوقود في العاصمة ومحيطها.

وتأتي الضربة في وقت تبلغ فيه الطاقة التكريرية الإجمالية للمصافي الروسية نحو 6.5 مليون برميل يوميًا، بينما انخفض إنتاج المصافي الروسية في يونيو 2026 إلى نحو 3.8 مليون برميل يوميًا، وهو مستوى يقل بنحو 30% عن مستواه قبل عام، بحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية.

ما حدث في 20 سبتمبر 2026 يتجاوز مجرد استهداف مصفاة نفط؛ فهو هجوم جوي واسع على منطقة العاصمة الروسية، أصاب منشأة نفطية استراتيجية في كابوتنيا، وتسبب في سقوط قتلى وأضرار بمبانٍ سكنية ومنشآت أخرى.

وتكمن أهمية ضربة المصفاة في أنها تأتي بينما يعاني قطاع التكرير الروسي أصلًا من انخفاض الإنتاج واضطرابات في سوق الوقود، وفق وكالة الطاقة الدولية. 

أما الرد الروسي فلا يمكن الجزم بتفاصيله قبل صدور قرارات موسكو. لكن التصريحات الروسية السابقة تشير إلى أن الرد العسكري على استهداف البنية التحتية الروسية هو مسار معلن، وقد يأخذ شكل ضربات إضافية ضد منشآت الطاقة أو الأهداف العسكرية واللوجستية الأوكرانية، إلى جانب تعزيز الدفاعات حول موسكو والمنشآت النفطية. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء