رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين المنح والمنع.. بزشكيان في نيويورك وعباس خلف أبواب التأشيرة الأمريكية

تعبيرية مولدة بالذكاء
تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

في الوقت الذي تستعد فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة لإنطلاق أعمال دورتها الحادية والثمانين في نيويورك، برزت مفارقة دبلوماسية وقانونية لافتة حينما منعت الولايات المتحدة الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الحصول على تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة شخصيًا، بينما أعطت تأشيرة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزيرخارجيته عباس عراقجي وأعضاء أساسيين في الوفد الإيراني بدخول الأراضي الأمريكية والمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، رغم استمرار الحرب والتوتر العسكري المباشر بين واشنطن وطهران.

وتأتي المفارقة في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة وإيران مواجهة عسكرية بدأت في 28 فبراير 2026، مع استمرار اتصالات متقطعة بين الجانبين بشأن إنهاء الحرب، في حين يمثل قرار واشنطن بشأن عباس امتدادًا لقرار مماثل اتخذته العام الماضي. 

وأكدت الولايات المتحدة أن السماح للوفد الإيراني بالحضور يأتي التزامًا بواجباتها بصفتها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، مع فرض قيود على حركة الوفد ومشترياته داخل الولايات المتحدة. 

أما بالنسبة إلى عباس، فقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن العقوبات المتعلقة بالتأشيرات تستند إلى إجراءات اتخذتها السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، من بينها ما تعتبره واشنطن «تدويلًا» للصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر اللجوء إلى المحاكم الدولية. وبذلك أصبح الرئيس الفلسطيني ممنوعًا للعام الثاني على التوالي من إلقاء خطابه شخصيًا أمام قادة العالم في نيويورك. 

هل تملك الولايات المتحدة حق منع ومنح التأشيرات؟

هنا تظهر العقدة القانونية الأساسية في القضية.

فالولايات المتحدة هي الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، وبالتالي فإن دخول أي مسؤول أجنبي إلى أراضيها يخضع من حيث الأصل لقواعد الهجرة والتأشيرات الأمريكية. لكن الأمر يختلف عندما يكون الشخص مدعوًا من الأمم المتحدة للمشاركة في أعمالها، إذ تنظم العلاقة بين المنظمة وواشنطن اتفاقية مقر الأمم المتحدة الموقعة عام 1947.

وتنص المادة 11 من الاتفاقية على ألا تفرض السلطات الأمريكية عوائق أمام انتقال ممثلي الدول الأعضاء ومسؤولي الأمم المتحدة وغيرهم من الأشخاص المشمولين بالاتفاقية إلى منطقة المقر ومنها. كما تنص المواد ذات الصلة على إصدار التأشيرات اللازمة للأشخاص المدعوين من الأمم المتحدة.

ولذلك فإن الخلاف ليس حول ما إذا كانت واشنطن تملك سلطة عامة على حدودها، وإنما حول حدود هذه السلطة عندما يتعلق الأمر بمسؤول يأتي إلى الولايات المتحدة خصيصًا للمشاركة في أعمال الأمم المتحدة.

وقد أكدت المستشارة القانونية للأمم المتحدة في 2025 أن الموقف القانوني للمنظمة بشأن التزامات الدولة المضيفة لم يتغير، وأن المادة 11 من اتفاقية المقر تمنع الولايات المتحدة من وضع عوائق أمام انتقال الأشخاص المدعوين من الأمم المتحدة إلى مقرها. كما وصفت المسألة المتعلقة بتأشيرات ممثلي دولة فلسطين بأنها قضية تمس مباشرة التزامات الدولة المضيفة. 

في المقابل، تتمسك واشنطن بقراءة مختلفة، وتقول إن لديها صلاحيات تتعلق بالأمن ومكافحة الإرهاب والسياسة الخارجية. وهذا الخلاف ليس جديدًا، بل ظهر بصورة واضحة في قضية الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام 1988.

عرفات.. عندما نقلت الجمعية العامة اجتماعاتها من نيويورك إلى جنيف

في نوفمبر/تشرين الثاني 1988، رفضت الولايات المتحدة منح ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، تأشيرة دخول لحضور أعمال الجمعية العامة في نيويورك.

وأصدرت الجمعية العامة في 30 نوفمبر قرارًا طالبت فيه الولايات المتحدة بإعادة النظر في قرارها، معتبرة أن رفض التأشيرة يتعارض مع الالتزامات القانونية للدولة المضيفة بموجب اتفاقية مقر الأمم المتحدة. كما أكدت الجمعية العامة حق منظمة التحرير في اختيار أعضاء وفدها للمشاركة في أعمالها. 

لكن واشنطن لم تتراجع عن موقفها، وهو ما دفع الجمعية العامة إلى اتخاذ خطوة استثنائية؛ إذ صوتت على نقل جلسات النقاش المتعلقة بالقضية الفلسطينية إلى جنيف، حيث تمكن عرفات من مخاطبة الجمعية العامة.

ووفق السجل التاريخي للأمم المتحدة، كان ذلك حلًا استثنائيًا لمواجهة أزمة الوصول إلى مقر المنظمة في نيويورك، بينما وصفت تقارير تلك الفترة القرار بأنه غير مسبوق، إذ اجتمعت الجمعية العامة في جنيف للمرة الأولى منذ انتقال الأمم المتحدة إلى مقرها في نيويورك عام 1952. 

وتكمن أهمية سابقة عرفات في أنها تؤكد أن الدولة المضيفة تستطيع أن تخلق أزمة دخول، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تمنع الجمعية العامة من إيجاد وسيلة أخرى لتمكين شخصية مدعوة من مخاطبة الدول الأعضاء.

خالد محيي الدين.. سابقة مصرية في سجل التأشيرات الأمريكية

ولا تقتصر سوابق رفض الولايات المتحدة دخول شخصيات سياسية على القضية الفلسطينية.

ففي عام 1984، رفضت السفارة الأمريكية في القاهرة منح خالد محيي الدين، رئيس حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي وأحد أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين، تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة. وذكرت وكالة أنباء أمريكية في ذلك الوقت أن طلب التأشيرة كان قد مر عبر وزارة الخارجية المصرية، وأن محيي الدين كان يحمل جواز سفر دبلوماسيًا.

وتكشف هذه السابقة أن استخدام التأشيرة الأمريكية كأداة لمنع دخول شخصيات سياسية له تاريخ أقدم من الأزمة الحالية، لكن الحالة الراهنة تختلف من الناحية القانونية بسبب ارتباطها المباشر بمشاركة رئيس دولة أو مسؤولين رسميين في اجتماعات الأمم المتحدة، وبسبب الالتزامات الخاصة التي ترتبت على الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة.

هل يكون نقل اجتماعات الأمم المتحدة إلى المقر الأوروبي حلًا؟

تطرح أزمة عباس مجددًا سؤالًا قديمًا: إذا كانت نيويورك تخضع لقيود الدولة المضيفة، فهل يمكن نقل الاجتماعات الحساسة إلى مقر الأمم المتحدة الأوروبي في جنيف عندما تمنع الولايات المتحدة مسؤولًا مدعوًا من الوصول؟

تاريخيًا، توجد بالفعل سابقة مباشرة لذلك، عندما انتقلت الجمعية العامة إلى جنيف عام 1988 حتى يتمكن عرفات من إلقاء كلمته.

ومن الناحية السياسية، يمكن أن يوفر هذا الخيار مخرجًا عندما يصبح الخلاف حول التأشيرة عائقًا أمام مشاركة شخصية مدعوة من المنظمة. لكنه ليس حلًا بسيطًا لكل اجتماعات الجمعية العامة، إذ إن نقل جلسات رفيعة المستوى من نيويورك إلى جنيف يتطلب ترتيبات تنظيمية وسياسية واسعة، كما أن المقر الرئيسي للجمعية العامة يبقى في نيويورك.

ومع ذلك، فإن سابقة 1988 تمنح الفكرة أساسًا تاريخيًا واضحًا، وتُظهر أن الجمعية العامة تستطيع، في ظروف استثنائية، استخدام مقرات الأمم المتحدة خارج الولايات المتحدة للحفاظ على قدرة المنظمة على عقد اجتماعاتها.

«الفيديو كونفرانس».. عندما تهزم التكنولوجيا التعنت السياسي

إذا كانت أزمة عرفات انتهت بنقل الجمعية العامة إلى جنيف، فإن التكنولوجيا قدمت في السنوات الأخيرة خيارًا ثالثًا: أن تنتقل الكلمة بدلًا من أن ينتقل صاحبها.

ففي عام 2025، وبعد رفض الولايات المتحدة منح تأشيرات لعدد من ممثلي دولة فلسطين، أقرت الجمعية العامة قرارًا يسمح للرئيس الفلسطيني بتقديم خطاب مسجل مسبقًا، كما سمح القرار باستخدام تقنية الفيديو كونفرانس في اجتماعات أخرى رفيعة المستوى. وصوتت الجمعية العامة بأغلبية 145 دولة مقابل 5 دول ضد القرار، بينها الولايات المتحدة وإسرائيل. 

وتكرر السيناريو في 2026، إذ وافقت الجمعية العامة على تمكين الوفد الفلسطيني من المشاركة افتراضيًا بعد رفض الولايات المتحدة تأشيرات عباس، ليصبح الخطاب الفلسطيني حاضرًا في قاعة الجمعية العامة رغم غياب صاحبه عنها.

وهنا تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيلة اتصال إلى أداة لتجاوز عقبة سياسية وقانونية: فحرمان مسؤول من الوصول الجغرافي إلى مقر الأمم المتحدة لا يعني بالضرورة حرمانه من مخاطبة الدول الأعضاء.

 مفارقة بزشكيان وعباس تفتح سؤالًا أوسع

المفارقة التي تفرض نفسها في الدورة الحالية هي أن واشنطن سمحت للرئيس الإيراني بالحضور رغم أن الولايات المتحدة وإيران تخوضان حربًا مباشرة، بينما منعت الرئيس الفلسطيني من الحضور للعام الثاني على التوالي. واللافت أن الخارجية الأمريكية نفسها بررت منح الوفد الإيراني تأشيرات الدخول بأنه إجراء يتوافق مع التزامات الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة للأمم المتحدة.

وفي المقابل، جرى التعامل مع الوفد الفلسطيني وفق سياسة تأشيرات مختلفة، استنادًا إلى اعتبارات سياسية أعلنتها الإدارة الأمريكية. وبذلك لا تطرح القضية سؤالًا حول التأشيرات فقط، وإنما حول كيفية التوفيق بين سيادة الدولة المضيفة والتزاماتها الدولية تجاه الأمم المتحدة وحق الدول والكيانات المدعوة في المشاركة في أعمال المنظمة.

وتشير السوابق التاريخية، من أزمة عرفات عام 1988 إلى استخدام الفيديو كونفرانس في 2025 و2026، إلى أن الخلاف على دخول مسؤول إلى نيويورك لا ينتهي بالضرورة عند بوابة المطار؛ فقد تنتقل المعركة إلى قاعة الجمعية العامة نفسها، أو إلى جنيف، أو حتى إلى شاشة إلكترونية، لتبقى الكلمة حاضرة حتى عندما يغيب صاحبها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء