رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قادة العالم اليوم على منبر الأمم المتحدة: عداءات ومواجهات تحت سقف واحد

أعلام الدول أعضاء
أعلام الدول أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة

تتحول نيويورك اعتبارًا من اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 إلى مركز للسياسة الدولية، مع انطلاق المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في واحدة من أكثر دورات المنظمة الدولية ازدحامًا بالأزمات والصراعات والملفات الشائكة.

وعلى مدى أيام المناقشة العامة، التي تستمر حتى السبت 26 سبتمبر، قبل أن تستأنف أعمالها يوم الاثنين 28 سبتمبر، يعتلي قادة ورؤساء وفود الدول الأعضاء منصة الجمعية العامة لعرض مواقفهم بشأن الحروب والأزمات الإقليمية والاقتصاد والطاقة والأمن الدولي والتغير المناخي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. 

وتضم الأمم المتحدة 193 دولة عضوًا، فيما تشهد نيويورك خلال «الأسبوع رفيع المستوى» اجتماعات ومباحثات ثنائية وجماعية مكثفة، تجعل من مقر المنظمة الدولية ساحة رئيسية للتفاوض وتبادل الرسائل السياسية، وليس مجرد منصة لإلقاء الخطب الرسمية. 

وتأتي الدورة الحالية تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول: منظمة أمم متحدة تقدم للجميع»، في وقت تواجه فيه المنظمة تحديات متزامنة تتعلق بالحروب، وتراجع الثقة في النظام متعدد الأطراف، وأزمات التمويل، إلى جانب التحديات الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن العالمي. 

إيران والولايات المتحدة.. مواجهة الحرب فوق منصة واحدة

ويحظى الملف الإيراني الأمريكي بموقع متقدم في أجندة هذه الدورة، بعدما وصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، بالتزامن مع استمرار الحرب بين طهران وواشنطن وتداعياتها الإقليمية.

ويمثل حضور بزشكيان في نيويورك محطة لافتة، باعتبارها أول مشاركة له في الولايات المتحدة منذ اندلاع الحرب الحالية، فيما يصل الوفد الإيراني إلى الجمعية العامة وسط قيود أمريكية على عدد من أعضائه.

وكانت واشنطن قد وافقت على دخول بزشكيان  ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الولايات المتحدة، بينما رفضت منح تأشيرات لعدد من أعضاء الوفد الإيراني، من بينهم أفراد في الفريق الإعلامي للرئيس، مع فرض قيود إضافية على حركة الوفد وبعض أنشطته داخل الولايات المتحدة.

ومن المقرر أن يستخدم بزشكيان المنصة الدولية لعرض الموقف الإيراني بشأن الحرب والعلاقات مع الولايات المتحدة، في وقت أعلنت فيه طهران استعدادها لبحث مسار دبلوماسي، بالتوازي مع استمرار التوتر العسكري.

وفي تطور يرتبط مباشرة بأحد أهم الملفات الاقتصادية في الأزمة، أفادت تقارير بأن إيران أبدت استعدادها لإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة ضغطها العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية. 

ويضيف ملف مضيق هرمز بعدًا عالميًا إلى المواجهة، إذ إن أي اضطراب مستمر في الملاحة عبر هذا الممر ينعكس على حركة التجارة وأسواق الطاقة، وهو ما يجعل الأزمة الإيرانية حاضرة خارج حدود الشرق الأوسط.

ترامب وبزشكيان.. هل تتحول نيويورك إلى ساحة تفاوض؟

في المقابل، يشارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أعمال الجمعية العامة، ما يضع الرئيسين الأمريكي والإيراني في المدينة نفسها للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.

ورغم عدم وجود لقاء مباشر معلن بينهما حتى الآن، فإن مسؤولين أمريكيين أكدوا انفتاح واشنطن على الحوار إذا أفضى إلى نتائج يمكن البناء عليها، بينما وصلت الرسائل الإيرانية إلى الولايات المتحدة عبر وسطاء بشأن إمكان إعادة فتح مسار التفاوض.

ومن ثم، لا تقتصر أهمية اجتماعات نيويورك على الخطابات الرسمية، إذ تتحول اللقاءات الجانبية إلى مساحة موازية للدبلوماسية، يمكن أن تبحث خلالها الدول المعنية ملفات الحرب ووقف التصعيد والملاحة في الخليج ومستقبل المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

غزة والقضية الفلسطينية.. الملف الأكثر حضورًا

وفي قلب أعمال الجمعية العامة يأتي ملف الحرب في غزة والقضية الفلسطينية، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية والسياسية وتكثيف الاتصالات الدولية بشأن وقف إطلاق النار ومستقبل القطاع.

وتشارك دول عربية وإسلامية رئيسية في تحركات دبلوماسية مكثفة على هامش الجمعية العامة، من بينها مصر وقطر والأردن والسعودية وتركيا وباكستان وإندونيسيا، في وقت تتواصل فيه الجهود المتعلقة بتنفيذ خطة غزة ومراحلها المختلفة.

وفي المقابل، تكتسب المشاركة الفلسطينية هذا العام حساسية خاصة، بعد رفض الولايات المتحدة منح الرئيس محمود عباس تأشيرة دخول للمشاركة شخصيًا في اجتماعات الجمعية العامة، في حين سمحت للرئيس الإيراني بزشكيان بالوصول إلى نيويورك.

وقد تحولت قضية التأشيرات نفسها إلى ملف دبلوماسي وقانوني داخل أروقة الأمم المتحدة، خصوصًا في ظل الجدل المتعلق بالتزامات الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة لمقر المنظمة.

وفي مواجهة غياب عباس عن القاعة، يجري الاعتماد على المشاركة الافتراضية وإيصال كلمته عبر الوسائل الإلكترونية، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤال قدرة التكنولوجيا على تجاوز العقبات السياسية المتعلقة بالحضور الشخصي.

أوكرانيا وروسيا.. الحرب الأوروبية على المنصة الدولية

ولا تغيب الحرب الروسية الأوكرانية عن أجندة الدورة، إذ يواصل الطرفان استخدام المنابر الدولية لعرض مواقفهما بشأن الحرب ومستقبل التسوية.

ومن المقرر أن يشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بينما يمثل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف موسكو في اجتماعات الجمعية العامة، ما يضع رسائل الطرفين في مواجهة غير مباشرة داخل المنظمة الدولية.

وتأتي اجتماعات نيويورك في ظل استمرار الجهود الدبلوماسية المرتبطة بالحرب، وغياب اتفاق نهائي ينهي الصراع، مع استمرار الخلافات حول شروط التسوية ومستقبل الأراضي المتنازع عليها والضمانات الأمنية.

كما توفر الجمعية العامة فرصة لعقد لقاءات ثنائية بين أطراف الأزمة وحلفائها، بعيدًا عن قاعة الاجتماعات الرسمية، وهو ما يجعل جدول اللقاءات الجانبية جزءًا أساسيًا من المشهد الدبلوماسي.

الشرق الأوسط من غزة إلى اليمن والخليج

ولا تقتصر أزمات الشرق الأوسط على الحرب في غزة والمواجهة الأمريكية الإيرانية، إذ يبرز الملف اليمني وأمن البحر الأحمر والخليج ضمن القضايا المطروحة على هامش اجتماعات القادة.

وتكتسب حرية الملاحة أهمية متزايدة مع استمرار التوتر حول مضيقي هرمز وباب المندب، وما يرتبط بذلك من تأثيرات على التجارة الدولية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

كما تطرح التطورات في اليمن تحديات إضافية أمام دول المنطقة، خصوصًا في ظل تصاعد الهجمات المرتبطة بالحوثيين وتداعياتها على السعودية والممرات البحرية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن أزمات المنطقة باتت مترابطة بصورة متزايدة؛ فالتوتر في إيران ينعكس على الخليج، والأحداث في اليمن تؤثر على باب المندب، بينما تتداخل ملفات غزة وإيران واليمن في الحسابات الأمنية والسياسية لدول الشرق الأوسط والقوى الدولية.

لبنان وسوريا.. ملفات أخرى على طاولة القادة

ويحضر الملف اللبناني كذلك في النقاشات الجارية بنيويورك، خصوصًا مع استمرار الجدل حول سيادة الدولة واحتكار السلاح وسبل تثبيت الاستقرار الداخلي.

وكان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام قد أكد من نيويورك ضرورة قيام دولة لبنانية واحدة بقرار واحد، في رسالة ترتبط مباشرة بالجدل حول مستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله.

أما سوريا، فتدخل اجتماعات الجمعية العامة في مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة، مع استمرار بحث مستقبل البلاد وعلاقاتها الإقليمية والدولية، إضافة إلى الملفات الاقتصادية وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين.

سباق خلافة غوتيريش.. معركة أخرى خلف الكواليس

وبعيدًا عن الحروب والأزمات، تشهد الدورة الحادية والثمانون تطورًا مهمًا يتعلق بمستقبل القيادة العليا للأمم المتحدة.

فالأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش يستعد لمغادرة منصبه في نهاية ولايته الثانية يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، بينما دخل سباق اختيار الأمين العام المقبل مرحلة أكثر حساسية. 

وتجري عملية الاختيار عبر مجلس الأمن، الذي يوصي بمرشح للجمعية العامة، في عملية تتطلب عمليًا توافق القوى الخمس دائمة العضوية في المجلس، قبل أن تنتقل إلى الجمعية العامة لإقرار المرشح. 

وشهد السباق خلال الأيام الماضية تطورات جديدة، أبرزها انسحاب الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشليه من المنافسة، بينما أظهر آخر استطلاع غير رسمي داخل مجلس الأمن تقدمًا ضئيلًا لريبيكا غرينسبان من كوستاريكا على السفيرة الغويانية كارولين رودريغيز-بيركيت. 

ويحمل السباق أهمية خاصة لأن الأمين العام المقبل سيتولى قيادة المنظمة في مرحلة تتسم بتعدد الحروب وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية واحتدام التنافس بين القوى الكبرى.

الذكاء الاصطناعي يدخل قلب الأمن الدولي

وفي الوقت الذي ينشغل فيه القادة بالحروب، يدخل الذكاء الاصطناعي بقوة على جدول أعمال الأمم المتحدة.

ومن المقرر أن يناقش مجلس الأمن هذا الأسبوع المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع مشاركة ممثلين عن شركات تقنية كبرى، في وقت تتباين فيه مواقف القوى الدولية بشأن طبيعة المخاطر التي يمثلها التطور المتسارع لهذه التكنولوجيا.

وتأتي هذه المناقشات بعد تحذيرات أطلقها غوتيريش من مخاطر التطور غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، في مقابل موقف أمريكي أكثر تحفظًا تجاه فرض قيود تنظيمية واسعة على القطاع.

ترامب في مواجهة اختبار دبلوماسي واسع

ويأتي خطاب ترامب في اليوم الأول من المناقشة العامة في مقدمة الأحداث المنتظرة، خصوصًا في ظل الحرب مع إيران والاضطرابات التي تشهدها المنطقة.

وسيكون على المنصة نفسها قادة وحكومات تختلف مواقفها بشدة بشأن الحرب، من إيران إلى إسرائيل ودول الخليج وأوروبا، ما يجعل الخطاب الأمريكي محاطًا بقدر كبير من الاهتمام الدولي.

وفي الوقت نفسه، تواجه الأمم المتحدة نفسها اختبارًا يتعلق بمستقبل النظام متعدد الأطراف، في ظل الخلافات مع الإدارة الأمريكية بشأن تمويل المنظمة ودورها وفعالية مؤسساتها.

وتشير وكالة رويترز إلى أن نحو 130 رئيس دولة يشاركون في اجتماعات الدورة الحالية، في وقت تواجه فيه المنظمة تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على دورها المركزي في النظام الدولي وسط الحروب والتنافس بين القوى الكبرى.

نيويورك.. دبلوماسية علنية ومفاوضات خلف الأبواب

ولا يمكن قراءة الجمعية العامة من خلال الخطب وحدها؛ فالجزء الأكبر من الدبلوماسية الفعلية يجري خارج القاعة، في اجتماعات ثنائية وثلاثية ومتعددة الأطراف تعقد على هامش المناقشة العامة.

ومن نيويورك يمكن أن تبدأ اتصالات بشأن وقف إطلاق النار، أو تفتح قنوات تفاوض جديدة، أو يجري احتواء أزمات إقليمية قبل تحولها إلى مواجهات أوسع.

ولهذا تتحول الأيام الممتدة من 22 إلى 28 سبتمبر/أيلول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدبلوماسية الدولية على التعامل مع أزمات متزامنة: حرب أمريكية إيرانية، وأزمة غزة، وتصعيد في اليمن، وحرب روسية أوكرانية، واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى جانب أزمة ثقة أوسع في النظام الدولي. 

منصة واحدة.. خصوم في القاعة ومصالح متقاطعة

وتكشف الدورة الحادية والثمانون مفارقة أساسية في عمل الأمم المتحدة: الدول التي تتواجه عسكريًا أو سياسيًا خارج أسوار المنظمة تجلس في المكان نفسه داخل قاعتها، وتعرض مواقفها أمام الأعضاء كافة.

فقد يجتمع خصوم الحرب على المنصة نفسها، بينما تجري مفاوضات خلف الكواليس بين حلفاء وخصوم، وتستمر في الوقت ذاته المواجهات العسكرية خارج نيويورك.

وبذلك تصبح الجمعية العامة خلال هذه الأيام أكثر من مجرد مؤتمر سنوي؛ فهي مساحة لاختبار موازين القوى، وطرح المبادرات، وتبادل الرسائل، وفتح قنوات التفاوض، ومحاولة منع الأزمات القائمة من التحول إلى صراعات أوسع.

وفي دورة تأتي بينما يعيش النظام الدولي واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ نهاية الحرب الباردة، تبدو نيويورك خلال الأيام المقبلة مسرحًا لدبلوماسية مكثفة، حيث يمكن لخطاب واحد أو لقاء جانبي أو مبادرة مفاجئة أن يغير اتجاه النقاش حول أحد ملفات العالم الأكثر سخونة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء