الأعداء يلتقون في أروقة الأمم المتحدة.. خصوم الحروب يجتمعون في نيويورك
في نيويورك، حيث تلتقط الكاميرات المصافحات والأحاديث الثنائية بين القادة والمسؤولين، وتتوقف الحروب للحظات وتلتقي الوفود المتخاصمة تحت سقف واحد، تبدو أروقة الأمم المتحدة وكأنها مسرح لمفارقة سياسية نادرة، مسؤولون يمثلون دولًا تتبادل القصف والاتهامات، يجلسون في المدينة نفسها ويتحدثون عبر الوسطاء أو يلتقون مباشرة بحثًا عن مخرج من أزمات أنهكت المنطقة والعالم.
وفي الدورة الـ81 للجمعية العامة هذا العام، تتصدر هذه المفارقة المشهد مع وجود خصوم الحرب الأمريكية الإيرانية، إلى جانب مسؤولين من دول خرجت من نزاعات مسلحة طويلة، في وقت تتحول فيه نيويورك إلى مساحة استثنائية تتجاور فيها الخصومة والدبلوماسية، وتلتقي فيها أطراف لم تجمعها ساحات القتال إلا لتبحث، ولو مؤقتًا، عن لغة للحوار.
مسبقًا، بعد أن صوّتت 152 دولة لصالح القرار مقابل 3 دول ضده، بينها الولايات المتحدة وإسرائيل.
عراقجي وويتكوف.. مفاوضات بين طرفي الحرب الأمريكية الإيرانية

يأتي اللقاء بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في مقدمة أبرز صور اجتماع الخصوم خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، بعدما التقى الطرفان في نيويورك وسط استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
كشف السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منفتح على عقد لقاء مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الذي يصل إلى مدينة نيويورك اليوم الثلاثاء للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة،
وشارك جاريد كوشنر في المحادثات إلى جانب ويتكوف، فيما جرت الاتصالات في ظل مساعٍ للبحث عن مسار دبلوماسي ينهي المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران.
وتكتسب المحادثات أهمية خاصة كونها تأتي في ظل استمرار الخلافات العميقة بين البلدين، وبعد أشهر من المواجهة العسكرية، لتتحول نيويورك إلى مساحة للاتصال بين ممثلي طرفين يقفان على طرفي حرب مفتوحة.
وبحسب تقارير إعلامية، نقلت المحادثات مطالب وشروطًا من الجانبين بشأن مستقبل الحرب والملفات المرتبطة بها، فيما تواصلت الاتصالات عبر قنوات دبلوماسية ووسطاء بهدف البحث عن صيغة للتفاهم.
وتعكس هذه المحادثات الدور الذي يمكن أن تؤديه اجتماعات الجمعية العامة، ليس فقط باعتبارها منصة لإلقاء الخطب، وإنما أيضًا باعتبارها فرصة نادرة لوجود مسؤولي الدول المتخاصمة في المكان نفسه، بما يسمح بفتح قنوات اتصال حتى في أصعب الظروف.
عراقجي وروبيو.. خصومة سياسية وحوار محتمل

ولا يقتصر الحضور الإيراني والأمريكي في نيويورك على محادثات عراقجي وويتكوف، إذ ظل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في قلب المشهد الدبلوماسي خلال اجتماعات الجمعية العامة.
ورغم عدم وجود إعلان عن لقاء مباشر بين عراقجي وروبيو في ذلك الوقت، فإن واشنطن أعلنت استعدادها للحوار مع طهران، في وقت كان فيه الطرفان يواصلان تبادل المواقف بشأن الحرب والملف النووي والعقوبات.
وقال روبيو إن الولايات المتحدة منفتحة على إجراء محادثات مع الإيرانيين إذا كان من الممكن أن تؤدي إلى نتائج، بينما ظلت طهران متمسكة بمواقفها وشروطها بشأن إنهاء الحرب.
وهكذا، تحولت نيويورك إلى مساحة تجمع مسؤولين من دولتين في حالة صراع، حتى في ظل عدم حسم إمكانية عقد لقاء مباشر بين وزيري الخارجية.
أرمينيا وأذربيجان.. من ساحات القتال إلى أروقة الأمم المتحدة
ولا تتوقف أمثلة الخصوم في نيويورك عند الولايات المتحدة وإيران، إذ تظهر أرمينيا وأذربيجان في قائمة الدول التي تحمل إرثًا طويلًا من الحروب والصراع.
ويعتزم وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان ونظيره الأذربيجاني جيهون بيراموف الاجتماع في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ظل استمرار مساعي البلدين للتوصل إلى اتفاق سلام بعد عقود من الصراع حول ناجورنو كاراباخ.
ويحمل اللقاء أهمية خاصة، إذ يأتي بعد سنوات من المواجهات العسكرية بين البلدين، كان آخر فصولها العملية العسكرية الأذربيجانية في ناجورنو كاراباخ عام 2023، والتي أعادت المنطقة إلى السيطرة الأذربيجانية.
وتحولت القضية خلال السنوات الأخيرة من مواجهة عسكرية إلى مفاوضات سياسية، فيما لعبت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أدوارًا في دعم مسار الحوار بين الطرفين.
وبذلك، تقدم نيويورك نموذجًا آخر لكيفية انتقال الخصوم من ساحات القتال إلى طاولات التفاوض، حتى مع بقاء الملفات الخلافية مفتوحة.
إسرائيل والفلسطينيون.. مواجهة سياسية عبر منبر الأمم المتحدة
ويظل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني حاضرًا بقوة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى في الحالات التي لا يجتمع فيها المسؤولون من الجانبين وجهًا لوجه.
وفي سبتمبر 2026، اتخذت الجمعية العامة قرارًا يسمح للرئيس الفلسطيني محمود عباس بالمشاركة في المناقشة العامة للدورة الـ81 عبر خطاب مسجل مسبقًا، بعدما تعذر دخوله الولايات المتحدة، في خطوة صوتت لصالحها غالبية كبيرة من الدول الأعضاء.
وفي المقابل، شاركت إسرائيل في أعمال الجمعية العامة وقدمت موقفها بشأن الحرب والقضايا الإقليمية، لتصبح قاعة الأمم المتحدة مرة أخرى ساحة للمواجهة السياسية بين طرفي الصراع.
وهنا لا يكون اللقاء بين الخصوم بالضرورة حول طاولة واحدة، وإنما عبر منصة واحدة، حيث يعرض كل طرف روايته ومطالبه أمام المجتمع الدولي.
اليونان وتركيا.. خصمان تاريخيان في نيويورك
وتظهر اليونان وتركيا أيضًا ضمن قائمة الخصوم الذين يجتمعون في نيويورك خلال أعمال الجمعية العامة، رغم اختلاف طبيعة الصراع بينهما عن الحروب المفتوحة التي شهدتها حالات أخرى.
فالدولتان، رغم عضويتهما في حلف شمال الأطلسي، تحملان ملفات خلافية طويلة تتعلق بقبرص وبحر إيجه والحدود البحرية والمجال الجوي وشرق المتوسط.
وشكلت اجتماعات الجمعية العامة في السنوات الأخيرة مناسبة للقاء المسؤولين اليونانيين والأتراك ومحاولة إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، بينما يظل التنافس والخلاف حول عدد من الملفات قائمًا.
وفي 2026، كان ملف العلاقات بين البلدين حاضرًا في أجندة المسؤولين خلال وجودهم في نيويورك، لكن التقارير لم تؤكد انعقاد لقاء مباشر بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، وهو ما يجعل هذه الحالة مختلفة عن اللقاءات المؤكدة بين أطراف أخرى.
الجمعية العامة.. خصوم في القاعة وحوار خلف الأبواب
وتكشف هذه النماذج أن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تقتصر على الخطب الرسمية والمواقف المعلنة، وإنما توفر بيئة دبلوماسية فريدة يمكن فيها لمسؤولي الدول المتخاصمة أن يلتقوا في المدينة نفسها، أو يجلسوا إلى طاولة واحدة، أو يتواصلوا عبر الوسطاء، رغم أن دولهم قد تكون في حالة حرب أو تعيش واحدة من أكثر مراحل العلاقات توترًا.
وفي حالة الولايات المتحدة وإيران، اجتمع ممثلون عن طرفي حرب مستمرة في محاولة للبحث عن مسار تفاوضي، بينما تحمل محادثات أرمينيا وأذربيجان إرثًا من الحروب والنزاعات على مدى عقود.
أما الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فيظهر داخل الجمعية العامة بصورة مختلفة، عبر مواجهة سياسية وخطابية مستمرة بين طرفين لا تزال الحرب والصراع بينهما مفتوحين.
وهكذا، تتحول نيويورك خلال أسبوع الجمعية العامة إلى نقطة التقاء استثنائية؛ يجتمع فيها الحلفاء والخصوم، ويتجاور فيها من يملكون قرار الحرب مع من يبحثون عن وقفها، فيما تظل الدبلوماسية حاضرة حتى في أكثر النزاعات تعقيدًا.





