رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الشاعر اليمني إبراهيم أبو طالب: بوصلتي في رمضان الصمت والتدبُّر| حوار

الشاعر والناقد اليمني
الشاعر والناقد اليمني الدكتور إبراهيم أبو طالب

رمضان شهرُ عبادة وإكثار من العمل والذكر 

 صفة الأديب وكذلك صفة الأكاديمي لا تظهر في البيت  

القرآن في تأمله يمنح السكينة والخير والاطمئنان والراحة

 أجمل ذكرى رمضان اللعب في حارتنا في “نُقُم”

في شهر رمضان، تتقابل السيرة الشخصية مع المعنى الروحي، وتغدو الذكريات جزءًا من طقس العبادة ذاته.. وحين يكون المتحدث أديبًا وناقدًا، فإن الحديث عن الشهر الكريم لا يأتي باعتباره إجابة عابرة، بل يكون نصًا من الحياة، تتجاور فيه التجربة الإنسانية مع التأمل، والطفولة مع الحكمة، واليومي مع المقدس.

وفي حوار حول طقوس الشهر الفضيل، يحل علينا من صنعاء بدولة اليمن، أستاذ الأدب والنقد الحديث، الأكاديمي والشاعر والكاتب المتخصص في أدب الطفل، وأستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك خالد في المملكة العربية السعودية، الدكتور إبراهيم أبو طالب.

وفي حديثه لـ"إيجبتك"، لا يفصل بين الأستاذ والإنسان، ولا بين الناقد والطفل الذي ما زال يسكنه؛ بل يروي تفاصيل رمضان كما لو كان يكتب نصًا سرديًا؛ تتجاور فيه موائد الإفطار الشعبية، وقهوة القشر المبخَّرة بالمستكا، وصوت التلاوة المنبعث من مكبرات الصوت في القرى، مع لحظات الصمت والتدبر التي يجعلها “بوصلة” يومه في أوقات الضغط، وفيما يلي نص الحوار: 

 

ماذا يمثل لك شهر رمضان وكيف تؤثر على كتابتك؟

- شهرُ عبادة وإكثار من العمل والذكر، وزيارة لبيت الله الحرام وصيام العشر الأواخر في (مكة المكرمة) خلال العقد الأخير من إقامتي في المملكة العربية السعودية.. تؤثر بالإيجاب، حيث أجد وقتًا أكثر في الكتابة وبخاصة في النصف الأول من الشهر.

أين تفضل الصلاة في رمضان؟ ولماذا؟

- في المسجد القريب من منزلي، وبالنسبة لصلاة التراويح في المساجد الجامعة التي فيها من يُجيد ترتيل القرآن ترتيلا جيدا ومؤثرا وليس مجرد حَدْر وقراءة لا خشوع فيها ولا تأمُّل، وفي الخواتم من رمضان وما قبلها أفضله  غالبا وبحمد الله- في المسجد الحرام.

حين تعود للبيت نهارًا.. هل تخلع صفة الأديب؟ أم تبقى حاضرة على المائدة؟

- صفة الأديب لديَّ، وكذلك صفة الأكاديمي لا تظهر على المائدة ولا في بيتي أصلا، فأنا في المنزل الأب والزوج فقط والقريب من أهله، ومن يقوم على خدمتهم ومنفعتهم. 

من هو “بوصلة” يومك الرمضاني وقت الضغط؟

- لا أحمَّلُ وقت الضغط أحدًا، بل أجعل بوصلتي الصمت والتدبُّر في الأمر، والهدوء، ولهذا أعوُّد النفس على الجَلَد والتحمُّل؛ لأن الحياة فيها كل المتناقضات التي تضطرنا كثيرًا إلى ترديد مقولة الشاعر العربي الحكيم زهير بن أبي سُلمى: الذي عبر عن سأمه بتكاليف الحياة، وقد بلغ الثمانين، وحتى وأنا في الخمسين، ولكن نظل مأمورين بالاستمرار والاستمتاع بتفاصيل الحياة وإن رأيناها تكاليف، فالحمد لله على كل أمر وفي كل وقت، وما قد يعتقده المرء من روتين يومي ممل، فهو الحياة نفسها، وحين يفقد شيئًا منها أو من صحته يحمد الله على ذلك العادي واليومي ويفتقده ويحنُّ إليه، ومن هنا فإن بوصلتنا هي من تصنع أيامنا وتوجهها من خلال اليومي والعادي والمكرر، وبالنسبة للشخص الذي قد يمثل لي مؤشرًا هو تذكر جدي رحمه الله ومواقفه في الحياة وسلوكه الذي ما زلتُ أتأمله دائما وأعيش معه تفاصيل حياته على الرغم من مغادرته لدنيانا قبل أكثر من عشرين عامًا، حيث تتطابق معي كلماته ومواقفه مع مستجدات بعض تفاصيل الحياة فأستلهمه.

 

هل لك بصمة خاصة في المطبخ خلال رمضان؟

- إن كنتَ تقصد المشاركة في المطبخ فلا، لأني - بحمد الله - محاط بالسيدات الفاضلات منذ طفولتي نشأتُ بين عمَّات وخالات وأمهات، ثم حين صرتُ زوجًا ثم أبًا رزقني الله من البنات أربعا، لهذا لا يقبلنَ مني مشاركة ولا عملا، ولكني أطلب منهن في رمضان ما يذكِّرني بالصيام في قريتي (يَعْدِس) بالحيمة الخارجية، ثم (صنعاء) المدينة الرائعة الأنيقة، من أكلات شعبية لذيذة وقهوة قِشْر تُسكب في أكواب مبخَّرة بالمستكا، وبعض الأكلات مثل ما يسمى بـ (الكَعَادِف) وهي (أقراص الرومي) المصنوعة من الذرة الشامية، وكذا حبيبات العتر المقلية، وقهوة القشر اللذيذة، واللحوح (رقائق الذرة) فضلا عن الأمور المستحدثة من الأكلات اللذيذة مثل الشَّفُوت، وبنت الصَّحن والسَّلْتَة التي يمتاز بها المطبخ اليمني العريق.

 

أين تكون لحظة أذان المغرب غالبًا؟ وما أول ما تفكر فيه؟

- غالبًا أفطرُ مع أهلي في المنزل، ثم أذهب لصلاة المغرب، أول ما أفكر فيه هو الدعاء والشكر على نعم الله وفضله واستحضار كرمه وجوده.

 

ما أجمل ذكرى من رمضان الطفولة لا تفارقك؟

- اللعب في حارتنا في (نُقُم) حين كنتُ أذهبُ للصيام في العاصمة لدى الوالد والوالدة، لأني كنتُ أعيش بقية العام في الريف لدى جدي وجدتي -رحمهما الله وغفر لهما- فكنا في صنعاء نجتمعُ مع أطفال الحارة في ليلي رمضان المضيئة ونمرح ونلعب مساءً. ثم مما لا يفارقني أيضًا تلك الأطباق الشهية التي كنا نتناقلها مع أطفال الجيران بين المنازل نُعطي ونأخذ من الفطور ما يمثِّل قبل المغرب حركة دائبة وسرعة مشهودة بين مطبخ والدتي ومطابخ الجيران جيئة وذهابا، ثم نسرع في ذلك قبل أن نحمل فطور الوالد -حفظه الله- من التمر والفتة بالسمن والعسل إلى سوح المسجد القريب من منزلنا بصنعاء حيث كان السوح يفرش بموائد طويلة يحضر فيها كلُّ صائم ما تيسر، ويفترشون الأرض وينتظرون الأذان، وكأنهم عائلة واحدة، حتى من يأتي غريبًا يجلس معهم فينعم الكل بمائدة إفطار شهية ومتنوعة فيها البركة وقد تغني عمَّا يسمى الآن (موائد الإفطار) حيث لا يشعر فيها المفطر بأنها من الصدقة أو نحوها، ولكنه يأكل مع الناس بروح ضيف لا مضيف له سوى تلك القلوب والسعة في الصدور والمحبة والتكاتف الاجتماعي الأصيل. ثم حين صرتُ يافعًا كنتُ أقضي خواتيم رمضان في الحيمة الخارجية حيث منزلنا الكبير مع الجد والإخوان وأبناء العم وكثير من الأقارب الذين كانوا يتجمعون استعدادا للعيد في منزلنا الريفي الجميل، ونحن قبيل المغرب نحمل أطباقنا والتمر ونستمع عبر مكبرات الصوت إلى تلاوة آيات من الذكر الحكيم بصوت الشيخ المقرئ (محمد القريطي) الذي ما يزال صوته يملأ الآفاق وتلك الوهاد والشعاب وكأني ما أزال أستمع إليه الآن يصدح في جوانب الروح كلما حلَّ علينا رمضان المبارك.

ما السورة أو النص الذي يمنحك سكينة خاصة في رمضان؟

- لا يوجد سورة بعينها، ولكن لعلَّ آخر سورة البقرة هي أكثر ما أردِّدها لما تحتويه من إيمان مطلق وأركان شاملة للعقيدة، وما فيها من الدعاء الذي لا يشبهه في التسليم والاعتراف ببشريتنا شيء، وكل ما في القرآن لو تأملناه يمنح السكينة والخير والاطمئنان والراحة.

موقف بسيط في رمضان علّمك درسًا لا يُنسى؟

- حين كنتُ طفلًا وفي نهار رمضان، خرجتُ وفي جيبي كسرة خبز، وكنتُ قد ادعيتُ أني صائم وخلف منزلنا جلست مبتعدًا عن الأنظار آكل تلك القطعة الجافَّة اللذيذة، فمرَّت إحدى الأمهات من الجيران، ولمحتني فلم تقل سوى:" يا إبراهيم قد صُمتَ من الصباح إلى الآن، ثم صُم إلى المساء، وخلي (اجعل) عمَّتك أو قالت جدتك "تَرْقَع" لك اليوم؛ لتكون قد صمت يومًا كاملا". ثم مضت وأنا أشعر بالحرج، لكنها عالجت ذلك الموقف بطريقة لطيفة وبأسلوب جديد عليَّ إذ خلَّصتني من الأمر بفتح خيالي على كيفيَّة أن يُرقع اليوم الرمضاني ويصير يومًا كاملًا من الصِّيام، وفي الوقت نفسه تفهَّمت طفولتي وحاجتي إلى الطعام مع رغبتي في الصيام، ومن هنا علمتني هذه السيدة الفاضلة والجارة المحترمة كيفية التربية الحديثة الإسلامية من قِبل امرأة لم تدخل مدرسة ولم تقرأ كتابا، ولكنها سليلة ثقافة تربوية ريفية يمنية أصيلة في التعامل مع الأطفال وفق فطرتهم السليمة وأمومتها النقية الحكيمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء