رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سمير الفيل: الكنافة لها سحر أخاذ.. والمرأة الدمياطية مُدبرة وشاطرة|حوار

الأديب الكبير سمير
الأديب الكبير سمير الفيل

*سمير الفيل: أكتب في الهزيع الأخير من الليل.. ورمضان موسم الذكريات والنصوص

*سمير الفيل: لا ديمقراطية على مائدة الإفطار.. والكتاب يولد مع كوب شاي ساخن

*سمير الفيل: من كورنيش النيل إلى مقهى شاهين.. رمضان يصنع حكاياتي

في الهزيع الأخير من ليل رمضان، حيث يتولد الفكر والإلهام، تاركًا للذكريات أن تغوص في أعماق قلبه بلا استئذان، وبين سكينة المقابر، وضجيج المقهى، وسحر الفانوس القديم، يكشف لنا الأديب الكبير سمير الفيل، في حوار خاص لـ “إيجبتك”، عن طقوسه الإنسانية والكتابية، وكيف يمنح الشهر الكريم للحكاية طعمًا مختلفًا.

ما هي طقوس الكتابة لديك خلال شهر رمضان؟

أكتب غالبا في الهزيع الأخير من الليل، هذا هو موعدي المفضل في الكتابة، في شهر رمضان الكريم، أقرأ أكثر مما أكتب، وأعيش حالة من البحث عن الذكريات، وهي تتسلل لفضاء نصوصي القصصية بلا قصد أو تعمد.

وقد سبق أن أنجزت مجموعتي " شمال.. يمين" وهي في إطار أدب الحرب، في شهر رمضان، وكذلك مجموعة " مكابدات الطفولة والصبا" التي نُشرت ببيروت، فيها جانب مهم عن عملي المبكر في ورش الأثاث، وأسعى هذا العام لكتابة مجموعة قصصية حول الأمكنة التي زرتها داخل مصر وطابع كل مدينة. أحتاج فقط لكوب شاي ساخن، وجهاز كمبيوتر، وخط كهرباء مؤمن حتى لا تتلاشى كتاباتي كما حدث معي مرات. 

* عند عودتك للمنزل في نهار رمضان.. كيف تخلع الأديب؟ وهل تفرض قوانينك الخاصة نفسها على مائدة الإفطار أم أن "ديمقراطية البيت" هي الغالبة؟

لا ديمقراطية في طعام الإفطار، ما يحدد الموجود على السفرة أمران: الوضع الاقتصادي، ومزاج الأسرة، وعلى العموم المرأة الدمياطية مدبرة وشاطرة، تصنع من الفسيخ شربات.  

روح الأديب وتخريجاته وتأملاته موجودة طول الوقت، وأنا واحد من المؤمنين أن الأشياء تتداخل، وتتقاطع، فالمائدة يحكمها ما في جيبك من نقود. 

الياميش أراه في الأسواق ولا أجسر على الاقتراب منه، نأتي فقط بالزبيب وجوز الهند المبشور لحشو البط والسمان، لكنني أعترف أن صينية " الكنافة " الدائرية لها سحر أخاذ، و" القطايف " نصنعها في البيت بعدة طرق. 

* دينامو اليوم: من هو الشخص (الجندي المجهول) الذي يعتبر "بوصلة" يومك الرمضاني وتلجأ إليه حين تشتد ضغوط العمل مع الصيام؟

في الأيام الاولى للصيام، أُصاب بصداع هائل، ثم يخف تدرجيا، ألجأ للجلوس مع رفاق المقهى من زملائي الكتاب، فأفضفض معهم عما يشغلني، وأجد في حديثي معهم ما يخفف عني، وهم يفعلون معي نفس الشيء معي. 

 بعد موت أمي ـ منذ سنوات قليلة ـ صرت في صحراء جدباء وكانت تمنحني السكينة وهدوء البال. ربنا يرحم أمهاتنا جميعا؛ فهن السكينة والملاذ. 

وفي عز شهر رمضان أذهب لقبر أبي الذي مات وعمري عام ونصف، أحدثه بصوت خافت، ولما كانت أمي قد ماتت في وقت قريب فإنني أزورها واضع الخوص الاخضر على الحدبة، وأعود لتسجيل كنت قد اجريته معها كله مسامرات وفكاهة فأكتشف حياة أخرى وراء الباب المغلق.

تحدي المطبخ: بعيداً عن الأدب.. هل تملك "تخصصاً" في المطبخ يجمع العائلة عليه؟ وهل تدخل المطبخ للمساعدة أم بدافع "الفضول الرقابي" فقط؟

لا أدخل المطبخ عادة إلا لعمل كوب الشاي، وأحيانا لتجهيز السلطة فقط، حين أكون بمفردي أقوم بطهي الأرز، واعتمد على تراثي في هذا المجال فأطهو " الصيادية "، وهي أكلة مخيفة، لذيذة جدا، لكنها تصلح في غير شهر الصيام. 

أهم الأطعمة عندي: أصابع الجمبري، الكابوريا المسلوقة، طهي الطيور المهاجرة المحشوة ب “المورتة " (هو البصل مع البهارات)، وأيضا " الكوارع"، لكنها صارت غالية الثمن جدا. 

كما توجد أكلات لا يعرفها غير النساء القديمات: " الفقعية" من السمك المسلوق مع الكركم، و" الخبيزة “، و" الرجلة “، أما " البصارة " فهي شائعة ولا تؤكل إلا بخبز طالع من الفرن، ساخنا. 

لحظة المغرب: عندما يُرفع الآذان وأنت لا تزال خلف مكتبك (أو في طريقك للمنزل).. ما هي أول فكرة تخطر في بالك؟ وما هو أول شيء تتناوله؟

في طفولتنا كنا نذهب إلى كورنيش النيل أمام جامع البحر، ننتظر رفع الآذان؛ لنشاهد العسكري يحك" البومبة" ويطلق المدفع ثم نطير إلى بيوتنا بأقصى سرعة. 

حين صرنا في معمعة " الشيخوخة" صار الوقوف في البلكونة، وانتظار رفع الآذن حدثا يوميا فيه سحر وجمال. أول مشروب هو السوبيا أو عصير الخروب أو قمر الدين المجلوب من سوريا. 

لك أن تتصور أن في مواجهة البيت الذي أقطنة مقهى شعبي، بعد نصف ساعة فقط من ضرب المدفع، تجده يغص بالزبائن وقد أتوا لشرب كرسي المعسل أو النرجيلة، فهي أهم شيء عندهم. 

فانوس زمان: ما هي الصورة "الأبيض وأسود" التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟ وكيف تحاول استعادتها لأبنائك وأحفادك اليوم؟

عاصرت الفانوس ذي الشبابيك الزجاج بأربعة أوجه من الزجاج الملون، ثم وضع الشمعة في المنتصف مع وجود فتحات التهوية بأعلى، وكنا نطوف به الأزقة بنات وصبيان. بعد فترة طويلة يغزو الفانوس الصيني والتيواني وصادر هونج كونج الأسواق، يعمل بالحجارة، بلا روح، أشبهه بالوردة البلاستيك التي لها شكل جميل وبلا رائحة.

كما كنا نستخدم " البمب" و" الحبش" و" الصواريخ الفوسفورية" التي اختفت منذ حوالي عشرين عاما وكانت تجلب من الموسكي وحي الأزهر، وكانت توجد" البخوت" وهي رقعة ورقية من 100 رقم، تشبه ألعاب المولد . 

هذا يدفعني لتذكر ألعابنا الشعبية الخشنة: بلتك، ركبت خيولها، السبع طوبات ، الكرة بالميس، وقد ضمنتها كتابي " البيت القديم" الصادر عن الهية المصرية العامة للكتاب، عام 2015. 

ساعة السكينة: بعيداً عن أوراقك الخاصة.. ما هو النص الأدبي الذي تمنحك قراءته في رمضان طاقة نفسية خاصة؟

أرجع خلال شهر رمضان إلى كتب بعينها لقراءة فصول منها، من هذه الكتب: " شخصية مصر" لجمال حمدان، " مصر القديمة" لسليم حسن، " ضرورة الفن" لأرنست فيشر، " الغصن الذهبي " لجيمس فريزر، كما يوجد ديوان أحبه جدا هو " عبير الارض " لفوزي العنتيل، الذي اتجه بعد ذلك إلى الفلكلور . 

موقف إنساني: ما هو الموقف البسيط الذي صادفك في نهار رمضان (في الشارع أو العمل) وعلمك درساً في الحياة لم تجده في أمهات الكتب أو اللوائح الإدارية؟

قابلت مواقف عديدة، منها: في نهاية شهر رمضان كان الأستاذ بشرى بندلي، وهو مسيحي، يحضر في الحصة الخامسة قرب نهاية شهر رمضان، ليصحب بعض طلاب المدرسة لشراء ملابس العيد من حصيلة " الكانتين"، هؤلاء أطفال مات أباءهم، وهو تقليد كان يتم بسرية تامة، فمن متاجر الشراء إلى البيت بكل هدوء. 

ومنها المرح: في مرة كانت عندي ندوة شعري في رمضان بالقليوبية، أصر الموظف المكلف باصطحابي للمطعم بأن أفطر مع عائلته وفعلا ذهبنا إلى البيت، ولأنه كان قد بقي حوالي ساعتين على مدفع الإفطار فقد قمت بتدريس منهج اللغة العربية لاثنين من أبنائه، كان الولد خائبا والبنت في غاية التفوق. 

منها الحزين: كنا قرب المغرب، ننتظر انطلاق المدفع، فجأة وقعت بلكونة عائلة مجاورة لبيت جدي ولحسن الحظ لم تقع على بشر بل على رأس حمار بائع اللبن، وهو الذي نفق، وقام المارة بإخلاء المكان، والتسرية عن البائع القادم من قرية " البصارطة"، ومنع المرور ليوم كامل تحت البيت حتى جاءت البلدية.

 ومن الوقائع التي لا أنساها أيام ازدهار الراديو، أن طاهر أبوفاشا كان يأتي في شهر رمضان ليجلس مع أصدقاء الطفولة على مقهى " شاهين" في قلب سوق الحسبة "، وكانوا يناقشونه في أحداث " ألف ليلة وليلة " التي يخرجها محمد محمود شعبان. حين أكبر يهديني كتابين من تأليفه:" دموع لا تجف " في رثاء زوجته نازلي، و" شرح قصيدة أبو شادوف " من الأدب الشعبي. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء