40 ألاف للمرافق.. طلاب ذوي الاحتياجات : "الدمج على الورق بس"|خاص
مع إطلاقة كل عام دراسي جديد، تتجدد معاناة فئة كاملة ألقي بها في زحام المنظومة التعليمية دون سند حقيقي؛ فهم طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة وأولياء أمورهم الذين يقفون على أبواب المدارس محاصرين بسؤال واحد يختصر قهرهم اليومي: "هل هناك دمج حقيقي على الأرض، أم أنه مجرد حبر على ورق؟".
ورغم أن التشريعات والقوانين تكفل حق الدمج، وتؤكد وزارة التربية والتعليم أن نسب المدارس الدامجة تخطت حاجز التسعين بالمائة، إلا أن الواقع داخل الفصول يحكي قصة أخرى تماماً؛ قصة عنوانها العزل، والعجز الإداري، والنزيف المادي المنهك للأسرة المصرية.
"مفيش دمج.. فيه فصل جوه الفصل"
على أرض الواقع، يتحول حق الدمج الدستوري إلى شكل من أشكال التمييز القاسي والعزل الخفي داخل نفس جدران الفصل الدراسي.
أم يوسف، ولية أمر لطفل يبلغ من العمر 10 سنوات مصاب باضطراب التوحد بإحدى المدارس الحكومية بالجيزة، تروي مأساتها لـ "إيجبتك" قائلة: "قالولي بنعمل دمج، دخلت الفصل لقيت 50 طالباً، والمدرسة بأكملها غير مدركة لطبيعة حالته. تم وضعه في آخر دكة بمفرده، وبدون أي تفاعل أو تعامل من المعلمين. يعود ابني كل يوم باكياً رافضاً الذهاب للمدرسة.. أين الدمج في هذا؟ هذا عزل صريح"
أبو سلمى، أب لطفلة تعاني من متلازمة داون في مدرسة تجريبية، يضيف بحرقة: "أبلغتني المديرة بكل صراحة: (لا توجد لدينا إمكانيات، لا حمامات مناسبة ولا منحدرات لكراسي المتحركة.. خذيها إلى مدرسة فكرية أفضل). لماذا يُراد حرمان ابنتي من حقها في التعلم وسط المجتمع؟"
مدارس خالية من أبسط مقومات الدمج
بجولة ميدانية شملت عدداً من المدارس الحكومية والتجريبية والخاصة، تتطابق النتائج وتكشف عن عجز هيكلي صارخ:
غياب تام لفصول المصادر وغرف الحواسيب الحسية.
حمامات غير مؤهلة نهائياً لاستخدام ذوي الاحتياجات الخاصة والكراسي المتحركة.
غياب التدريب الحقيقي والعملي للمعلمين على كيفية إدارة الفصول الدامجة والتعامل مع التوحد، وفرط الحركة، وصعوبات التعلم.
نقص حاد أو انعدام لوجود أخصائي نفسي أو تخاطب متفرغ داخل الكيانات المدرسية.
وفي هذا السياق، يوضح مدير مدرسة حكومية بإدارة العمرانية الواقع بصراحة قاسية: "نرغب في المساعدة بكل تأكيد، لكن الإمكانيات صفر. الفصل يحوي 60 طالباً، فأين أجد معلم ظل، وأدوات، وأجهزة متخصصة؟ الوزارة تعلن عن الدمج وتفرضه دون إرسال ميزانية أو توفير تدريب حقيقي".
كوارث "المرافق التربوي".. تجارة تكسر ظهر الأسر
تتحول عملية توفير "مرافق تربوي" (معلم الظل) إلى باب من أبواب الاستنزاف المادي والنفسي لأولياء الأمور، حيث تشترط المدارس وجود مرافق كشرط أساسي لتقييد الطفل.
تشرح مدام نجلاء (والدة طفل مصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه - ADHD) تفاصيل المعاناة الحسابية: "المرافق تتقاضى نحو 3500 جنيه شهرياً، أي ما يقارب 35 ألف جنيه في العام الدراسي، فضلاً عن المصاريف الأساسية للمدرسة التي تبلغ 20 ألفاً؛ ليصل الإجمالي إلى 55 ألف جنيه كي يحظى ابني بمجرد الجلوس في مقعده الدراسي. والمشكلة أن اختيار المرافق وموافقتها تقع على عاتق ولي الأمر وحده، ولو حدث خلاف واضطرت للمغادرة في منتصف العام، أعود للدوامة من جديد".
وتؤكد أم لطفلين من ذوي طيف التوحد المعاناة ذاتها قائلة: "استقدمت مرافق بتكلفة 40 ألف جنيه، وبعد شهرين فقط أخبرتني إدارة المدرسة بعدم رضاها عن الأسلوب وطلبت تغييره. من أين لي بهذا القدر من المال؟ لقد تحولت مهنة المرافق إلى تجارة، وابني في النهاية هو من يدفع ثمن هذا العبث".
الأهل والطلاب بين مطرقة الدمج وسندان الرفض
لا تقتصر الأزمة على الجانب المالي، بل تمتد لتخلّف ندوباً عميقة في البناء النفسي للأسرة والطفل على حد سواء.
وفي هذا الإطار، تؤكد د. رشا كمال، أخصائية الصحة النفسية، لـ "إيجبتك": "تعيش الأم إحساساً مزمناً بالذنب والتقصير؛ فهي تطرق أبواب عشرات المدارس وتُقابل بالرفض، وتدفع غالياً لضمان مكان لابنها ومع ذلك لا يندمج. هذا الضغط المفرط يولّد اكتئاباً وقلقاً حاداً. أما الطفل، فيتسلل إليه شعور مؤلم بأنه مختلف ومنبوذ حين يُعزل في مؤخرة الفصل دون مشاركة أو تفاعل، وهو ما يناقض الفلسفة الحقيقية للدمج من الأساس".
مطالب أولياء الأمور: حلول فعلية لا شعارات ورقية
يتفق أولياء الأمور على حزمة مطالب رئيسية واضحة المعالم لإنقاذ أبنائهم، وتتضمن: تدريب حقيقي وإجباري: تنظيم برامج تدريب عملية لكافة المعلمين على أساسيات التعامل مع الطلاب دمجاً.
تجهيز البنية التحتية للمدارس وإنشاء منحدرات (رامبات)، وتعديل الحمامات، وتوفير فصول مصادر مدعومة بميزانية وزارية مخصصة.
وتضمنت المطالب أيضا تنظيم مهنة المرافق التربوي: إدراج دور المرافق ضمن المنظومة الرسمية بمرتبات ومظلة واضحة من المدرسة بدلاً من ترك الأهالي فريسة للسوق الحر.
كما طالبوا ربقابة ومتابعة ميدانية من خلال تفعيل لجان تفتيش ومتابعة من الإدارات التعليمية لتقييم كفاءة الدمج على أرض الواقع ومنع عزل الطلاب داخل الفصول.
ويبقى صوت أم يوسف معبراً عن ملايين الأسر بصرخة وجع ختامية: "نحن لا نشحت، بل نطلب حق أولادنا الأصيل في التعليم. لا نريد حبسهم في المنازل ولا إلقاءهم في مراكز خاصة باهظة التكلفة.. نريد مدرسة حقيقية تحضنهم".









