«الحارة في أدب نجيب محفوظ».. مناقشات ثقافية تستعيد عالم أديب نوبل في بني سويف
عقد قصر ثقافة بني سويف ندوة بعنوان «الحارة في أدب نجيب محفوظ»، ضمن أنشطة الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، احتفالًا بالذكرى العشرين لرحيل الأديب العالمي نجيب محفوظ، وفي إطار برامج وزارة الثقافة.
وأدارت الندوة الشاعرة سيدة فاروق، بمشاركة الناقد محمد علام والناقدة جهاد طه، حيث تناول اللقاء خصوصية الحارة في المشروع الأدبي والفكري لنجيب محفوظ، ودورها في تشكيل عالمه الروائي، إلى جانب أبرز العوامل التي أسهمت في تكوين تجربته الأدبية والفلسفية.
الحارة في عالم نجيب محفوظ
واستهلت الشاعرة سيدة فاروق الندوة بالحديث عن خصوصية الحارة في المشروع الأدبي والفكري لنجيب محفوظ، ودورها في تشكيل عالمه الروائي، إلى جانب الوقوف على أبرز العوامل التي أسهمت في تكوين تجربته الأدبية والفلسفية.
من جانبها، تحدثت الناقدة جهاد طه عن الحارة في أدب نجيب محفوظ، مشيرة إلى أنه لا يمكن اختزالها في كونها مجرد موقع تجري داخله الأحداث، وإنما تتحول إلى عالم روائي متكامل يحمل دلالات اجتماعية ونفسية وفلسفية.
وأوضحت أن الحارة تمثل في أعمال محفوظ نموذجًا مصغرًا للمجتمع المصري، إذ تجمع شخصيات تنتمي إلى طبقات وشرائح اجتماعية متعددة، وهو ما يتيح للكاتب رصد أشكال مختلفة من العلاقات والصراعات والتناقضات داخل المجتمع.
وأضافت أن الحارة تؤدي كذلك وظيفة مرتبطة بالذاكرة والهوية، فالشخصيات لا تعيش في المكان بمعزل عنه، وإنما تتشكل علاقاتها وعاداتها وقيمها من خلاله، ليصبح المكان عنصرًا فاعلًا في بناء الشخصية وليس مجرد خلفية للأحداث.
كما كشفت عن استثمار محفوظ للحارة في الكشف عن طبيعة العلاقات الإنسانية، من خلال علاقات الجيرة والحب والصداقة والعداء والسلطة، لافتة إلى أن الحارة عنده تقوم على مفارقة أساسية، استطاع من خلالها الكتابة عن قضايا الفقر والطبقية والسلطة والعادات والتقاليد والتحولات الاجتماعية التي مر بها المجتمع المصري.
تفاصيل المكان وبناء العالم الروائي
وتوقفت الناقدة جهاد طه عند العناصر التي تتكون منها الحارة المحفوظية، وأسهمت في صناعة العالم الروائي، وفي مقدمتها الزقاق والشارع والمقهى والدكان والبيت.
وأشارت إلى رواية «زقاق المدق»، التي تتحول فيها الحارة إلى نموذج مصغر لمجتمع يعيش حالة من التحول، وتتقاطع داخله الرغبات الفردية مع القيم الاجتماعية والتقاليد.
وأكدت أن العلاقة بين الشخصية والمكان عند نجيب محفوظ علاقة جدلية؛ فالشخصية تتأثر بالمكان وتتشكّل داخله، وفي المقابل تكشف الشخصيات من خلال سلوكها وعلاقاتها عن طبيعة المكان الذي تنتمي إليه.
عوامل تشكيل شخصية نجيب محفوظ
وفي حديثه، استعرض الناقد محمد علام العوامل التي أسهمت في تشكيل شخصية نجيب محفوظ الأدبية والفكرية، مؤكدًا أن فهم تجربة محفوظ لا يمكن فصله عن السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي الذي عاصره، ودراسته للفلسفة، واحتكاكه المبكر بالحارة المصرية.
وأشار إلى أن محفوظ ولد في حي الجمالية بالقاهرة، وهي بيئة شعبية اتسمت بالتنوع الاجتماعي والثقافي، وكان لهذا المحيط أثر واضح في تكوين وعيه وتشكيل عالمه الروائي فيما بعد.
وأضاف أن الحارة لم تكن بالنسبة لمحفوظ مجرد مكان جغرافي، وإنما تحولت إلى نموذج مصغر للعالم، استطاع من خلاله أن يطرح أسئلة تتجاوز حدود المكان إلى قضايا إنسانية وفلسفية أوسع، حتى أصبحت واحدة من أهم المفاتيح التي يمكن من خلالها قراءة مشروعه الروائي وفهم رؤيته للمجتمع والإنسان.
الفلسفة وتكوين رؤية نجيب محفوظ
وعن التكوين الفكري لنجيب محفوظ، أوضح محمد علام أن الأديب الراحل درس الفلسفة في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، مضيفًا أن فلسفته لم تتشكل من مصدر واحد، وإنما جاءت نتيجة تفاعل مجموعة من الروافد الفكرية والثقافية، من بينها الثقافة الشعبية والتاريخ المصري والواقع الاجتماعي والتجربة الشخصية والاحتكاك بالناس والمكان.
كما تطرق الناقد محمد علام إلى تجربة محفوظ الأدبية والتحولات الكبرى التي شهدها المجتمع المصري، مشيرًا إلى أن الأديب الراحل عاش فترة تاريخية شديدة الثراء والتحول؛ فشهد ثورة 1919 في طفولته، ثم عاصر التحولات السياسية والاجتماعية التي تلتها، وصولًا إلى ثورة يوليو 1952.
وأكد أن هذه التحولات انعكست على الشخصيات والأمكنة والصراعات التي قدمها نجيب محفوظ في أعماله، وجعلت من الرواية وسيلة لرصد التحولات التي طرأت على المجتمع المصري.
من المكان اليومي إلى عالم أدبي واسع
ونفذت الندوة بإشراف إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي، ومن خلال فرع ثقافة بني سويف، واختُتمت بفتح باب المداخلات مع الجمهور.
ودارت النقاشات حول قدرة الكاتب على تحويل المكان اليومي المألوف إلى عالم أدبي واسع، يحمل مستويات متعددة من الدلالة، ويتيح للقارئ الانتقال من التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة كبرى تتعلق بالإنسان والمجتمع.





