«الواقعية في كتابات نجيب محفوظ».. ندوة ثقافية بالدقهلية تستعيد عالم أديب نوبل
نظمت الهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة الفنان هشام عطوة، ندوة بعنوان «الواقعية في كتابات نجيب محفوظ»، وذلك بمكتبة مصر العامة بمحافظة الدقهلية، ضمن برنامج احتفالات وزارة الثقافة بالذكرى العشرين لرحيل أديب نوبل نجيب محفوظ، والتي تتناول مسيرته الأدبية وإبداعه الذي ترك أثرًا بارزًا في الأدب العربي.
شارك في الندوة الدكتورة رشا الفوال والدكتور محمد عطوة، وأدارتها حنان ماهر، التي استهلت اللقاء بتقديم نبذة عن السيرة الذاتية للأديب الراحل، الذي استطاع من خلال كتاباته النفاذ إلى أعماق الإنسان، والكشف عن أحلامه ومخاوفه وصراعاته وأسئلته الكبرى، كما جعل من المكان الواقعي فضاءً للتأمل في قضايا الإنسان والحياة والقدر والحرية.
محفوظ ورصد المجتمع المصري
وتناولت الندوة تجربة نجيب محفوظ في رصد واقع المجتمع المصري، من خلال تصوير الشوارع والأحياء والبيوت والشخصيات، إلى جانب اهتمامه بالصراع النفسي الداخلي للإنسان، وصراعه مع الآخر، وهو ما منح أعماله بعدًا إنسانيًا وفنيًا يتجاوز مجرد تسجيل تفاصيل الحياة اليومية.
من جانبه، تحدث الدكتور محمد عطوة عن مفهومَي الواقعية والخيال، مؤكدًا أنه لا يوجد تعارض بينهما في كتابات نجيب محفوظ، موضحًا أن الأديب الراحل لم ينقل الواقع كما هو، وإنما أعاد توظيفه داخل رواياته وفق رؤيته الفنية الخاصة، تاركًا مستويات التلقي والتأويل أمام القارئ.
كما تطرق إلى كتابة محفوظ عن الحارة وشخصياتها، موضحًا أن الأديب الراحل كتب عن الشخصيات الإنسانية في المقام الأول، قبل أن تتحول هذه الشخصيات إلى رموز وأسئلة فلسفية، بما أتاح مساحة واسعة للأفعال وردود الأفعال والتأويل.
صراعات الشخصيات والاغتراب النفسي
بدورها، تناولت الدكتورة رشا الفوال أسلوب نجيب محفوظ في تقديم الوصف الخارجي والداخلي للشخصيات، بصورة تجعلها تكشف عن ذواتها وأزماتها النفسية، مشيرة إلى ظهور شخصيات في بعض أعماله تعاني الاغتراب النفسي عن الذات والاغتراب المكاني، وأخرى تعيش انقسامًا داخليًا بين ما تريده وما ينبغي أن تكون عليه.
وتطرقت «الفوال» إلى تعاطف محفوظ مع شخصيات رواياته، حتى تلك التي قد يختلف القارئ معها أخلاقيًا، مستشهدة برواية «اللص والكلاب»، التي منح من خلالها شخصيات مختلفة أخلاقيًا عن القارئ حقها في أن تظهر بوصفها شخصيات إنسانية لها دوافعها وصراعاتها.
وأضافت أن محفوظ تناول في أعماله عددًا من أزمات الإنسان النفسية والوجودية، ومنها أزمة منتصف العمر، والفراغ الوجودي، والعقد النفسية، مشيرة إلى أن رواية «السراب» تعد من أكثر أعماله وضوحًا في حضور البنية الأوديبية لدى بطلها «كامل»، الذي يدخل الحياة في ارتباط قوي مع والدته، لتصبح هي عالمه النفسي، بما يؤكد أن آثار الطفولة لا تنتهي بمجرد اكتمال نمو الجسد.
رموز المكان في أدب نجيب محفوظ
واختتمت الدكتورة رشا الفوال حديثها بالإشارة إلى تكرار عدد من الرموز في أعمال نجيب محفوظ، ومنها الطريق المسدود والزقاق والحارة الضيقة المغلقة، موضحة أن هذه الأماكن تحمل دلالات نفسية تتجاوز حدود المكان الجغرافي.
واستشهدت في هذا السياق برواية «زقاق المدق»، التي استطاع محفوظ من خلالها الكشف عن الوجه المأساوي للتحرر، وتقديم المكان باعتباره عنصرًا فاعلًا في تشكيل الشخصيات ومصائرها.
الواقعية بين الحقيقة والخيال
ونُفذت الندوة من خلال الإدارة العامة للثقافة العامة التابعة للإدارة المركزية للشؤون الثقافية، بالتعاون مع إقليم شرق الدلتا الثقافي، ومن خلال فرع ثقافة الدقهلية.
واختتمت الفعاليات بفتح باب المناقشات مع الحضور، والتي تناولت واقعية نجيب محفوظ وكتاباته التي قدم من خلالها مصر وتاريخها، إلى جانب عدد من أعماله الأدبية التي أثبت عبرها أن الواقعية ليست مجرد وصف للأحداث، وأن الخيال لا ينفصل عن الحقيقة، إذ يستطيع الكاتب أن يرى الواقع بعين دقيقة، ثم يعيد تقديمه في صياغة فنية تحمل دلالات إنسانية وفكرية متعددة.





