رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ميكا فالترى.. كيف تحولت «سنوحى المصرى» إلى رواية عالمية؟

سنوحى المصرى
سنوحى المصرى

تمر اليوم ذكرى رحيل الروائى الفنلندى ميكا فالترى، الذى غادر عالمنا فى 26 أغسطس عام 1979، تاركًا عددًا من الأعمال الأدبية التى جعلته من أبرز الروائيين الفنلنديين، ومن أشهرها رواية «سنوحى المصرى»، التى حققت انتشارًا عالميًا واسعًا، واستلهمت أحداثها من إحدى أكثر الفترات إثارة فى تاريخ مصر القديمة، وهى فترة حكم الملك إخناتون.

سنوحى 

نشرت رواية «سنوحى المصرى» للمرة الأولى باللغة الفنلندية عام 1945، وتدور أحداثها فى مصر القديمة خلال عهد الملك إخناتون، إلا أن الشخصية الرئيسية فى الرواية ليست الملك، وإنما الطبيب الملكى سنوحى، الذى يتولى سرد حكايته من منفاه بعد وفاة إخناتون وانتهاء فترة حكمه. ومن خلال شخصية سنوحى، يقدم فالترى سردًا روائيًا يمزج بين الأحداث التاريخية والخيال الأدبى، ويأخذ القارئ فى رحلة داخل المجتمع المصرى القديم وما شهده من تحولات سياسية ودينية وإنسانية.

ولا تقتصر أحداث الرواية على مصر وحدها، إذ يتتبع الكاتب رحلات سنوحى خارجها، فينتقل به إلى مناطق وحضارات مختلفة كانت على صلة بمصر فى ذلك الوقت، من بينها بابل وكريت، إلى جانب الحيثيين وثقافات أخرى محيطة بالعالم المصرى القديم. وأسهم هذا التنوع فى منح الرواية مساحة واسعة لرصد العلاقات بين الشعوب والحضارات، إلى جانب تقديم صورة عن طبيعة الحياة والصراعات والأفكار التى سادت تلك المنطقة فى العصور القديمة.

أصل شخصية سنوحى

استمد ميكا فالترى اسم بطله من نص أدبى مصرى قديم معروف باسم «قصة سنوحى»، وهى واحدة من أشهر القصص التى وصلت من الأدب المصرى القديم، ويرجع تاريخها إلى فترة أقدم بكثير من عهد إخناتون، وتحديدًا إلى عصر الأسرة الثانية عشرة. وبذلك اعتمد الكاتب على شخصية أدبية مصرية قديمة بالفعل، ثم أعاد توظيفها داخل عالم روائى جديد يجمع بينها وبين أحداث وشخصيات تنتمى إلى فترة تاريخية مختلفة.

ورغم أن الجمع بين شخصية سنوحى وعصر إخناتون يمثل معالجة روائية تخيلية، فإن فالترى أولى اهتمامًا كبيرًا بالتفاصيل التاريخية، وحاول من خلال بحثه أن يقترب من طبيعة الحياة فى مصر القديمة، وأن يقدم عالم الرواية بصورة مقنعة للقارئ. ولذلك جاءت الرواية مزيجًا بين البحث التاريخى والخيال الأدبى، وهو ما منحها قدرتها على استعادة أجواء العالم القديم مع تقديم حكاية إنسانية تتجاوز حدود الزمن.

إخناتون والحرب العالمية الثانية

لم يكن اهتمام ميكا فالترى بالملك إخناتون وليد كتابة الرواية فقط، فقد سبق أن تناول شخصية الملك فى مسرحية عُرضت فى العاصمة الفنلندية هلسنكى عام 1938. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وجد الكاتب فى موضوع إخناتون والحياة المصرية القديمة مادة مناسبة للتعبير عن مشاعر الإنسان فى زمن الحروب، فانتقل اهتمامه بالموضوع من المسرح إلى الرواية، التى جاءت أحداثها عن فترة تفصلها عن عصره أكثر من ثلاثة آلاف عام.

ورغم البعد الزمنى الكبير بين أحداث الرواية والواقع الذى عاشه فالترى، فإن «سنوحى المصرى» حملت انعكاسًا واضحًا لمشاعر القلق والإرهاق التى خلفتها الحروب، وقدمت من خلال أحداث تاريخية قديمة رسالة إنسانية متفائلة تؤكد أن الطبيعة البشرية، بما تحمله من مخاوف وصراعات وآمال، يمكن أن تتشابه رغم اختلاف الأزمنة والحضارات. وهكذا لم تكن الرواية مجرد استعادة لحقبة من تاريخ مصر القديمة، وإنما أصبحت أيضًا وسيلة للتأمل فى الإنسان ومصيره وسط الصراعات.

نجاح عالمى للرواية

نجحت «سنوحى المصرى» فى تحقيق انتشار واسع خارج فنلندا، وأصبحت من أكثر أعمال ميكا فالترى نجاحًا وشهرة، حتى تصدرت قوائم الكتب الأكثر مبيعًا فى الولايات المتحدة عام 1949. واستمر حضور الرواية بين القراء لسنوات، لتتحول من عمل أدبى يستلهم مصر القديمة إلى واحدة من الروايات التاريخية التى وجدت طريقها إلى جمهور واسع فى أنحاء مختلفة من العالم.

وترجمت الرواية إلى نحو 40 لغة، وهو ما ساعد على انتشار اسم ميكا فالترى عالميًا، وجعل «سنوحى المصرى» من أبرز الأعمال الأدبية التى تناولت مصر القديمة من خلال عين كاتب أجنبى. وبينما استندت الرواية إلى شخصيات وأجواء تاريخية، استخدم فالترى الخيال لإعادة بناء عالم كامل حول شخصية سنوحى، مقدمًا من خلالها حكاية تجمع بين التاريخ والسياسة والدين والحرب وتجربة الإنسان فى مواجهة التحولات الكبرى.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء