في ذكرى توقيعها.. حكاية معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا وبنودها الـ12
تحل اليوم الأربعاء، 26 أغسطس، ذكرى توقيع معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، التي أبرمت في مثل هذا اليوم من عام 1936، وعرفت رسميًا باسم معاهدة التحالف بين ملك المملكة المتحدة وملك مصر، وجاءت بعد مفاوضات استمرت عدة أشهر بين الجانبين، لتنظم طبيعة العلاقات المصرية البريطانية، وتحدد شكل الوجود العسكري البريطاني في مصر، إلى جانب عدد من القضايا السياسية والعسكرية المرتبطة بالبلدين.
مفاوضات معاهدة 1936
بدأت المفاوضات في القاهرة يوم 2 مارس 1936 بقصر الزعفران، بين هيئة المفاوضات المصرية التي ضمت ممثلي الأحزاب، باستثناء الحزب الوطني، والسير مايلز لامبسون، المندوب السامي البريطاني، واستمرت المباحثات في القاهرة قبل أن تنتقل إلى الإسكندرية منذ أواخر يوليو بقصر أنطونيادس، حيث واصل الطرفان التفاوض حتى التوصل إلى مشروع المعاهدة، الذي جرى توقيعه لاحقًا في لندن بقاعة «لوكارنو» التاريخية بوزارة الخارجية البريطانية يوم 26 أغسطس 1936.
وجرى التصديق على المعاهدة في 22 ديسمبر من العام نفسه، ثم سُجلت في مجموعة معاهدات عصبة الأمم في 6 يناير 1937، وكان من أبرز الموقعين عليها رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس باشا ووزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن، إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والمسؤولين، من بينهم رامزي ماكدونالد، ومحمود باشا، واللورد هاليفاكس، والسير جون سيمون، وإسماعيل صدقي باشا، ومكرم عبيد باشا، والسير مايلز لامبسون وأمين عثمان.
12 بندًا لتنظيم العلاقات المصرية البريطانية
تضمنت معاهدة 1936 اثني عشر بندًا تناولت مجموعة من القضايا المتعلقة بالوجود البريطاني في مصر، وتنظيم القوات العسكرية، والعلاقات السياسية بين البلدين، فضلًا عن قضية السودان والامتيازات الأجنبية، حيث نص البند الأول على انتقال القوات العسكرية البريطانية من المدن المصرية إلى منطقة قناة السويس، مع بقاء الجنود البريطانيين في السودان بلا قيد أو شرط.
وحدد البند الثاني عدد القوات البريطانية في مصر خلال وقت السلم بما لا يزيد على 10 آلاف جندي و400 طيار، إلى جانب الموظفين اللازمين لأعمالهم الإدارية والفنية، بينما سمح لبريطانيا بزيادة هذا العدد في حالة الحرب، بما جعل هذا التحديد مرتبطًا بظروف السلم فقط، فيما نص البند الثالث على ألا تنتقل القوات البريطانية إلى المناطق الجديدة إلا بعد قيام مصر ببناء الثكنات وفقًا لأحدث النظم.
كما نص البند الرابع على بقاء القوات البريطانية في الإسكندرية لمدة 8 سنوات من تاريخ بدء تنفيذ المعاهدة، بينما أبقى البند الخامس القوات الجوية البريطانية في معسكراتها بمنطقة القناة، ومنحها حق التحليق في الأجواء المصرية، مع منح الطائرات المصرية الحق ذاته، وهو ما عكس طبيعة الترتيبات العسكرية التي وضعتها المعاهدة بين الطرفين.
التزامات مصر في حالة الحرب
وتناول البند السادس التزامات مصر في حالة الحرب، حيث نص على أن تقدم الحكومة المصرية جميع التسهيلات والمساعدات للقوات البريطانية، مع منح البريطانيين حق استخدام الموانئ والمطارات وطرق المواصلات المصرية، بينما نص البند السابع على أنه بعد مرور 20 عامًا على تنفيذ المعاهدة، يبحث الطرفان مدى استمرار الحاجة إلى وجود القوات البريطانية، في ضوء قدرة الجيش المصري على ضمان حرية الملاحة في قناة السويس وسلامتها، وفي حال وقوع خلاف بين الطرفين، كان من الجائز عرضه على عصبة الأمم.
وتضمنت المعاهدة كذلك عددًا من البنود المتعلقة بالسيادة والعلاقات الخارجية، إذ نص البند الثامن على حق مصر في المطالبة بإلغاء الامتيازات الأجنبية، فيما نص البند التاسع على إلغاء الاتفاقيات والوثائق المنافية لأحكام المعاهدة، ومنها تصريح 28 فبراير بتحفظاته الأربعة، كما تناول البند العاشر مسألة إعادة الجيش المصري إلى السودان والاعتراف بالإدارة المشتركة بين مصر وبريطانيا.
أما البند الحادي عشر، فمنح مصر حرية عقد المعاهدات السياسية مع الدول الأجنبية، بشرط ألا تتعارض مع أحكام معاهدة 1936، بينما نص البند الثاني عشر والأخير على تبادل السفراء بين مصر وبريطانيا العظمى، بما نظم الإطار الدبلوماسي للعلاقات بين البلدين.
مصر تلغي المعاهدة عام 1951
استمرت معاهدة 1936 سارية لسنوات، إلا أن العلاقات المصرية البريطانية شهدت توترات متزايدة، خاصة مع تصاعد المطالب الوطنية بإنهاء الوجود البريطاني والتخلص من القيود المرتبطة بالمعاهدة، إلى أن اتخذت مصر في 15 أكتوبر 1951 قرارًا بإلغائها من جانب واحد، في خطوة عكست رغبة القاهرة في التحرر من الالتزامات التي فرضتها المعاهدة وتعزيز استقلال القرار والسيادة المصرية.
وبإلغاء المعاهدة دخلت العلاقات المصرية البريطانية مرحلة جديدة، في ظل استمرار المطالب المصرية بإنهاء الوجود العسكري البريطاني على الأراضي المصرية، لتظل معاهدة 1936 واحدة من أبرز المحطات في تاريخ العلاقات بين البلدين خلال النصف الأول من القرن العشرين، لما تضمنته من ترتيبات عسكرية وسياسية وما أثارته من نقاشات حول حدود السيادة المصرية والاستقلال.





