رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمد الشافعي: رمضان شهر المنح الربانية.. وبوصلتي فيه الصيام| حوار

الكاتب الصحفي محمد
الكاتب الصحفي محمد الشافعي

محمد الشافعي لـ"إيجبتك""

لكي تكتب فكرة حقيقية يجب أن تعايشها وتعيش معها

أحرص في رمضان على الصلاة في المسجد خاصة صلاة الفجر

أنا من عشاق الأصوات القرآنية العظيمة وأقترب من صوتي مصطفى إسماعيل والمنشاوي

رمضان شهر العبادة والروحانية والذكريات والإنسانية

في شهر رمضان تتجلى لكل مبدع طقوسه الخاصة وعاداته التي تمنحه مساحة أوسع للتأمل والكتابة؛ ويطل علينا الكاتب والمؤرخ الكبير محمد الشافعي واحدًا من الأسماء البارزة التي جمعت بين البحث التاريخي والعمل الصحفي، مقدمًا عبر مسيرته الطويلة عشرات المؤلفات والمقالات التي قاربت قضايا الفكر والتاريخ والثقافة الإسلامية بلغة تجمع بين الرصانة والعمق الثقافي، وقد عرفه القراء من خلال كتاباته في عدد من المنابر الصحفية المصرية، إلى جانب مؤلفاته التي تجاوزت خمسة وأربعين كتابًا.

في هذا الحوار الخاص مع "إيجبتك"، يخوض بنا “الشافعي” عن طقوسه الرمضانية، وعلاقته بالكتابة في هذا الشهر، وذكرياته مع الأصوات القرآنية العظيمة التي تشكل جزءًا من روح رمضان لديه؛ ولمعرفة كل هذه التفاصيل الرمضانية، تجدونها في سطور الحوار التالية:

ماذا يمثل لك شهر رمضان؟

شهر رمضان هو شهر المنح الربانية، و شهر يتفرد بمجموعة من الخصال الحقيقة التي لم يحظ بها أي شهر آخر، وهذا  الشهر الذي يحمل ركنًا أساسيًا من أركان الإسلام وهو الصوم، وهو الشهر الذي بدأ فيه نزول القرآن الكريم، وهو الشهر الذي يحتوي على ليلة هي أفضل ليالي العام على الإطلاق، ليلة القدر.

كما أنه الشهر الذي تخرج فيه زكاة الفطر، والناس تحرص فيه أيضًا على إخراج زكاة المال، وهذه مسألة في غاية الروعة، لذلك كتبت هذا الأسبوع مقالًا بعنوان "شهر المنح الربانية" قدمت فيه فكرة أتمنى أن يتبناها البعض، وهي أن هذه المعونات المليارية التي تخرج في رمضان، سواء من زكاة المال أو زكاة الفطر أو الصدقات، يمكن أن تُوظف بشكل أفضل.

أنا أرى أننا نحتاج إلى مؤسسة أهلية تقوم على إقامة مشروع جماعي في كل قرية من القرى المصرية، نحن في مصر رواد في فكرة الأسر المنتجة، وهي فكرة أخذتها الصين لاحقًا في نهضتها الحديثة، وكذلك المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر التي طبقها الدكتور محمد يونس في بنجلاديش، والتي نقلت بنجلاديش من تحت خط الفقر إلى واحدة من أهم الدول المصدرة للملابس الجاهزة.

قبل أسبوعين كنت في الوادي الجديد، في قرية اسمها الباشندي، وهناك شاهدت تجربة مهمة جدًا، شاب بدأ في منتصف السبعينيات مشروعًا صغيرًا، وتحول الآن إلى واحد من أكبر مصانع النسيج الذي يعمل في الكليم والسجاد بجهود ذاتية، هذه التجربة تؤكد أننا نستطيع من خلال هذا الشهر الكريم أن نعيد إحياء فكرة القرية المنتجة، فبدل أن يظل الفقراء ينتظرون الإعانة من برامج مثل "حياة كريمة" أو "تكافل وكرامة" أو من زكاة الفطر وزكاة المال، يمكن أن نعطيهم الفرصة ليعولوا أنفسهم ويساهموا أيضًا في بناء الاقتصاد الوطني.

هل لديك طقوس خاصة للكتابة في رمضان؟

الحقيقة ربما أكون الكاتب الذي ليست له طقوس، هناك كتاب كثيرون لديهم طقوس محددة؛ بعضهم يدخنون السجائر، وبعضهم يشرب القهوة أو الشاي، وبعضهم يكتب بأقلام أو أوراق بألوان معينة.

أنا ليس لدي كل هذه الطقوس، رغم أنني  تجاوزت خمسة وأربعين كتابًا؛ لكن في رمضان تحديدًا حدث شيء مختلف مرة واحدة فقط، في رمضان العام الماضي استثمرت الشهر في إنجاز واحد من أحب كتبي إلى نفسي، وهو كتاب "زعماء دولة التلاوة".

في هذا الكتاب كتبت عن خمسة عشر زعيمًا من زعماء دولة التلاوة الكبار، كنت أجلس للكتابة، وفي الوقت نفسه أفتح الهاتف وأستمع إلى حفلات الشيخ الذي أكتب عنه، سواء الشيخ محمد رفعت أو الشيخ مصطفى إسماعيل أو الشيخ محمد صديق المنشاوي أو الشيخ محمود علي البنا أو الشيخ الحصري أو الشيخ عبدالباسط عبدالصمد أو الشيخ محمد عمران وغيرهم من هؤلاء العمالقة؛ كان ذلك طقسًا مختلفًا بالفعل، وربما تكون المرة الوحيدة التي ارتبطت فيها الكتابة لدي بشكل مباشر بشهر رمضان.

كيف تقضي أيام وليالي رمضان عادة؟

أنا أقضي جزءًا كبيرًا من شهر رمضان في قريتي كفر الشرفا القبلي التابعة لمركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية. ونحرص هناك على صلاة التراويح، والقرية قديمًا كان فيها مسجد واحد فقط، هو المسجد الكبير، أما الآن فقد أصبح فيها أكثر من عشرة أو اثني عشر مسجدًا؛ لكن الجيل القديم ما زال يحرص على الصلاة في المسجد الكبير، لأن فيه ذكريات الطفولة وتجمعاتنا القديمة، بل حتى رائحة الراحلين الذين رحلوا عن دنيانا نشعر أنهم موجودون في هذا المسجد؛ كنا نصلي فيه الفجر والجمعة والأعياد، وحتى الآن، رغم أن شباب القرية يصلون العيد في الساحات المفتوحة، فإنني أحرص على صلاة العيد في المسجد الكبير، لأنه بالنسبة لنا جزء من حياتنا وذكرياتنا.

كيف تنظر إلى علاقة الكاتب بالكتابة خلال شهر رمضان؟

الكاتب أيًا كان يظل دائمًا مهمومًا بما يكتب، وأنا في الأساس مؤرخ ولست روائيًا، الرواية تحتاج تجهيزًا مختلفًا، بينما المؤرخ يحتاج إلى وثائق ومستندات وحوارات حية مع الذين عاشوا الأحداث التي يكتب عنها، إضافة إلى ذلك، أنا كاتب صحفي أيضًا، وأكتب مقالات في مجلة المصور ومجلة الهلال وجريدة المصري اليوم؛ لذلك يظل السؤال دائمًا حاضرًا: ماذا تكتب؟ وكيف تكتب شيئًا مختلفًا عما يكتبه الآخرون؟ هذه مسألة صعبة جدًا.. لكن القدماء قالوا إن الرجل أسلوبه، والحمد لله أعتقد أن لي أسلوبًا خاصًا بي، ومع ذلك يبقى التحدي الحقيقي هو المضمون: ماذا تقدم للقارئ؟

نحن الآن في صراع غير متكافئ مع وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون والكم الكبير من الصحف والمواقع. لذلك عندما تقدم تحليلًا أو رؤية مختلفة، فإن هذا الأمر يشغل تفكيرك طوال الأربع والعشرين ساعة.

حدثنا عن كتابك الأخير "حرف السين… معجزة الإسلام الكبرى"

آخر كتاب صدر لي بعنوان "حرف السين… معجزة الإسلام الكبرى"، وقد ناقشناه منذ أيام في نقابة الصحفيين، الفكرة ببساطة أن هذا أول كتاب في تاريخ الدراسات الإسلامية يتناول حرفًا واحدًا من حروف القرآن الكريم.

سُئلت خلال المناقشة: كيف جاءت هذه الفكرة؟ فقلت إن هذه الفكرة كتبتني ولم أكتبها.. لأن الفكرة عندما تسيطر عليك تصبح تعيش معها طوال الوقت، وتفكر فيها باستمرار؛ لكي تكتب فكرة حقيقية، يجب أن تعايشها وأن تعيش معها، عندها فقط تستطيع أن تقدم شيئًا مختلفًا.

ما هي البوصلة اليومية في رمضان بالنسبة لك؟

البوصلة في رمضان هي فكرة الصيام نفسها، نحن طوال الوقت ننتظر أذان المغرب لكي نتجمع حول مائدة الإفطار، و أحيانًا نجتمع مع الأصدقاء في إفطار أو سحور، لكن اليوم في مجمله يمضي بشكل طبيعي.

أحرص في رمضان على الصلاة في المسجد، خاصة صلاة الفجر، وفي الحقيقة أنا لدي نظام غريب في النوم؛ أسهر كثيرًا جدًا، وهذا يؤثر على بعض الأمور الصحية، لكن طبيعة العمل تفرض ذلك، ومع ذلك أحرص في رمضان قدر الإمكان على صلاة الفجر في المسجد؛ بقية اليوم يكون بين القراءة والكتابة ومتابعة بعض البرامج أو الأعمال التي تعرض في رمضان، إضافة إلى متابعة الأحداث الجارية في العالم.

هل لديك مهارات في الطبخ خلال رمضان؟

الحقيقة أعترف اعترافًا صريحًا أنني أفشل رجل يمكن الاعتماد عليه في المطبخ، لا أجيد عمل أي طعام تقريبًا، وربما أستطيع أن أسلق بيضًا أو أصنع بيضًا أومليت أو أسلق بطاطس، وهذه الأشياء البسيطة فقط.

وأتذكر أننا عندما كنا في الجامعة كنا نسكن خارجها، وكان كل واحد منا يطبخ يومًا، وعندما جاء دوري قررت أن أطبخ لهم مكرونة، لكنها كانت كارثة بكل المقاييس، وضعت المكرونة في الماء البارد على وابور الجاز، وكانت النتيجة أن الطعام لم يؤكل إطلاقًا، بل إنهم رفضوا أكله وغرموني ثمن الأكل كله، ومن يومها لم أجرب حظي مرة أخرى في المطبخ.

ماذا عن ذكرياتك مع رمضان في الطفولة؟

أنا مولود في الإسماعيلية عام 1960، وظللت هناك حتى عام 1967، بعد عدوان يونيو هاجرنا إلى قريتنا في القليوبية، في ذلك الوقت لم تكن الكهرباء قد دخلت القرية بعد، بل دخلت بعد ذلك بحوالي عشر سنوات تقريبًا، كنا مجموعة من الأطفال نذهب إلى ترعة كبيرة كنا نسميها البحر، واسمها على الخريطة "بحر الخليل"، كنا ننتظر عندها أذان المغرب، وعندما نسمع الأذان غالبًا بصوت الشيخ محمد رفعت أو الشيخ سيد النقشبندي نجري جميعًا إلى بيوتنا لنفطر.

وأعتقد أنني صُمت منذ سن مبكرة جدًا، فقد بدأت الصيام وأنا في السابعة من عمري، وكانت تلك لحظات لا تُنسى، فيها براءة الطفولة وفرحة الأشياء البسيطة التي لم تكن موجودة كما هي الآن؛ في ذلك الوقت لم يكن لدينا سوى جهاز راديو واحد في البيت، وكنا نجلس حوله لنستمع إلى المسلسلات الإذاعية.

من هم القراء الذين تفضل الاستماع إليهم في رمضان؟

أنا من عشاق الأصوات القرآنية العظيمة، وأكثر صوتين أقترب منهما هما الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمد صديق المنشاوي، هما من أصحاب المدارس العملاقة التي أثرت في العالم الإسلامي كله، إذا ذهبت إلى إيران أو باكستان أو أي دولة إسلامية ستجد تأثير مدرستهما واضحًا، وهناك قراءات معجزة لهذين الشيخين، منها قراءة الشيخ مصطفى إسماعيل لآية "قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك"، وكذلك قراءة الشيخ المنشاوي لسورة العلق، أيضا  هناك أصوات عظيمة أخرى مثل الشيخ محمد رفعت، والشيخ محمود علي البنا، والشيخ الحصري، والشيخ عباس عبدالصمد، والشيخ محمد عمران، والشيخ عبدالعزيز علي فرج، والشيخ كامل يوسف البهتيمي، واخترت خمسة عشر اسمًا من هؤلاء الكبار وكتبت عنهم في كتابي بحب شديد، وحاولت أن أقدم كتابة ترتفع إلى مستوى الإبداع الذي كانوا يقدمونه في تلاوتهم.

ما المواقف الإنسانية التي تلمسها في رمضان؟

من أجمل المواقف التي أراها في رمضان أن بعض الشباب يقفون قبل أذان المغرب في الطرق ومعهم زجاجات مياه أو عصائر أو تمر، ويقدمونها للمارة لكي يفطروا، وهذه مسألة بسيطة لكنها تعبر عن أصالة الشعب المصري، و قد تكون موائد الرحمن كانت أكثر انتشارًا في الماضي، لكن روح التكافل ما زالت موجودة.

ورمضان بالنسبة لي يظل شهرًا مختلفًا في كل شيء،  هو شهر العبادة والروحانية والذكريات والإنسانية أيضًا، وأتمنى أن نستفيد من هذا الشهر ليس فقط في العبادة، ولكن أيضًا في التفكير في مشروعات وأفكار يمكن أن تساعد المجتمع، مثل فكرة القرية المنتجة التي تحدثت عنها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء