بين "صحاب الأرض" وفخ "العشوائيات".. نقاد يحللون خريطة دراما رمضان|خاص
تظل الدراما الرمضانية هي الحد الأكبر على الشاشات، والتي تتنوع ما بين مسلسلات كوميدية ورومانسية وتاريخية، ولكنها تعاني الكثير من الابتذال، ورغم كثرة العدد غير من المسلسلات الذي لم ينل رضى الكثيرون إلا أن هناك أعمالًا نالت إشادة نقدية بتناولها قضايا اجتماعية أو تاريخية بعمق، مما يجعل الموسم مزيجًا من الإنتاجات المتنوعة بين القيمة والجذب التجاري.
وفي السياق، قال الروائي والمنتج الدكتور حسين نوح، بشأن مسلسلات رمضان والتي شهدت تجاوزات في بعض المشاهد رغم التشديدات بضرورة تفعيل الرقابة، إن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتفعيل الرقابة لم تأت من فراغ، وإنما نتيجة الوضع الإقليمي والحالة العامة للناس، وبناء عليه شدد الرئيس على ضرورة أن يكون أي عمل فني لديه قيمة مضافة.
وأضاف نوح، لـ "إيجبتك"، وعلى النقيض هناك بعض الأعمال منذ الحلقة الأولى وأثبتت ذاتها، مشيرًا في ذلك إلى مسلسل "صحاب الأرض"، الذي رصد فاجعات كل ما يقوم به الكيان الصهيوني في غزة وما حولها فيما يخص لبنان وإسرائيل، كما أنه رصد العلاقة بين الأرض والمواطن.
مسلسل “صحاب الأرض”
ولفت إلى أن بعد حرب 1948، أثبت المواطن الفلسطيني مدى ارتباطه وتمسكه بأراضيه، قائلًا “وقد استغل المخرج بيتر ميمي” أعين الفنانة منة شلبي" ليعكس مدى الحزن والدمار الذي يعيشه أهالي غزة من انفجارات ومعاناة وسيدات تهرول في الشوارع"، وعلى جانب آخر من هذه المعاناة تظهر قصة حب بين أب يبحث عن أبناء أخوة وعظم المعاناة في البحث عن الدقيق ولقمة العيش كي يبقى على قيد الحياة"، مُثمنًا دور إياد نصار والقيم التي عكستها تلك القصة من قيم أسرية وعائلية ومجتمعية وترابط أسري.
إياد نصار
وثمّن اختيار الفنان إياد نصار، لكونه من أصول فلسطينية، ما جعله يبدع في إجادة اللغة والأداء، مشيدًا بمسلسل "صحاب الأرض"، قائلًا تميز فيه الموسيقى والشعر ونقل الإحساس للمتابعين، لافتًا إلى وجود مسلسلات وبرامج تقدم سفه وعنف وبلطجة وقيمة أخذ الحق باليد و"الشومة"، وكأنها تقدم "مغامرات في شيكاغو"، مستنكرًا ذلك بقوله "لا يوجد لدينا أماكن نمارس فيها مطاردات بالسيارات ولا يوجد لدينا هذه الثقافة ولا يصح أن تقدم هذه المادة للمواطن في الظرف الراهن على الإطلاق.
مسلسلات هزلية
وأشار إلى المسلسلات التي تقدم الضحك لمجرد الضحك ولا تُضحك إلا جمهور العشوائيات وجمهور التكاتك -على حد تعبيره-، مُشددًا على ضرورة مخاطبة فئات المجتمع عند صناعة الفن.
أعمال الجيدة هادفة
وأردف قائلًا والمحزن أن الأعمال الجيدة هي التي تتوه في زحام هذا الكم من المسلسلات، مشيرًا إلى بعض الأعمال الجيدة والتي منها "رأس الأفعى" لشريف منير وأمير كرارة، و"كان ياما كان" لماجد الكدواني ويسرا اللوزي.
"كان ياما كان"
وتابع: ومسلسل "كان ياما كان"، يتناول الانفصال العائلي، وفكرة تفكيك البيت، مشددًا على فكرة أن تفكك البيت يعني تفكك المجتمع، مشيرًا إلى أن زكي نجيب محفوظ كان يقول إن "الفنون التي لا تقدم دراما لخدمة العقل تعمل على عدم إعمال العقل".
واختتم معربًا عن أمنيته في تقديم محتوى مثل "في بيتنا رجل"، والكثير من المسلسلات التاريخية والدينية، مشددًا على ضرورة الأخذ في الاعتبار مصر قائلًا "لازم نأخذ بالنا من مصر"، مشيرًا إلى التصريحات الإسرائيلية الأخيرة وما يحدث في المنطقة العربية بشكل عام.
"المهم تتصدق"
قال المخرج السينمائي الكبير أشرف فايق، ردًا على منشور كتبه على صفحته الشخصية أمس على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، “ وإحنا بندّرس ”مادة حرفية الإخراج السينمائي"، لطلبة الإخراج، طول الوقت نقول للطلبة، "أهم حاجة تتصدقوا، وخصوصا لمخرجين المسلسلات، علشان المشاهدين يكملوا معاكم للحلقة التانية وميحولوش القناة ويهربوا منكم.."، إن الغرض من هذا المنشور موجه لمخرجين السينما وخاصة "المسلسلات"، ولابد أن يُصدقهم المشاهد، حتى لا ينفر منهم من الحلقة الأولى.
وأوضح فايق، بخصوص مسلسلات رمضان وتفعيل الرقابة على المصنفات الفنية والدراما الرمضانية، والتي لم تؤخذ في الاعتبار رغم تشديدات الرئيس، أن أي نقد لن يؤخذ في الاعتبار، وأن المسئول في هذا الملف “الإنتاج”، ومن أعطوا لهم الفرصة بعمل ذلك، قائلًا "إن الفكرة تكمن سواء في المسلسلات الكوميدية أو غيرها في أن يكون السيناريو والحوار "مُصدق"، وليس انتهاء بالممثل"، موضحًا أن عندما يكون الإسكريبت، "متصدق"، سيكون العمل بأكمله "متصدق".
الشباب والدراما
وأضاف أن الشباب المستهدفين من هذه المسلسلات لا يستكملوا مشاهدة العمل، ولا يحاولون مشاهدة أي محتوى حتى على الموبايل أكثر من 30 ثانية إذا لم يجذبهم المحتوى، والعكس صحيح، مؤكدًا أن المُشاهد اليوم ما يجعله نافرًا هو مشاهد العنف والضرب والمشاهد غير المُصدقة، موضحًا وسيبقى المسلسل التليفزيوني ذو طبيعة خاصة لأنه يدخل لكل الأسر.
ولفت إلى إمكانية عدم مشاهدة ما لا ينال إعجاب المشاهد من برامج أو غيره من المسلسلات، قائلًا قديمًا كانت الأسرة تتجمع حتى تشاهد مسلسل رمضان، واليوم الأسرة تشاهد قناة "ماسبيرو زمان"، مُشددًا على ضرورة تفعيل دور الدولة في الرقابة على المخدرات في الشارع المصري، لأنها مصدر الخطورة وليست المسلسلات أو الدراما.
الانحدار الأخلاقي
وتابع: البلطجة والمخدرات هي السبب في الانحدار الأخلاقي والعنف في الشارع المصري وليس المسلسلات أو الدراما بشكل عام، وليس كافي على الرقابة أن تكتب على المسلسل عبارة غير صالح للمشاهدة لأقل من 18، قائلًا لإنه لا يمكن فصل السن الأصغر عن الكبار، وخاصة في ظل المسلسلات التي تُبث على مواقع التواصل الاجتماعي على شكل ريلز ومقاطع قصيرة تكون متاحة بالنسبة للفئة غير المستهدفة، وبالتالي فإن الحل فيما قبل إنتاج المسلسل.
واختتم قائلًا "الفن ليس نقلًا للواقع ولكن الواقع مادة للفن"، والفن ليس تركيز على سلبيات المجتمع، وإنما إمكانبة تجسيد قصص حقيقية وفي نهاية المسلسل لابد أن تكون مُسندة لأي من القصص الحقيقية، مستنكرًا صناعة المسلسل مقابل المال رغم عدم تصديقه من الجمهور، قائلًا وحتى متابعة الإعلانات تفسد متعة متابعة المسلسل.
العنف والبلطجة
قال الناقد الفني معتز محسن، بشأن مشاهد العنف والبلطجة في الدراما والمسلسلات الرمضانية لعام 2026، رغم تشديدات الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، ومساعي الدكتور أحمد هنو، وزير الثقافة السابق، لتفعيل الرقابة على المصنفات الفنية، إن بعض المسلسلات أصبح بديل لأعمال سبق عرضها مثل الكبير، وبعضها الأخر “يلمع” قصة تاجرة مخدرات وتكون البطلة، فضلًا عن نفس الآداء والملابس ولكن ما اختلف هو التوقيت في العرض، وهو ما يمكن تسميتها بالإفلاس للأفكار.
وأضاف محسن، أن الفضاء الأزرق أصبح لا يوجد له رقيب، فأصبح كل شخص يقول ما يشاء، وهو ما يؤكد نظرية “المال يتكلم”، وما يجذب المشاهد والتي تتنوع بين برامج المقالب التي تسوء كل عام عن الآخر، مستنكرًا غياب الأعمال الدينية، وكان من المفروض استكمال مثل هذه المسلسلات وخاصة بعد “الإمام الشافعي”، وعرض نموذجًا دينيًا من العصور الوسطى.
مسلسلات دينية
وأوضح أنه عند التفكير في عمل ديني ليس شرطًا الإتيان بنموذج من التراث وإنما يمكن عمله برؤية عصرية والدليل على ذلك مسلسل “صيام صيام”، مشيرًا إلى عبد الرحيم كمال وغيره من السيناريست الجيدين الذين يتمكنون من كتابة سيناريو جيد، قائلًا وليس شرطًا عمل مسلسل دينيًا وإنما اجتماعيًا أيضًا.
ولفت إلى غياب مسلسلات وبرامج الأطفال، قائلًا الأطفال لم يأخذوا حظهم من مسلسلات الأطفال مثل التي كانت تعرض سابقًا مثل “بوجي وطمطم وغيرها”، مشيرًا إلى ظاهرة الإقبال المتزايد على مشاهدة قناة ماسبيرو زمان، والتي تعكس حالة من حاجة الجمهور لمشاهدة كل ما هو نظيف وبه محتوى قيم، مؤكدًا أن كثيرين باتوا يفضلون متابعة مسلسلات السبعينيات والثمانينيات التي تعبر بصدق عن المجتمع المصري، بعيدًا عن المبالغات المنتشرة في بعض الأعمال الحالية.
ماسبيرو زمان
واستكمل أن إعادة عرض مسلسلات قديمة مثل «سبع وجوه للحقيقة» – الذي لم يُعرض سوى مرة واحدة في أوائل التسعينيات – لاقت اهتمامًا واسعًا من الجمهور، إلى جانب أعمال أخرى مثل «بنات الأصول» الذي عُرض عام 1988 وضم كوكبة من النجوم، وحقق وقتها نسب مشاهدة مرتفعة لأنه قدّم صورة واقعية للمجتمع المصري دون إفراط في مشاهد العنف أو المخدرات.
وأوضح أن المجتمع المصري بطبيعته لا يعكس الصورة التي تروجها بعض الأعمال الدرامية حاليًا، والتي تُظهر العنف والبلطجة وكأنها السمة الغالبة، مشيرًا إلى أن تقديم تفاصيل دقيقة عن المخدرات أو الأسلحة داخل الأعمال الفنية يثير تساؤلات حول جدوى ذلك، خاصة في ظل التأثير الواسع للدراما على الأسر المصرية.
الفضاء الأزرق
وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالرقابة، بل بطبيعة المرحلة الإعلامية الراهنة، في ظل ما وصفه بـ«الفضاء الأزرق» المفتوح، الذي يصعب التحكم الكامل في محتواه، ما يتطلب وعيًا أكبر من صناع الدراما قبل مرحلة الإنتاج، مُشددًاعلى أن المسؤولية تبدأ من الفكرة والسيناريو، وليس بعد تنفيذ العمل.
وأردف قائلًا: إن ظاهرة تكرار تقديم بعض النجمات في أدوار متشابهة، مثل ما يحدث مع الفنانة مي عمر، تعود إلى ما يُعرف في الوسط الفني بـ«التيمة» أو القالب الناجح تجاريًا، حيث يميل المنتجون إلى استثمار الشكل أو النمط الذي يحقق نسب مشاهدة مرتفعة، وهو ما انتقل – بحسب قوله – من منطق شباك التذاكر في السينما إلى الدراما التلفزيونية مع سيطرة الإنتاج الخاص وتراجع دور قطاع الإنتاج الحكومي.
وتابع أن غياب التوازن الذي كان يحققه وجود مؤسسات إنتاج رسمية أسهم في تغليب لغة السوق على الاعتبارات الفنية، لافتًا إلى أن بعض الأعمال تلجأ إلى إدخال مشاهد أو تفاصيل لا تتسق مع طبيعة المجتمع المصري، معتبرًا ذلك نوعًا من «التغريب» غير المبرر دراميًا.
واختتم مؤكدًا على أن الفن ليس نقلًا حرفيًا للواقع، بل إعادة صياغة له برؤية جمالية وفكرية، مشددًا على ضرورة احترام هوية المجتمع وقيمه، وأن النجاح الحقيقي لأي عمل فني يكمن في صدقه وقدرته على التعبير عن الناس دون ابتذال أو افتعال.




